عودة إلى المسألة الرئيسة بالنسبة إلَيَّ (-الكفر-) عبر خطاب مُوَجَّه لبعض رجال الدين

أحمد إدريس
2020 / 4 / 1

(ما يلي تقريع شديد كتبتُه قبل أعوام أُخاطِب فيه مشايخَ دين شاركوا في صناعة المشهد المأساوي الحالي لأُمتِنا بخطاباتٍ و مواقف و فَتَاوَى أكثر مِن مجرمة !)


"وَطَّدْتُ نفسي على الدفاع عن الحق، و أنْ أتحمَّل فيه كُلَّ مكروه، و لو كان آتِياً مِن الذين أُدافع عنهم." (سعد زغلول)

"إن انتشار الكفر في العالَم يحمل نصف أوزاره مُتديِّنون بغَّضوا الله إلى خلقه بِسوء صنيعهم و سوء كلامهم." (الشيخ محمد الغزالي)

"عندما أشعر بأنني يَجِب أن أقول شيئاً، فسأقوله حتى لو أمسكني العالَم كلُّه من رقبتي و طلب مني أن أسْكُت." (إليف شافاق)



أيا من تُلقبون عندنا بأصحاب الفضيلة، و المخاطَبون هنا و فيما يلي هم تحديداً و حصراً أولئك الذين لعبوا دوراً مِحْوَرياً و حاسِماً في إيقاد و تأجيج نيران الفتن التي عصفت بأمتنا مُنذ بِضع سِنين، و زرعت البؤس و التعاسة فينا كأفراد و أُسر و مجتمعات و دمَّرت أوطاناً بطريقةٍ مُنَسَّقةٍ و مُمَنْهجةٍ و لا زالت تفْتِك بالأرواح و تهْدِم العُمران في كل حين، أقولها لكم بصراحة و مِن دون مُوَاربة :

التَّغييرُ الذي لا يقود إلى الأحسن و الأفضل، بل إلى نقيض ذلك تماماً لِحَدِّ أنه قد يُؤدي بِنا إلى حفر قبورِنا بِأيدينا، لا مرحباً به و سُحقاً له إذ هو مُجرَّد تخريب. لا معنى لِمثل هذا التغيير الذي هو في واقع الحال ليس أكثر مِن عبث، أهوج و أحمق، يجعلُنا في نِهاية المطاف نتحسَّر بمرارة بل نبكي بحُرقة على ما سلف. التغيير المنشود و هو بالطبع الذي يأتي بالأفضل و الأحسن، لا يكفي فيه استبدالُ حاكم بآخر إذ يتطلَّبُ قبل أي شيء إيقاظَ وعي الأمة و ترشيدَ سلوكِها و تصويبَ حركتِها و إصلاحَ فكرها، و لا يكون بالعمالة للأجنبي و جَلْبِ الإحتلال لأرض الوطن : مُحال أن يجد و يجني الخير، مَن يستعينُ بناهبي الخيرات…

ورد في الأثر أنَّ المؤمن ينظر بنور الله و ها أنتم كالعُميان لا تُبصِرون شيئاً. لقد ظننتُم السَّراب ماءً عذباً و حَسِبتم ربيعاً ما هو خريف، من كثرة ما زيَّنتُم لأنفُسِكم و للآخرين الباطل، لقد كانت مُجرَّد أوهامٍ هي اليوم تتساقط كأوراق الخريف.

و الأدهى في الأمر هو أنَّنا في الواقع إزاء تعامٍ مُتعمَّد و مقصود عن الحق، بَيْنَما الكُلُّ يرى بِأُمِّ العَيْنِ النتائج الكارثية التي خلَّفها هذا الصُّدود عن الحق. لَعَمْري هذا هو الكفر في أبشع صُوَرِه إذ هو جحود و عَدَمُ اعتراف أو إقرار و نُكران لأشياء مُؤكَّدة بِمُوجِب كَوْنِها محسوسة مشهودة ملموسة و ليست مِن أنباء الغيب. فيا أهل العلم المزعومين، مَن الأَوْلَى بِوَصْف كافر : مُنكِرُ وجود الشمس أم مُنكِرُ حدوث البعث ؟ أيُّهُما قد يكون في إنكاره معذوراً و أيُّهُما مِن المُحال أن نَجِد له عذراً ؟ منكِرو و جاحِدو الشمس، أي الحقيقة بِشأن ما يَحْصُل بالفِعل على أرض الواقع - و التي هي الآن بل منذ مُدَّة طويلة بَيِّنة واضحة جَلِيَّة -، هم أنتم يا معشر المشايخ. و كفيف البصر هو وحده من لا يُلام إن أنكر وجود الشمس… إحقاقُ الحق و إبطالُ الباطل، تلك هي مُهِمَّة العالِم الصادق :

أين أنتم من الصدق و من الربانية ؟ إلى متى ستستمر حفلة الكذب و الزور و الخيانة و الإفساد في الأرض ؟ فيا أدعِياء التديُّن الذي بِنَظرِكم لا يَصِحُّ أبداً ما عداه أنسيتم سُنَّة الله الماضية إلى يوم البعث و الحساب أنَّه لا يُصلِح عمل المفسدين ؟ ألم يَأْنِ لكم أن تخشع قلوبُكم لِذِكْر الله و ما أنزل من الوصايا في القرآن ؟ أما قرأتم في كتاب الله : "وَ أنَّ الله لا يَهدي كَيْدَ الخَائِنين"، "لا تُفسِدوا في الأرضِ بَعْدَ إِصْلاحِها، و ادْعُوهُ خَوْفاً و طَمَعاً، إِن رحمةَ اللهِ قريب مِن المُحسِنين"، "اتَّقُوا الله وَ كونوا مع الصَّادقين". كونوا مع الصَّادقين و لا تكونوا مع الكاذبين ! و اجْعَلُوا نُصْبَ أعْيُنِكم هذه الوصية مِن النبي الذي كان قومُه يُنادونَه قبل بِعْثتِه بالصَّادق الأمين : "دَعْ ما يَرِيبُكَ إِلى ما لا يَرِيبُكَ، فإنَّ الصِّدْقَ طُمَأنينة و إنَّ الكَذِبَ رِيبَة". الكذب قد يُفيد مُؤقتاً في إقناع أي خداع بعض أو رُبَّما كثيرٍ من السُّذج الغافِلين، لكِنَّه في النِّهاية سيكون وَبالاً على صاحبه عندما يَفتضِح أمره و تظهرُ الحقيقة. و هذا ما سَيَحدُث لا مَحالة، سواءٌ أطال الزَّمن أم قصُر. فالكذب مُجَانِبٌ للإيمان، هما على طَرَفي نقيض. كذب على النفس و كذب على الغير. جَلِيٌّ أن الإيغال في الكذب و الزَّور جلب لأمتنا متاعبَ و كوارثَ تفوق الحصر - الآتي قد يكون أفدح - و لا أمل لنا في أيِّ خلاص ما دُمْنا مُصرِّين على رفض الإصغاء لِصَوْت العقل.


في حقيقة الأمر مشكلتي مع شيوخ أقحموا نفوسَهم، بلا رَوِيَّة و مِن غير تَحَرٍّ جاد للصواب، في أمور سياسية خطيرة تتلخَّص في تساؤلٍ بسيط : كيف يجتمع إيمان صادق بوجود الله و النفور مِن الحق في قلب إنسان ؟ مَن مِنا إذاً لم يُصادِف في حياته مِراراً و تَكراراً أناساً يزعُمون الإيمان بالله، الذي ما رأوه قَطُّ، و في الوقت ذاته تجدهم لا يَتوَرَّعون عن إنكار حقائق ملموسة لا تقبل الشك ؟ أكيد أن عوامل نفسية تكمن وراء إنكار الحقائق الواضحة. ذلك لأنني أتعجَّبُ و أستغرب بشِدَّة و أتساءل كيف يجْتَرِئ إنسان يجحد حقائق مرئِيَّة، على أن يعتبر كافراً مستحِقاً لعذاب أبدي لامتناه مَن عجز عن التصديق بأشياء غيبِيَّة. ما الأشنع و الأفظع عند الله، يا مَن تزعُمون الإيمان بالله : إنكار مرئيَّات أم إنكار غيبيَّات ؟ أضف إلى ذلك كله تصرفات بعض "المؤمنين" الذين هم أخلاقياً دون مستوى كثير من "الكفار". عِلماً أنَّ مِن أعظم و أخطر أسباب هجرِ و تطليق ناس كثيرين للدين الدجالون مِمَّن نصَّبوا أنفسَهم وكلاء عن خالق هذا الكون. التديُّن الزائف المغشوش أضر بالبلاد و العباد مِن عدم الإنتماء الإسمي لأي دين. و ما أكثر غير المُلتزمين بالمراسم و الطقوس و الشعائر الدينية، مَن وجدناهم أزكى مسلكاً مِن أُناس هم في الظاهر شديدو التديُّن…

يا قوم إلى متى هذا الطَّيْشُ و الخَبَل و قِصَرُ النظر ؟ جَلِي أنَّ مصير أوطاننا و مُوَاطنيها في مَهَبِّ الريح. هل يفرحكم هذا يا سادة ؟ هل مِن العقل و الحكمة و النَّباهة أن يُخْرب المرء بيته بيده و يَزُجَّ بِنفسِه في دَوَّامةِ فِتنةٍ هو في غِنىً تام عنها و لن يَخرُج منها إذا استطاع ذلك إلاَّ مُثخناً مُحبطاً خائر القُوى، هل مِن الدين أن تستغِلوا مشاعرَ و قِلَّة وعي و مشاكلَ بعضِ الفئاتِ الإجتماعية في أوطانِنا لِتهييجها و تثويرها ضد أنظمة دون أخرى في انتِقائية مُريبة أفقدتكم كل مِصداقِيَّة ؟ هذا الجنون لم يُحقِّق و لن يُحقِّق شيئاً إيجابياً.

أقلِعوا عن هذا العبث المُخزي لكم و المُزري بكم دون تأخير أو إبطاء !

"كونوا مِمَّن سيشهدُ لهم التاريخ و لا تكونوا مِمَّن يلعنُهم التاريخ." (الإمام الشهيد البوطي)


ما سِرُّ و تفسير هذا التَّكالُبِ المسعور مِنكُم على رئيسٍ شابٍ مغضوبٍ عليه مِن قِبَلِ طَوَاغِيتِ الأرض لأنه يُدافِع عن بلاده ضِدَّ هجمة شرسة لم يسبق لها مثيل في التاريخ، إِذ لم تُستَخدَم فيها الجيوش النظامية كالمُعتاد و إنَّما جحافِل جرَّارة مِن المقاتلين غير المِهَنيِّين و المُدَرَّبين جيداً الذين استُقدِموا مِن مختلف أنحاء الدنيا تحت إشرافِ مُخابَرات الأنظمة المُتآمِرة عليه، مُتَواطِئين بصورة مفضوحة مع جَمْعٍ مِن الإمبريالِيين المجرمين و الصهاينة المُتَهَوِّرين الذين يَجُرُّون العالَم بأسره نحو هاويةِ حربٍ كونية تمهيدًا لِمَجيء مسيخِهم الدجال ؟ انتِماؤُكم المُعلَن الصريح لِزُمْرَةِ أعداءِ الإنسانية و السلام العالَمي شَكَّلَ بالنسبة لي مُفاجَأة العمر. (*)

لقد بالغتُم و تمادَيْتم في ظلم ذلك الحاكم دون وجه حق، تماماً مِثلما فعلتُم مع الزعيم الذي صفَّاه حلفاؤُكم الصهاينة - مُستعينين في ذلك بِضِباعٍ بشرية سُمِّيت في الإعلام ثواراً -، و أنتم تعلمون أنَّ توَخِّي العدل أمر إلهي واجبُ التنفيذ : "إنَّ الله يأمر بالعدل". هذا الزعيم كانت له محاسِن و مساوِئ كسائر البشر، لكنه بنى بلداً العيشُ فيه ـ قبل الفتك به بإسم الحرية و حقوق الإنسان ـ لائق و كريم بشكل عام، أمَّا قَتَلتُه و شُركاؤُهم في الجريمة فماذا قدَّموا للبشر ؟

جلي أنَّ رائحة الدم هي السائدة في أوطاننا، و أنْ لا أثر في أغلبها لِشذا الأزهار الطيب : أهذا ربيع ؟

أوطانُنا العربية المكلومة الحزينة عَطْشى إلى أمطار الحب، الأرضُ كُلُّها مِن شرقِها إلى غربها ظَمْأى إلى أمطار الحب. البشرية الآن تَقِفُ في مفترق طُرُق و سلوكُها الجماعي أصبح يُهدِّد بِمَحْوِها مِن الكون، فقدانُها البُوصَلة أوْصَلها إلى مُنعطَف خطير للغاية - خصوصاً على الواهِمين الغارقين في أحلام اليقظة -، مَنْطِقُ المسؤولية التاريخية يَسْتَوْجِب علينا إذاً أن نسمع بِسُرعة نِداءَ بل صرخة الكون : إصطلحوا مع الحب، قبل أن يَفُوت الأوان… الحب أنبل و أرقى و أجمل ما في الوجود، و بِدونه مُحال أن يستقيم أمر بني الإنسان.


يا مشايخ الفتنة : بدلاً مِن الدعاء بالثبور و عظائِم الأمور و تجميد الدم في العروق، على أي كان و خاصة ذلك الرئيس الشاب الذي فضحَتْ الحربُ التي أعلَنْتُموها عليه عمالَتكم لقوى الظلام و كشفَتْ لنا أنه أكثرُ منكم حرصاً على المصالح العليا للأمة، هلاَّ تعلَّمتُم ثم لَقَّنتم الناس في أوطاننا صلاةَ اسْتِسقاءِ أمطار الحب ؟ إذ جوهر الدين هو الحب : حب الخالق و حب الخلق !

مجرمون أنتم إذ تنطقون بالكذب و تملؤون عقول الدهماء و العوام بِكمٍّ هائل من الأباطيل، يا أعداء الكلمة الصادقة و يا أصحاب الخطاب الديني القاصر المُتخلِّف البائس المُتطَيِّر من الفكر النقدي و يا أعداء الكلمة الهادية، مجرمون أكثر منكم نُظراء لكم واعون جداً بالأمر و لكنهم ساكتون عن تفنيد هذه الأباطيل. و بالتالي رافضون كُلِّياً الإسهام في إفشال ما هو حقاً و قطعاً مؤامرة… أقول بِمِلْءِ فمي : و الله إنَّ هذه الأحداث هي نتيجة لِمؤامرة - و إنْ كنتُ غيرَ مهووسٍ بنظرية المؤامرة. لا يُشكِّك بحقيقة وجود مؤامرة، بعد اتضاح الرؤية تماماً و انكشاف المستور إلاَّ - فَضلاً عن عوام محدودي الثقافة و الإطلاع على ما يجري فِعلاً - أصحابُ اللِّحى الخائنة المُخضَّبة بالدم و النفط، و كُلُّ المُستفيدين مِن المؤامرة.

الله، الذي خلق الناس لِيَبْلُوَهُم أيُّهم أحْسَنُ عملاً، قال : "أفنجعل المسلمين كالمجرمين ؟ ما لَكُم كيف تحكمون ؟". هذا ما يُقرِّرُه القرآن الكريم الذي تُردِّدون آناء الليل و أطراف النهار أنه دستوركم في الحياة. ما لَكُم كيف تحكمون يا من ابتدعتم ديناً بشعاً يَحُث على الجريمة و يُبشِّر مُقترفَها بدخول الجنة، مُسهِمين بِفاعِليَّة رهيبة و مذهلة في إشعالِ نيران فتنةٍ هَوْجاء اجتاحت الأُمَّة و أتت على الأخضر و اليابس في بعض أقطارها و طال لَهيبُها بل شَرَرُها مناطقَ شَتَّى حَوْلَ العالَم، و ذلك لأن الكتاب الذي تستنِدون إليه تُلخِّص تعاليمَه و وصاياه و أحكامه هذه السورة الشيطانية : "و العصر إن الإنسان لَفي خسر، إلاَّ الذين خانوا، و ارتكبوا الموبِقات، و تواصَوْا بالكذب، و تواصَوْا بالغدر" !

و الله صِرْتُ أتساءل : هل حقاً تُؤمِنون بالله ؟

وَحِّدوا الله يا عِباد الله : فأنتم عاكفون على عبادة مَوْروثاتِكم الفكرية و أهوائِكم الشخصية و مُؤسَّساتِكم الكَهَنُوتِية و كذلك البترودولار النجس الخبيث ؛ و لقد بات معلوماً لدى الجماهير سواء مِن خاصَّة النَّاس أو عامَّتِهم أو حتى مِن الغِلمان، أنَّ طائفة كبيرة منكم مُستخدَمون مُوَظَّفون مأجورون لِتضليل و تخدير و استحمار و استعباد هذه الأمة بإسم الله، عن طريق السيطرة على عقول سواد الشعب بإلْهائِه بمسائل دينية ثانوية أو بصراعات عفا عليها الزمن، و أنَّ تلبية طلباتِ حُكَّام العهر و التآمُر عَبْرَ فتاوى مدفوعة الأجر مُقدَّمة لَدَيْكم على إرضاء الله ؛ فأنتم غارقون إلى الأذقان في شِرْكٍ جَلِيٍّ بَشِعٍ دونه بكثير مِن حَيْثُ خطرُه و عواقِبُه ما كان عليه العرب في جاهليتهم القديمة. أصنامُ الأهواء التي تظلون لها عاكفين جلبَتْ من الوَيْلات ما لم تُسبِّبه عبادة أصنام الأحجار…


الكثيرون مِن الذين سمَّمتُم عقولَهم صاروا يعتقدون أنهم سيفُ القدر، و أنَّ الخالق قد أوْكَلَ إليهم مُهِمَّة تُعطيهم الحق في قطع رقابِ البشر. هزيمة العقل عندنا أنتجت أمساخاً بشرية تتحرك دون وعي و على غَيْر بصيرة، قد نبذت كُلَّ القِيَم السماوية و الإنسانية و مع ذلك تزعم أنَّها وحدها تُمثل الإسلام. هَلْوَساتُكم الفكرية خلقت جيلاً مُشَوَّهاً مُهلِكاً لنفسه و للمجتمعات التي يحيا فيها لأنه يكاد لا يُمَيِّز بين الخير و الشر و لا يُفرِّق بين الصديق و العدو، لِذا سَهُلَ على هذا الأخير أن يجعل مِنه سلاحَ دمارٍ مُسلَّطٍ على العديد مِن دُوَلِنا التي تعطَّلت كلُّ مشاريعها التنموية بسبب صِبيانكم مسلوبي العقول : زَرْعُ الموت هو مشروع العمر بالنسبة لهم، و نشرُ الدمار هدفُهم الأسمى في هذه الحياة.

يا من تتوهَّمون أنكم و القُطعان التي تسير خلفكم تنعمون وحدكم دون سائر الورى بِتمام الهِداية، الويل لكم فقد اقترب اليوم الذي ستُدرِك فيه شعوبُنا المنكوبة بكم حقيقة ما أنتم عليه من الضَّلالة ! ها هي الحقيقة الصارخة التي ينطق بها واقع الحال و التي ستشهد عليكم يوم القيامة :

كثير مِمَّن تُمْعِنون في الإنتقاص منهم عبر نَعْتِهم بالكفرة أو المُشركين، لا يستطيعون إيذاء بعوضة، بينما أنتم جعلتم مِن قتل الآدميين شعيرة دينية بل الطريق الأمثل لإرضاء الخالق ؛ هيهات أن ترقوا إلى مُستواهم الأخلاقي و الروحي و الإنساني، فهؤلاء الذين أشَرْتُ إليهم، لا يَصدُر عنهم إلاَّ الخير و لا يُتوَقَّع منهم إلاَّ البِر حتى بِمَن ينعتونهم بالكفرة أو المشركين… فلتعلموا يا مغرورين أنه لَوْلاَ عِظات و كِتابات بعض هؤلاء لهلكتُ منذ زمن. الجنة التي يدخلها أمثالكم و يُحرَم منها أمثالهم أكيداً ليست الجنة.

أحداث بالغة الخطورة و في غاية المأساوية ليس مُمكناً حصرُها فضلاً عن تَعدادِها و شلاَّلات دماء لا تتوقَّف هنا إلا لِتَثُورَ هناك و ما دفعكم ذلك كلُّه إلى مراجعة نقدية جادَّة و عميقة لِتعاليم و تَصَوُّرَاتِ قد أثبتت التَّجرِبة العملية أنَّها قتَّالة.

"الفِتن و البلايا مُنبِّهات و موقظات، تحمل الأمم الحية على العودة إلى نفسها و القيام بمراجعة مواريثها العلمية، و مواقفها العملية، و مسيرتها الحضارية، بِجِد و مصداقية." (الدكتور صالح بن عبد الله بن حميد)


أنا أؤكِّد أنَّكُم أنتم المُشرِكون و لكِنْ لا تشعرون يا مَن أضَعْتُم الأُمَّة. أنتم أكفر من مشى على ظهر البسيطة مُنذ بَدْءِ الخليقة و ما في زَمَنِنا هذا أكفر منكم ! يا من لا تَنْتَهُون عن هذا الزعم الباطل و السَّمج جِداً بأنَّ لُحومَكم مسمومة، حتى لا يتَجَاسَرَ أحد على نقدِكم أو بالأحرى كَشْفِ حقيقةِ أمرِكم أمام الأمة : أفكارُكم لا لحومكم هي المسمومة و المُسمِّمة فِعلاً للعقول و الأرواح. إنَّ ما يقوم به بعض مُريدِيكم مِن أعمال عُنف مجنونة و فظيعة، كإزهاقِهم بالجملة لأرواح أُناس أبرياء مِن مُختلِف الأعمار هنا و هناك مع إحداثِ أكبر قدر مُمكن مِن الدمار المادي و المعنوي، هو أبْلَغُ دليل على صِحة ما أزعم و أني فيه غير مُجافٍ للحقيقة.

هؤلاء المسعورون يعتبرون ما يُمارسونه خِدمة جليلة يُقدِّمونها لأمة لم تطلُب منهم شيئاً و هي في غِنى عنهم لِتحيا وَفق التعاليم الحقَّة للإسلام. شر هؤلاء لم يتوقَّف بل تفاقم لأنه لا رادِع إطلاقاً للقوم. تراهم يُعربِدون بِلا هوادة و لا يكاد يُفارق ألْسِنتَهم لفظُ الجلالة - و لسنا ندري أيَّ إلهٍ يعبد مَن آدمِيَّتُه هي مَوْضِعُ تساؤل و ريبة. إنَّهم يعبدون إلهاً خيالِياً صَنعتهُ أذهانُهم المعتوهة التالِفة و استولى على قلوبِهم المنكوسة، و لا يعبدون الإله المُتفرِّد بِكُل كمال الذي خلق السَّماوات و الأرض بالحق و وَضَعَ الميزان. و هنا يجدُر التذكير بِعبارة بليغة : "شر إله عُبِد في الأرض الهوى".

و أنتم حالِياً بلا مُنافِس في عِبادة هذا الإله الشِّرير، إذ تُقدِّمون له يومياً و بلا حساب القرابين البشريَّة. و على خِلاف الغالِبية الساحقة من أفراد النَّوْع البشري، مناظر الدماء و الأشلاء صارت فيما يبدو مألوفة لَدَيْكم : ما عادت تُحرِّك فيكم أي إحساس. بعض مَن يقولون عن أنفسِهم إنهم لا يؤمنون بوجود إله، و الله أنتم أقزام بالمقارنة معهم مِن ناحية النُّبل الإنساني ! فيهم أشخاص أنبل مِنا و أعرق في الإنسانية مِنا : كل ما يعني هؤلاء البشر الرائعين المدهشين هو أن يكونوا مُتصالِحين مع ضمائرهم، مهما كلَّفتهم مواقفهم الجريئة و البطولية التي يخدمون عبرها الحق و العدل و السلام. أنتم ستُستقبَلون فَوْرَ خروج الروح بأكاليل الوُرود، و هم سيُبَشَّرون فَوْرَ خروج الروح بالويل و الثُّبور : إن كنتم تتخيَّلون هكذا مآل الأمور، فأنتم واهمون جداً يا أيُّها الشيوخ !

أنتُم الوباءُ و الكارثةُ الحقيقية و الطامة الكُبرى، يا مَن تطمَحون لِأستاذية الدنيا و إرشاد الوَرى ! كيف يكون هادِياً إلى سواء السبيل و لِلآخرين ناصِحاً أميناً و مرشِداً روحياً، و راعِياً رائِعاً لأنه ذو إنسانية فيَّاضة و وعيٍ نافِذ و بالتالي هو فِعلاً قُدْوَة للجميع، شخص يَتَزَيَّا بالدين و هو في حقيقة أمره عَبْد لِهواه و خالٍ من أيَّة روحانية ؟ هالة الطهرانية و القداسة و النَّزاهة التي تحيطون بها أنفسَكم، زَيْفُها تجلَّى بِوُضوحٍ لا لَبْس فيه و ما عادت تنطلي على أحد. فمُستوى الوعي العام يتنامى على نَحْوٍ سريعٍ و مُتَواصِل مع مرور الزمن في أَوْسَاطٍ مجتمعية و فكرية واسعة بين ظَهْرَانَيْ الأمة…


انتهى إلى غير رجعة عهدُ الوِصايةِ على الضمائر !

افترضنا فيكم نزعاتٍ نبيلةً و أنْ تكونوا مِمَّن يعملون بِتفانٍ مُطلقٍ على غلق أبوابِ اليأس و فتح نوافذ الأمل، افترضنا فيكم إرادةً خيِّرةً و أنْ تكونوا مِن الذين يعملون بلا كللٍ أو مللٍ على تضميدِ جراح الإنسانية و العالَم. و لَكِنَّكم فعلتم عَكْسَ ذلك لأنكم وَظَّفتم الدين بِعَكْسِ ما كان ينبغي. أمِنَ الدين إشعالُ نيرانِ كراهيةٍ و حقدٍ و غضبٍ قد لا تنطفئُ إلاَّ بَعْدَ أن تُحرِق الأرض و مَن عليها لِتُصبِح بلدانُ الأمة بِكُل ما تحوي مِن بشرٍ و حجرٍ و شجرٍ رماداً تذروه الرِّياح ؟ أنسيتم إذاً أن التسبُّب في قتل أُناس أبرياء آمنين كقتلِهم كِلاهُما مرفوض ديناً ؟ و أن خَلق البلبلة و بثَّ روح الكراهية و زَرْعَ بذور الفتنة لا يجوز بأي حال ؟ ها هي الحقيقة، يا شيوخ الفتنة : الخيانة و التفاخرُ بها و ارتكابُ جميع المُنكرات و الموبقات و التواصي بالكذب و الغدر، تلك هي أهم مبادئ و مُقوِّمات الخريف الدموي الذي سُمِّي زوراً و بُهتاناً بالربيع العربي.

و السؤال الآن :

هل ستعتذِرون للأمة و تتوبون مِن تخريبِكم لِوَعْي الكثير مِن أبنائِها و تتَّعِظُون قبل فَوَات الأوان، و تَكُفُّون عن تصرُّفاتٍ و سلوكاتٍ لا مُبَرِّرَ لها مَنْطِقياً و أخلاقِياً و غيرِ سَوِيَّة بِمِقياس الشَّرع و الإنسانية و العقل، يا مَن تُحاضِرون في الفضيلة و أيديكم تَقْطُر بِدماء الكثير مِن أبنائِنا و تَعِظُونَ بصفاقةٍ في كل آن ؟

معشر المشايخ :

لا خير فينا إن لم نَقُلْ بصراحة و دون وجل ما نعتقد أنه حق، و لا خير فيكم إن صمَمْتُم آذانَكم عن سماع ما تشعرون في قرارة أنفسكم أنه حق ؛ و لا خير فينا جميعاً إن رددنا و نبذنا أو خاصمنا و حاربنا الحق، لا خير في أي كائن آدمي يَضَعُ عِصابة سوداء على عينيه لكي لا يرى الحق… و لكن حتى لو بقيتم مُعرضين عن حقيقةٍ جلية ساطعة مشرقة مثل الشمس و مِن ثَمَّ مُصرين على أفظع صُوَر الكفر، و رغم أحاسيس المرارة و الحسرة المضطرمة بداخلي فإنه يطيب لي أن أُرسل صرخة قلبٍ نابعةً مِن يقين الإيمان : سينجلي لَيْلُ الباطل الذي طال، و سيُغسل بالحق وجه الأرض. أرجو أن يكون ذلك قريباً.



"ليست وظيفتي أن أُرضِي الناس بكلامي، بل وظيفتي أن أقول ما يجيش بصدري و ما أراه نافعاً لبلادي." (سعد زغلول)

"ما أبعد الفرق بين خدمة الإسلام و استخدام الإسلام، و ما أكثر الذين يستخدمونه أو يحاولون استخدامه و تسخيره لآلهة أُخرى." (الأستاذ عصام العطار)

"يوم يَرَوْن الملائِكة لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلمُجْرِمين، وَ يَقُولون حِجْراً مَحْجُوراً ؛ وَ قدِمنا إلى ما عَمِلُوا مِن عمل فَجَعلناهُ هَبَاءً مَنْثُوراً." (قرآن كريم)


----------------------------------------------------


(*) أخطر و أنذل حلف في تاريخ البشر :

(كافة الدول الإمبريالية الغربية، جل الأنظمة العربية و خاصة الديمقراطيات الخليجية، الكيان الصهيوني، تركيا الأطلسية الأردوغانية، كافة أو أغلب الحركات الإسلاموية.)

بالرغم مِن اختلافاتهم و نزاعاتهم التي لا حصر لها، كل هؤلاء اجتمعوا على قلب رجل واحد ضد سوريا : ما سِر ذلك ؟