عبد الحميد عبادة (1891-1930) وتاريخ بغداد

ابراهيم خليل العلاف
2020 / 3 / 30

استاذ التاريخ الحديث المتمرس -جامعة الموصل

وانا المهتم بتاريخ المدن ، وقريبا يصدر لي كتاب ُ عن مؤرخي المدن العراقية اريد ان انوه بأن اول من كتب عن محلات بغداد ومعالمها ودرابينها وشوارعها وخاناتها في التاريخ الحديث مؤرخ بغدادي إسمه المرحوم الاستاذ ( عبد الحميد عبادة ) وهو من مواليد مدينة خانقين سنة 1891 ومع ان ولادته في خانقين بحكم عمل والده هناك الا انه من اسرة بغدادية عريقة سكنت محلة الفضل وهي من المحلات القديمة في بغداد والاصيلة . إسمه الكامل عبد الحميد بن بكر صدقي بن الحاج إسماعيل عبادة كان جده إسماعيل عبادة يعمل مؤذنا في جامع الفضل. له كتاب بعنوان ( الُضفرُ اللامع ) مخطوط وله كتاب عن الصابئة المندائيين نشره سنة 1927 بعنوان (مندائي أو الصابئة الأقدمون) وقد عاش لفترة بينهم حيث كان يعمل موظفا .كما ان له كتاب بعنوان (ذات الشفا في سيرة النبي ثم الخلفا) وهي منظومة لشمس الدين الجزري حققها ونشرها بتوقيع عبد الحميد أفندي وطبعت في بغداد سنة 1913 . واصدر (شجرة الزيتون في نسبة آل السعدون) وله العديد من المقالات التي نشرها في مجلة ( لغة العرب) كما سبق ان قدمت دارت حول ( آثار بغداد ) و)اسماء محلات بغداد قبل قرن واكثر ) نشرها في الجزء السابع من مجلة ( لغة العرب ) وله مقال عن ( دار ابن الجوزي وقبره ببغداد ) ومقال عن ( قبر الامام ابي يوسف صاحب أبي حنيفة ) ومقال عن ( قبر الامام أحمد بن حنبل ) ومقال عن ( المدرسة البشيرية ) ومقالات كثيرة نشرها بين سنتي 1928و1929 والرجل مثقف ثقافة دينية وعصرية وافقه واسع وحبه وعشقه لبغداد عميق وكبير .

ذكره الصحفي المرحوم الاستاذ عبد القادر البراك ، وقال انه كان باحثا ميدانيا يتحدث عن بغداد وكتب الكثير من المقالات في مجلة (لغة العرب ) التي كان يصدرها الاب انستاس الكرملي أحد سدنة التراث البغدادي وقد اعتمد على كتاب الاستاذ عبد الحميد عبادة عدد كبير من الكتاب والباحثين ابرزهم المرحوم الدكتور مصطفى جواد والمرحوم الدكتور احمد سوسة والشيخ جلال الحنفي والاستاذ يعقوب سركيس وللاستاذ عبد الحميد عبادة كتاب مخطوط عن بغداد اشار اليه الشيخ جلال الحنفي .

وقد وثق جانب من سيرته واعماله في انسكلوبيديا ( ويكيبيديا ) الالكترونية . كما وجدت ان الاستاذ رفعت عبد الرزاق الكاتب التراثي البغدادي العزيز قد اشار اليه ونوه في صفحته الفيسبوكية يوم 8 كانون الثاني -يناير سنة 2016 ودعا الى الاهتمام به ودراسته وقال :" ان الاستاذ عبد الحميد عبادة من مؤرخينا المنسيين وهو صاحب كتاب ( العقد اللامع ) وهو افضل المصنفات عن تاريخ مساجد بغداد وآثارها .غير ان فسحة الاجل لم تمتد به ، فقد تخرمته المنون وهو في عنفوانه وتمام نضجه ولم يبلغ التاسعة والثلاثين عاما ، اذ لبى نداء ربه ليلة الاحد السابع من كانون الاول سنة 1930" .واضاف يقول :" وأمامي ملف بما كتبه في مجلات (لغة العرب) و(المرشد) في العشرينيات في مجموع لطيف يضم ايضا بعض الاوراق الاخرى .وهي جديرة بالنشر والتحقيق ، داعيا من يهمه الامر الى ذلك " . وارفق بما كتب وثيقة بخط الاستاذ الشيخ محمد بهجة الاثري عن ذكرياته وانطباعاته عن المرحوم الاستاذ عبد الحميد عبادة.

ومما كتبه المرحوم الاستاذ محمد بهجت الاثري في بغداد غرة شهر رجب 1416 هجرية - 1934 ميلادية عن الاستاذ عبد الحميد عبادة ، ويبدو انه كتب ذلك جوابا على سؤال مايلي :" عرفتُ الكاتب الباحث عبد الحميد عبادة بإبحاث تاريخية له نشرها في مجلة (لغة العرب ) ، وانا طالب في مطالع نشأتي العلمية الثانية مقبل على التخصص بالادب العربي وعلوم اللغة والعلوم الاسلامية وبي تطلع الى الافاق الرفيعة في الفكر والمعارف الانسانية والتمس الارتفاع اليها بمختلف الدراسات من قديم وحديث . وما لبث أن لاقيته مصادفة على صعيد مخازن باعة الكتب والمجلات ، فتعارفنا ثمة ، وكنا ما وسعنا الوقت ، نتجاذب اطراف الاحاديث من قضايا العلم والادب والبحث ونتحرَ السبل القاصدة الى محض اللباب من المعارف التي تغذي القرائح وتبصرها وتعينها على الابداع . ولم نكثر لقاءاتنا العارضة على هذا الصعيد . اذ كانت لكل منا مشاغله الخاصة ثم مالبث ان حل به اجله في (1930) إن لم تخني الذاكرة وهو في اوائل الكهولة ، مأسوفا عليه " .

واضاف الاستاذ محمد بهجت الاثري يقول : "كان عبد الحميد عبادة ، معتدل القوام ، وبدنه بين النحافة والبدانة ، ومحياه أبيض بين المستدير والمسنوق وفي عينه شيء من الكلال ..كان يستعين على تقويته بالمنظرة . وكلامه مهذب الحواشي والالفاظ ولهجته إذ يتحدث تُشعر بثقافته العربية الاسلامية يؤد به بصوت سمح ويتجه بجملته الى الخير، والرفق ، والصلاح كما هو شأن العلماء الذين يتأثرون بالقرآن ، والحديث ، وأدب السلف الصالح . وكان زيه هذه الحلة الفرنجية التي شاعت في البلاد يفرغها على بدنه ويجملها عليه حسن سمته وحلية وقاره وتنسجم مع جملة احواله تشف عن مرب كريم وتنشئة صالحة ، وخصال جميلة انتقلت اليه وراثة .. وقد صان بسلوكه المستقيم وحفاظة موروثة واضفى عليه من العلم والبحث والنشر مكتبات قيمة تحلي سمعته وتروي عنه وإنما المرء حديث بعده رحمه الله وطيب ثراه " .

قام الصديق والاخ المؤرخ الكبير الاستاذ الدكتور عماد عبد السلام رؤوف بتحقيق كتابه ( الضفر اللامع ) ونشره في (دار انوار دجلة ) ببغداد سنة 2004 وبعنوان ( العقد اللامع في آثار بغداد والمساجد والجوامع).

رحم الله الاستاذ عبد الحميد عبادة وجزاه خيرا على ماقدم