إقالة رئيس الجمهورية أم إعفاءه ومدى إمكانية ذلك؟

سالم روضان الموسوي
2020 / 3 / 29

إن الأزمات السياسية في العراق مستمرة ومتواصلة وكأنها تتوالد من بعضها، وآخرها أزمة تكليف المرشح بتشكيل الحكومة، حيث ظهرت الخلافات بين رئيس الجمهورية وبين بعض الأحزاب السياسية حول آلية تكليف مرشح لرئاسة الوزراء وحول شخصيته أيضاً، وتعدى الجدل من الخلاف السياسي إلى الخلاف الدستوري فمنهم من يرى إن خطوة رئيس الجمهورية صحيحة وإنها استندت إلى الدستور والى قرار من المحكمة الاتحادية العليا التي تملك الاختصاص الحصري في تفسير الدستور، ومنهم من يرى خلاف ذلك وان رئيس الجمهورية قد خرق الدستور، ثم كثرت التصريحات المضادة لخطوته من بعض السياسيين، وآخرهم تصريح لأحد السادة النواب نقلته وسائل الإعلام قال فيه (أطالب أعضاء مجلس النواب أن تساندني في جمع تواقيع والتصويت على إقالة رئيس الجمهورية الذي خرق الدستور أكثر من مرة بدوافع غير معلومة)، وما ورد في هذا التصريح وغيره حول إقالة رئيس الجمهورية فإن عبارة (إقالة) هي عبارة غير دستورية، لان الدستور لم يرد فيه أي مصطلح حول إقالة رئيس الجمهورية، وإنما عبارة إعفاء رئيس الجمهورية وعلى وفق ما ورد في المادة (61/سادساً/ب) من الدستور التي جاء فيها الآتي (إعفاء رئيس الجمهورية، بالأغلبية المطلقة لعدد أعضاء مجلس النواب، بعد إدانته من المحكمة الاتحادية العليا، في إحدى الحالات الآتية: ١ -الحنث في اليمين الدستورية. ٢ -انتهاك الدستور. ٣ الخيانة العظمى(. لذلك فان المصطلح الصحيح والدقيق هو المطالبة بإعفاء رئيس الجمهورية وليس إقالته ويرى البعض ان الدستور استخدم كلمة الإعفاء هو تقدير للمكانة السامية لمنصب رئيس الجمهورية باعتباره رمز وحدة الوطن ويمثل سيادة العراق على وفق أحكام المادة (67) من الدستور التي جاء فيها الآتي (رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، يمثل سيادة البلاد، ويسهر على ضمان الالتزام بالدستور، والمحافظة على استقلال العراق، وسيادته، ووحدته، وسلامة أراضيه، وفقاً لأحكام الدستور)، أما عن مدى إمكانية تحقق ذلك المطلب في الوقت الحاضر، أرى إن الإمكانية مستحيلة ولا يمكن تحققها، لان إعفاء رئيس الجمهورية لا يمكن لمجلس النواب إن يباشر بإجراءاته، إلا إذا توفر شرطان أساسيان الأول يختص به مجلس النواب وهو التصويت بالأغلبية المطلقة لعدد أعضاء مجلس النواب، لكن يكون ذلك التصويت بعد تحقق الشرط الآخر المتعلق بإدانة رئيس الجمهورية من قبل المحكمة الاتحادية العليا عن إحدى الجرائم الموصوفة في المادة (61/سادساً/ب) من الدستور المشار إليها في أعلاه، وهذا ما يجعل موضوع إعفاء رئيس الجمهورية شبه مستحيل في الوقت الحاضر، لان المحكمة الاتحادية العليا سبق وإن امتنعت عن محاكمة رئيس الجمهورية لعدم وجود قانون ينظم عملية المحاكمة وإجراءاتها وكيفية السير بها ، وهذا ما جاء في قرارها العدد / اتحادية/2017 في 13/6/2017 الذي قضت فيه برد دعوى احد المدعين الذي طلب محاكمة رئيس الجمهورية بسبب حنث اليمين، وكان سبب الرد بان المادة (93) من الدستور التي حصرت الاختصاص بمحاكمة رئيس الجمهورية من قبل المحكمة الاتحادية العليا قد أقرنت ذلك بصدور قانون ينظم إجراءات المحاكمة وعلى وفق النص الآتي (الفصل في الاتهامات الموجهة إلى رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء والوزراء، وينظم ذلك بقانون) وهذا القانون من القوانين الدستورية التي اشترطها الدستور وأصبحت من الواجبات على مجلس النواب تشريعه، لكن لغاية الآن لم يلتفت إليه ولم يبادر إلى تشريعه، وبما إن مجلس النواب لم يسن أي قانون ينظم تلك المحاكمة فيتعذر إدانة رئيس الجمهورية التي تكون الأساس الذي تبنى عليه عملية الإعفاء من المنصب، وتبقى الدعوات التي يطلقها بعض السياسيين غير قادرة على تحقيق غاياتها بسبب يعود الى مجلس النواب ذاته لأنه يتراخى عن أداء واجباته الدستورية بسن القوانين المفصلية والمهمة ومنها قانون محاكمة رئيس الجمهورية لان عدم وجود هذا القانون يجعل من رئيس الجمهورية بمنأى من المسائلة البرلمانية وهذا فيه إخلال بالتوازن بين السلطات لان الدستور تمت هندسته على أساس الرقابة المتبادلة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، لان في الوقت الحاضر لرئيس الجمهورية مع رئيس مجلس الوزراء مجتمعاً القدرة على حل البرلمان وعلى وفق أحكام المادة الفقرة (أولا) من المادة (64) من الدستور التي بين نوعين من طرق حل مجلس النواب الأول عن طريق مجلس النواب ذاته بالأغلبية المطلقة والطريق الثاني بواسطة السلطة التنفيذية المتمثل بطلب رئيس مجلس الوزراء وبموافقة رئيس الجمهورية وعلى وفق النص الآتي (أولاً: يُحل مجلس النواب، بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، بناءً على طلبٍ من ثلث أعضائه، أو طلبٍ من رئيس مجلس الوزراء وبموافقة رئيس الجمهورية، ولا يجوز حل المجلس في أثناء مدة استجواب رئيس مجلس الوزراء) وحيث إن مجلس النواب لم يشرع قانون محاكمة رئيس الجمهورية فانه سيبقى عاجز عن إعفاء رئيس الجمهورية من منصبه في الوقت الحاضر.
القاضي