صوت الالوان

ساطع هاشم
2020 / 3 / 28

أَعيدوا صَباحي فَهوَ عِندَ الكَواعِبِ -- وَرُدّوا رُقادي فَهوَ لَحظُ الحَبائِبِ – المتنبي

عاودت الاستيقاظ فجرا لليوم العاشر على التوالي على أمل ان لا يضيع مني ضوء النهار واضطر الى استعمال ضوء المصابيح وانا ارسم فهي تقتل حقيقة الألوان، وعصرت دماغي طوال امس واليوم لأصف ما احس به وليس ما أراه، حتى أصل للتعبير عن الضيق الذي يشعر به البشر من مثلي وأمثالي وهم في الانتظار، انتظار المعجزات طبعا، فالانتظار شيمتي ومهنتي، واستنجدت بضوء النهار لإيقاظ بعض التفاصيل المخبأة بالذكريات دون فائدة، وشعرت بالسأم ثم الأعياء، وظللت هكذا لوقت لا ادري طوله او عرضه او ارتفاعه وانا استعرض في مخيلتي أيامي من البداية الى النهاية، فلم ارى غير اشياءٍ مبهمة وقد تيبست بالفراغ.

منذ عصور العبيد والى الان أُعطيت الى الفنانين مسؤولية تجميل كل شيء يقع في هذه الحياة الفانية، حتى يقضي البشر لحظات سعيدة صافية، لان الصورة الفنية تحقق او تعكس جزء من المعجزات التي ترتسم على ابتسامات وأصوات الناس، وهذه الابتسامات هي الهدف الأسمى للنفس البشرية، وهي أيضاً من أهداف الفن قطعاً.
لاحظ الموسيقى التي تسمعها وتطرب لها وتجد فيها سعادة كل يوم بآلاتها المتنوعة، ولاحظ كلمات وعبارات الأدب والشعر وهي تنقل إلينا الصور ثم لاحظ الصور نفسها التي ينتجها الخيال التصويري للنحت والرسم والفوتوغراف.

غير ان هناك اصواتاً اخرى تدعونا الى تجميل كل شيء ايضا، ربما لم تخطر على بالنا لحد الان لكي نعيرها ما تستحقه من الانتباه، وكأن بها شيئاً خارقاً يشدنا اليها والى ألحانها الناعمة، انها أصوات ملايين الالوان من حولنا، فحتى في الضباب والرطوبة تُسمع عندما يبللها المطر، وأيضاً اصواتاً ملونة اخرى موجودة فينا لا تسمع ولا تُرى، وكأنها من أنغام همومنا عندما تحمل اضواءاً خاصة كتلك التي تطلقها حرائق البارود.

اشعر ان إرادتي قد سلبت مني وأصبحت منهوك القوى، فقد مضى الوقت والحب وقد خفت حدتهما، ولا يعنيني بعد الان مرور الزمن فهو يجعلني أفكر في تقدمي بالسن، فلقد حلت الساعة التي توقفت فيها الشموس والأقمار والاقدار والكواكب السيارة كلها عن الدوران ولم اعد قادرا بعد الان على رؤية الفجر مطلا كالحريق.

الوجوه التي كنا نحبها ونعتز بها غابت، والسراب الجميل الذي ركضنا خلفه وتسلقنا الجبال في سبيل الظفر به قد تلاشى، والمضيء انطفأ، والجميل صار قبيحا،
وبدلا من ان ترث الأجيال ثروة وأرضا وبستان اصابها جميعا نصيباً وإرثا من حزنٌ وعويلٌ وقلق.
فعندما تتغير الأشياء الخارجية من حولك فان ذاتك ودواخل نفسك هي الأخرى تتغير، بحكم اهتزاز وزوال ما هو مألوف وراسخ في عقل الفرد

وهكذا غفلنا وسرق شيطانٌ ما منا ألواح القدر وسرنا في الطريق (وكانوا وكنا في الضلال نعومُ- المعري)، وكأن هناك مصيراً لا يقاوم ولا يقهر علينا الامتثال له.
هل هذه ضحالة وغباوة وقصر نظر؟
هل نحن بحاجة للإيمان بغدٍ او بعد غد، كمن يتأهب لحبٍ جديد؟

أربعين سنة وانا اتطلع الى الشمس وهي تغرب على الشرق الأوسط المخيف شيئا فشيئا الى ان اكتمل الظلام، وفي السنين الأخيرة صرت أضع يدي على ظهري حتى أخفف من آلام الظهر الذي قصمه إيماني الساذج بزمان مشرق لابد آتٍ ينهي ذلك الظلام ولو لحين، والناس في الشرق دائما بحاجة الى ذكرياتهم الماضية، احيانا لاستعادة الحزن والأهوال والآلام، والأهم من كل هذا استعادة الحب الضائع بين اقدام المارة، وانا في غيبوبة عنهم كأني امشي في الأرض واعيش في السماء.

ليس لي ولم يكن لي شيئا في ذلك الشرق منذ أربعين سنة ولن يكون، فقد كنت دائما أقول ان المستقبل هنا وليس هناك حتى لو لم يكن عندي مستقبل، واستمرت سنواتي وايامي هكذا بدون فوارق كثيرة، ولكن كلما تطلعت الى هناك باعتباره منزلي وبيت اجدادي العظام، فأن السأم والهم هما حصيلتي دائما، فيخيم الصمت على مكاني فتقضي عليَّ أوقاتي وتنقضي الدقائق والساعات وتضيع نهاراتي في العدم ويكتمل الهم الثقيل فيبدو لي شرقنا هذا في أحلامي احيانا كأنه بيضة مسلوقة معلقة كالمشنوق في المساء، وأحيانا كحفرة مستديرة عميقة وأمامها وقف جنود مسلحين بترسانة من كل ما لذ وطاب من البنادق والسكاكين، ولا ارى وجه إنسان بينهم بل مخلوقات خرافية عجيبة ترتدي أقنعة وتحمل الأكفان.
رنين الالوان وموسيقاها وتجميل ما بدواخلنا وإطفاء حرائق البارود من حولنا، هي رسائل الفن الخالدة الى بني الإنسان في كل زمانٍ ومكان، حاول ان تنصت اليها وتتجمل بها.

هل أنا بحاجة الى صورة لأيامي على مرآة ذاتي كما تقول الأغنية لأقص حكاية السنوات كاملةً؟