غناء سميرا الناصري على شاطئ دجلة

ملهم الملائكة
2020 / 3 / 29

بعد الحرب وجدتُ نفسي على قارعة الطريق، يحدثُ هذا غالباً غبّ الحروب. وبحثت عن عمل في غمرة ركودٍ اقتصادي وانهيار فاحش في قيمة الدينار، فكان ما وجدته عملاً بائساً هو ليس أكثر من جسر بين حربين، لكنّ خير ما في ذلك العمل أني عرفت سميرا.

على عطفة نهر دجلة حول بناية جامعة بغداد في الجادرية، ترسو بضع طرّادات قديمة، يستخدمها الصيادون غالباً كبيوت لهم. بين هذه الطرادات، طرّاد حوّلته سميرا إلى بيت أنيق رشيق بطريقتها، ولم أتخيل قط أنّ طرّادً عتيقاً من عصر الانكليز يمكن أن يصبح بيتاً، لكنّ سميرا خرقت كل شيء عرفه الناس هنا، وقد حاولت مراراً أن أقنع نفسي أن كل ما يتعلق بها يمكن أن يحدث لأيّ عراقية، لكنّ الوقائع تخيب توقعاتي دائماً.
لطراد سميرا نوافذ أغلقتها بألواح من بلاستيك صلب شفاف سميك لا يشفّ من خلفه سوى نور، وعلى أرض المكان فرشت حصراناً من بردي ليّن مضفور بشدة إلى بعضه وكستها فوق ذلك ببسط عراقية، فيما غلّفت مصاطب الجلوس الخشبية بالإسفنج وشدت عليها جلد صناعي أنيق، فباتت منصات تصلح للنوم أو للجلوس. مقدمة الطرّاد، تحولت إلى مطبخ أنيق ينير جانبيه قنديلان من قناديل العربات القديمة، باتت تضيئهما كلما زرتها فينبعث من لهيبهما عطر لا أخاله عطر لهيب النفط ولعله عطر قناديل الزيتون!
كما اقتطعت مؤخرة الطراد، حيث كانت حجرة الموتور القديم، بجدارٍ خشبي أنيق صنعته بيدها وطلته بالفارنيش وكوته بالنار فبات أصفر كأنه قصب مشرّح. خلف القاطع، حمام و مرحاض نظيفين بشكل ملفت للنظر. النور يعم المكان، وهو ما يدل على أنها قد أوصلت له تياراً كهربائياً، كما تجري المياه في الحمامات والمراحيض من حنفيات أنيقة تنتمي لعصور الانكليز. جدران الطراد العارية تحولت إلى معرض لكل ما يتعلق بالموروث البغدادي، مطارق قديمة، أقفال وسلاسل، ربلات عجلات عربات قديمة، سروج وأرسن الخيل، طبلات صغيرة "زنجاري" ودفوف دراويش كبيرة، وقصب الناي والمطبج وقد توسطها عود أنيق صنع من خشب مطعم كما صناديق النرد التي تفد إلى أسواقنا مهرّبة عبر الأردن من أسواق القدس العتيقة. لا توجد مساحة فارغة على الجدران. كل ذلك بذوق رفيع، لا أدري كيف وأين تعلمته سميرا السمّاكة بنت السماك.
جلست إلى مصطبة يكسوها جلد قرمزي داكن، وأزاحت البساط عن حصيرة بردية سميكة ملونة، ثم طوت البردية، فبان مسقّف زجاجي على أرضية الطراد يطل على مياه دجلة، وسألتني هل أرغب في رؤية سرها الدفين؟ فأجبتها بلهفة أن الأسرار تسحرني. بادرت تطفئ أنوار الطراد، وتضيء أضواء مسلطة على الأرضية الزجاجية. وبان عالمٌ ساحرٌ يصعب وصفه: خميلة من البردي والقصب فيها مخلوقات ناعمة تحوم بين الماء المفعم بلون الغرين وبين ضفة رسا إليها قارب سميرا، السمك هنا يشبه لوحة من صدف ولكنه لا يشبه المحار بل يتحرك جيئة وذهاباً محتشداً تحت سيل النور وهو يُساقط عليه من أعلى.
ذهلتُ لهذا كله، ورفعت رأسي أنظر في وجه سميرا وهي مسحورة بنوبة وجدٍ صوفي تسلل إليها من دجلة، فسألتها بلهفة: من أنتِ يا سميرا؟ هل أنت سمّاكة تصيد وتبيع السمك على ضفاف الشط في الأعظمية مع أبيها، أم أنت شيء آخر لا عهد لي به؟
قالت وهي مغمضة العينين: أنا سميرا الناصري، أتى بي الموج إلى بغداد في عصور سحيقة، وبقيت أنطر موجة كبرى تعيدني من حيث أتيت.
هل أنتِ من الناصرية؟ لقب الناصري في بلادي ملتبس، فهو يطلق على ساكني الناصرية حين ينتسبون للمدينة هرباً من ألقاب القبائل الملوثة بدماء الثأر والمعارك، أو هو لقب قبيلة ألبو ناصر وهم قبيلة الندا في غرب العراق وتحديداً في تكريت، وهو كذلك لقب فخذ من قبيلة كعب جنوب العراق، فإلى أيها تشيرين؟ أم لعلك تشيرين إلى الناصرة في بلاد الكنعانيين؟
قالت هامسة: أنا أيضاً لا أدري، هكذا وجدت نفسي مذ ولدت.
ولم لا تسألين أباك وهو سمّاك بغدادي عريق؟
هذا ليس أبي، بل زوج أمي، وقد عشت معه بعد إذ رحلت أمي وأخي ابن أمي.
نهضت من مجلسها المسحور والتقطت من جدار قريب عوداً بدأت تعزف عليه وتترنم بصوت رقيق نشيداً لم أسمع مثله، مفعماً بالعواطف الغامضة والتوقعات، لكنّ الربّ قريب منه كما لو أنه نزل إلى صومعة كنيسة، رب الكنائس لا يشبه الله الذي ينزل في باحات المساجد.
أنا بنت سليمان الناصري، جاءني حبيبي في ليلة عشق
ليقبلني بقبلات فمه لأنّ حبه أطيب من الخمر،
يا حبيبي لرائحة أدهانك الطيبة أبذل روحي
وأفدي محبتي لاسمك وهو دهن مهراق.
لذلك أحبتك العذارى وسرقنك مني لأني فقيرة
خذني إليك واجذبني وراءك فنجري،
نبتهج ونفرح بك يا مليكي
أتذكر حبك وهو ألذّ من مذاق خمر السهول
صمتت سميرا، وأسندت العود منكفئاً على فخذيها مثل ربابة غابت عن الوعي، ونظرت في عيني وسألتني بلهجة تشتاق إلى المعرفة: ومن أنتَ أصلاً كي أبوح لك بأسراري؟
إسمي أمير علي، ولدت في بغداد على ضفاف دجلة، وكبرت في العاصمة المتعبة، ومشيت مع من مشى إلى الحرب، وبين ليلة وضحاها، تحولت من نقيب يقود مئات الجنود في حرب الدفاع عن الوطن، إلى عاطلٍ عن العمل، فابتعت شاحنة صغيرة بقرضٍ عليّ سداده، وتعاقدت مع ثلاثة مطاعم كبرى لتجهيزهم بالغذاء وما يتصل به من فواكه ولحوم وحلوى، وهذا لا يشبه تجهيز المستشفيات والسجون ورياض الأطفال بالأغذية، فهنا يجب عليك أن تنتقي خير ما في السوق، وهذا يحتّم عليك أن تنتقي محلات تتبضع منها كل يوم. وذات ليلة في ربيع عام 1989 حيث عقد في بغداد مؤتمر وزراء الداخلية العرب، وطُلب مني على عجل أن آتي للمطعم التاريخي بعشر سمكات سمانٍ ، شوين بطرفة الزبير ويعبقن بمذاق ورائحة المسكوف العراقي الشهير.
وبنصيحة عمو جورج الذي يعمل في المطعم بعنوان جوكر، وهو خمسيني قضى عمره يعمل في مطاعم وفنادق الدرجة الأوى كعامل يومي ينجز الأعمال الصعبة ومن بينها طلبات الزبائن الخارقة للمألوف كما هو الحال اليوم، سرت بشاحنتي الصغيرة باتجاه الأعظمية! ثم سألته أليس مكان المسكوف هو أبو نؤاس، فأجاب ضاحكاً نعم، هذا سمك السكارى، وهو غالي الثمن وصغير، نحن نبحث عن سمك كبير طازج كبير، سر إلى رأس سوق الأعظمية عند جسر الأئمة.
سرت والشك يراودني، فوصلنا الساحة المقابلة لمسجد أبو حنيفة، وغمرتنا أضواء المحلات والمقاهي، ورائحة اللحم والكباب والكبد المشوي ورائحة المسكوف. قادني بحذر حتى وصلنا الشارع المحاذي لدجلة والذي يتصل بناحية الفحامة، وعند الركن المقابل تماماً للمسجد والمطلّ على دجلة في ركنه الثاني، وجدنا محلاً يبيع السمك، فترجّلنا عنده، وتعاملنا مع البائع ثم نزلنا معاً إلى حافة دجلة، منذ عشر سنوات لم أر دجلة في الليل بهذا القرب. رائحة الماء المفعمة بزفرة أعشاب وأحياء الماء والسمك الحي تعم المكان، والأضواء تنعكس من ضفة الاستخبارات، ومن ضفة أبو حنيفة في الماء الجميل، يالها من مفارقة. وانتخبنا عشر سمكات سيسرن إلى حتوفهن الأنيقات ذبحاً بيد السماك وشياً على نار حطب الطرفة.
ذبح السمّاك بسرعة كل السمكات، فيما تولت سميرا تقشيرها من الصدف وتمليحها وسكفها على الحطب، لم أر امرأة تقوم بمثل هذا، وفوق ذلك كانت امرأة خارقة الجمال. وهو جمال غريب شرب كثيراً من مياه نهر دجلة وغرينه، فباتت بشرتها خمرية اللون، لكنّ شعرها كان أسود مختلطاً بحمرة غريبة، يبين من خلف ربطة رأس صغيرة لا لون لها، تحمي الشعر من كل هذا الزفر والدخان.
تبسمت سميرا وهي تنظر لي، وقالت: لعلك تظنني عاشقة متيمة بك؟
توهج في قلبي أملٌ بقرب الوصول إلى واحتها الدافئة فقلت: أليس من حق من يعيش في هذه الصومعة الأسطورية أن يعشق وتعصف به الصبابة.
ربابا.. ربابا.. يا أمير، ربابا، لك ولي أن نعشق ولكننا سنعشق مثل شقتين من حبة واحدة، اريد أن أعشقك كابن أمي الذي فقدته في ليلة تشبه ليل الكريستال البرليني الدامي.
وفي سبت آخر، تكرر المشهد، فرحت لمحل سميرا ولم أجدها في العمل فابتعت سمكاً كثيراً، وعدت به لمحتفلين في المطعم العريق العتيق. تلك الليلة، كانت اوركسترا الجالغي البغدادي الصغيرة تعزف فيما تغني مطربة تلفزيون معروفة على المسرح وقد ارتدت لباساً اندلسياً أصفر بلون ورد النرجس. صدحت الموسيقى بصوت عالٍ فتصدعت قارورة زينة من الآجر القديم في المبني الذي يتجاوز عمره 500 عام، وتساقطت القارورة في إحدى زوايا المكان، لكنّ الموسيقي الصادحة والجمع الطربان لم يسمعوا صوتها، وهكذا يندثر التاريخ بصمت، وكنت شاهداً عليه.
في الثانية ليلاً، غادرت المكان، وشدني شوق غريب لطراد سميرا، ودون اتفاق ذهبت إليه وقرعت نافذة الطراد التي ينوس من خلفها ضوء واهن، ففتحت لي وهي ترتدي جلباباً مغربياً مطرز الصدر والسوالف حول الساقين، المكان مضاء بقنديلي الكيروسين المعلقين على مدخل صوان الحمام. افسحت لي ودعتني للدخول وهي تقول: كنت أنتظرك، وتوقعت هذه الليلة أن تزرني، قلبي مع قلب ابن أمي في زورق واحد.
قادتني بصمت إلى نفس المشهد الساحر الذي ضمنا في المرة السابقة، وكشفت عن مسقف الكريستال الأنيق ثم أضاءت أنوار عرس السمك تحت زورقها المسحور وانتزعت العود الأنيق من الجدار، وبدأت تغني:
لا تشتهيني، فأنا سمراء وجميلة حقاً فكن معي يا ابن أمي،
يا بنات أورشليم أنا مستورة كخيام قيدار كشقق سليمان
لا تنظرن إليّ لأني سمراء، فالشمس قد لوّحتني
بنو أمي غضبوا علي وكانوا جعلوني ناطورة الكروم
أما كرمي فلم أنطره فسرقه الغزاة
وهربت مع الموج إلى أرض بابل.
قل لي يا من تحبه نفسي: أين ترعى أين تربض عند الظهيرة؟
وأسالك بلا حياء يا ابن أمي: لماذا تخفيني بقناع عند قطعان أصحابك ؟
فتجيبني ببلاهة من لم يفهم: إن لم تعرفي أيتها الجميلة بين النساء
فاخرجي على آثار الغنم وارعي جداءك عند مساكن الرعاة !
لست راعية غنم يا ابن أمي بل راعية سمك، وقد أغدر به
فأصطاده وأذبحه وأشويه وأبيعه للعابرين،
إنها مهنتي التي اقتات بها،
فلا تخف مني يا ابن أمي الحبيب
السمك لا قلب له، فلا يحزن أما أنا فأحزن حين تغيب عني.*
بقينا حتى هلّ الفجر بنور ربيع عراقي دافئ، فغادرت الصومعة دون أن اترك ميعاداً التقي فيه بسميرا، فقلوبنا ستأتي بنا مرة أخرى.
لقاءاتنا كانت تجري دائما في جوف الليل البهيم، ولكنّ تلكم الليالي البريئات كنّ ألذ من العسل. وحلّ صيف قائض، وفي ليلة مقتل الحسين بن علي، انهارت أحلام العراقيين، فقد اشتعلت حرب جديدة بغزو مفاجئ للكويت. لم يكن قد مضى عامان على حرب السنوات الثمان. فعمّ اليأس النفوس، واجتاحت حملات السلب والنهب أرض الكويت وخزائنها، وكنّا لا نجد خبزاً ولا صابوناً نغتسل به. وأعادني النظام إلى خدمة العسكر. هذه المرة كانت وحدتي على الحدود التركية العراقي في دهوك. وسمعت من معارفي أن عمو جورج قد سقط من أعلى بناية مصرف الرافدين التي كان يجري ترميمها، إلى جوف القبو المسلح تحته، فاخترقت قضبان الفولاذ المستخدمة لتسليح الكونكريت جسده وقتلته على الفور!
في إجازتي الدورية زرت صومعة سميرا، والوضع يزداد سوءاً بعد أن خلت جيوب الناس من كل شيء، فرأيتها تريد أن تهرب من دجلة إلى بلد لا تعرفه، وكانت تفكر بتركيا.
وكنت أعرف رجلاً من أهل قرية آرادن التي سحقتها السلطة في عمليات الأنفال، وفي غفلة من السلطات والزمن ولأنّه ماهر في الطهي وصنع الخمور، فقد اشتغل الرجل طباخاً في قصر صدام حسين بمصيف أنشكي أقصى شمال غرب البلاد. وبات يتقاضى أجرا كبيراً، وفي خدمته سيارة حديثة كبيرة. حين التحقت من إجازتي إلى وحدتي، ذهبت إليه في قصر أنشكي، وسألته إن كان يستطيع تهريب امرأة إلى تركيا، وله من الأجر ما يشاء. بعد أيام زارني في مقر الفرقة، وأبلغني أن بوسعه أن يفعل ذلك، مقابل 5 آلاف دولار، وهو مبلغ باهظ جداً في تلك الأيام المرة.
في الإجازة التالية، عرضت عليّ سميرا ما قاله الرجل، والمبلغ الذي طلبه، فرحبت بالعرض، وقالت إنها ستبيع الطراد كما هو بمبلغ قريب من هذا. بعد شهر بدأت الحرب الدولية وانهالت الصواريخ على البلد، وكنت في مأمورية إلى بغداد، فزرت سميرا في الطراد فرأيته مغلقاُ معتماً، ثم زرتها في محل السمك، فوجدتها قد باعت الطراد وجهّزت المبلغ وتنتظرني لتذهب بعيدا في سفرها الأخير إلى المجهول. ولم يكن ثمة سبيل لنقلها إلى دهوك إلا بنقلها معنا في سيارة الواز العسكرية، وهكذا كان، فألبستها ملابس جندي وقصّرت شعرها، وأخفت صدرها، ولبست حذاء الخدمة الأسود الغليظ، وسافرت معنا. الخراب عمّ البلد، فضعفت قبضة السلطة، وكان الجميع يحاولون النجاة بأنفسهم، وكل نقاط التفتيش والسيطرة ما عادت تهتم للسيارات العسكرية، بل تهتم بجباية الرشاوى من سيارات الحمل، ولهذا وصلنا عصر ذاك اليوم بسلام إلى دهوك، ثم إلى قصر انشكي، فوجدت الرجل مستعداً كما وعدني. وكان عليّ أن أترك سميرا عنده، فاستلم منها المبلغ وأخذها إلى بيت أهله في سرسنك.
غادرت سميرا البلد بعد يومين كما قال لي طباخ الرئيس، وسلمني رسالة قصيرة منها، جاء فيها: "نقف الآن على مرتفع صخري فوق بقايا قرية بامرني، سنعبر حين يعم الظلام حدود تركيا، معي صديقك ورجل آخر لا أعرفه. كل شيء على ما يرام حتى الآن. آمل أن نلتقي في يوم ما. أودعك وأدعو لك بالسلامة. أختك سميرا".
*غناء سميرا هو مقاطع من سفر نشيد الانشاد من الكتاب المقدس، وقد تصرفت بها بما يناسب معاني القصة.