أنزع كرامتك فأنتَ في بيت العسكر!

ملهم الملائكة
2020 / 3 / 26

وهذا ليس من عندي، بل أول شعار سمعته من ن ض خليل حين اجتمع بنا في مقر الفصيل 13 السرية الثالثة كلية الضباط الاحتياط. وكنا قد سمعنا جميعاً قبل لقائنا به المزحة المريرة "خريج مريج يشرب بالبريج"، فمسحنا بيدنا على الباب النظام، كأننا نتبرأ من كرامتنا!

تفسير ذلك، أنّ خريجي الجامعات وبعد سنوات الترف والدلال في كلياتهم، يدخلون كلية الضباط الاحتياط، وعليهم أن يمضوا فيها سنة كاملة، لينالوا بعدها دبلوم عالي علوم عسكرية، ورتبة ملازم بقرار من وزير الدفاع وليس من رئيس الجمهورية، وكأنّ رئيس الجمهورية ينأى بنفسه أن يدنس قراراته بالضباط المجندين.
واعتدنا بعد سنوات الخدمة المتطاولة أن نسمي أنفسنا مع بعضنا "ضابط مجمد"، لأنه لا يعود إلى الحياة المدنية ولا يتمتع بمزايا الضابط الدائمي، وحين أقول سنوات الخدمة المتطاولة فأنا أعني الوصف حرفياً، فقد خدمتُ أنا ومن هم في دورتي 10 سنوات متصلة، وبلغت رتبة نقيب، وفي غزو الكويت نلت رتبة رائد.
ولكن قبل كل ذلك، انتقلت من عالم الكرامة والتأهيل الأكاديمي الرفيع، إلى عالم الجيش الذي كانوا يصفونه بأنه بلا كرامة، وكي أكون أمينا، فإنّ هذا الوصف يصدق على الجندي وليس على الطالب المتأهل ليكون ضابطاً، فالأخير له كرامته، لكنّ خشونة العسكرية تصدمه عادة، وهذا ما وجدناه.
آمر كلية الضباط الاحتياط حين دخلتها كان اللواء فايق الحاج أسود، ثم تولى المنصب العميد الركن محمد رياض الحلاق (لاجئ سياسي سوري)، الكادر التعليمي الذي دربنا هم النقيب ليث السامرائي، آمراً للفصيل، ن ض خليل معاون آمر فصيل، عريف هادي عريف الفصيل وآمر الحضيرة الأولى، ن ع معد آمر الحضيرة الثانية، ن ع عبد القادر آمر الحضيرة الثالثة، ن ع يوسف آمر الحضيرة الرابعة. كلهم خريجو مدرسة ضباط صف المشاة في الموصل، فيما كان آمر السرية الرائد ياسين الأعظمي السامرائي.
بالنسبة لي كان عالم الجيش والأوامر والعلوم العسكرية غريباً مهيباً مريراً غامضاً، وكنتُ، ومثلي باقي التلاميذ، أنظر بحسد إلى شلة الضباط وهم يدخلون ساحة العرضات (ميدان التدريب) وعلى أكتافهم تلمع النجوم، وفي أيديهم تتأرجح العصي.
البندقية التي واجهتني كانت باردة وثقيلة، لكن بعد شهر من التدريب صارت تبدو خفيفة الحمل جداً، و آمر حضيرتي نائب العريف عبد القادر الموصلي النحيف كان كابوساً مرعباً بالنسبة لي، أما نائب ضابط خليل، فمخاطبة آمر الفصيل أسهل من مخاطبته، وحين يصل الأمر إلى آمر الفصيل النقيب ليث، فكانت محاورة رئيس أركان الجيش أقرب إلى خيالي من مكالمته، وقد أنهيت خدمتي في كلية الاحتياط ولم أكلمه أو يكلمني شخصياً.
كل شيء في الجيش يعلمك كيف تنزع نفسك من عالمك وتنتمي إلى عالم الحرب والشدائد، وللأمانة أقول هنا إن كلية الضباط الاحتياط كوحدة عسكرية كانت من الوحدات الأكثر نزاهة والأقل فساداً التي خدمت فيها. ويبدو أنّ رقابة السلطات العليا كانت مستمرة وشديدة على الكلية لتخريج ضباط ميدانيين سيكونون وقوداً لحرب القادسية ولغزو الكويت!
نقلني الجيش من منطقة الفوضى الوجودية الثورية اليسارية المطلقة، إلى منطقة النظام العسكري المحافظ اليميني الصارم وزرع في نفسي روح العسكرتاريا وهو ليس وصف مهين كما يقترح بعض اليساريين. وللأمانة، فإنّ قدرتي على الانتاج والجهد المفيد اكتسبتها من الجيش ونظامه الصارم الذي حررني من أوهام اليأس الوجودي اليساري الذي كان يجتاح الشباب.
يومنا يبدأ في السادسة والنصف صباحا، يتجمع الفصيل وسط صرخات "انهض" التي تقصفنا من أفواه ضباط الصف، نكون قبلها في السادسة قد استيقظنا وحلقنا وجوهنا ولمعنا أحذية الخدمة، وحين يصرخ انهض، نلبس بدلة العرضات وحذاء الخدمة، ونجتمع كفصيل (60 تلميذا) في حديقة مقر الفصيل.
نخرج مهرولين إلى مطعم الكلية وهو مكان نتن وزفر الرائحة باستمرار، فنأكل كعكاً ليناً كأنه جلد حذاء جديد وشاياً وحليباً، أو شوربة عدس أو ماش، والأكل بالعد، يعني العريف يعد من 1 إلى 10 حيث يجب أن تكون قد أكلت كل شيء، والا ستخرج إلى التدريب جائعاً.
بعد الفطور الأول، في السابعة وحتى السابعة والثلث رياضة صباحية، وبعدها عودة إلى مقر الفصيل، استلام السلاح من المشاجب، والعودة مجتمعا إلى ساحة العرضات، حيث تفتيش معاون أمر فصيل، ثم تفتيش آمر فصيل، وأحيانا تفتيش آمر السرية، وفي أحيان قليلة، يطلب آمر الكلية أو آمر جناح التدريب تفتيش أحدى السرايا أو الفصائل، وهي مناسبة تنتهي غالباً بعقوبة جماعية لسبب مجهول!
في تمام الساعة الثامنة ينادي آمر الكلية "سرايا داوم بالتدريب للساعة الأولى حسب المنهج"، فتتفرق السرايا إلى فصائل والفصائل إلى حضائر ويبدأ التدريب. حركات التدريب والتحية العسكرية والمسير ثم السلاح وحركات السلاح والتحية بالسلاح، وخلالها تراشق الأوامر وكيفية اصدار الأمر" أيعاز- إجراء" يعني حين تقول استعد ! تقولها هكذا:
فصيل ل ل ل ل ل ، استا اا ا اا ا ا عد!
وهكذا، وأصعب الأوامر كان إيعاز الوقوف وايعازات حركة الفصيل والسرية بالغة الصعوبة، حيث تنتقل الحركات والأجنحة بدقة الأوامر.
ثم بدأت مرحلة السلاح وتمارين السلاح، وشملت البندقية كلاشنكوف، المسدس ماكاروف، الرشاشة ار بي كي، القاذفة آر بي جي، الرمانة اليدوية الروسية الهجومية والرمانة الدفاعية.
في الساعة العاشرة والنصف ينتهي التدريب، حيث تعود الفصائل إلى الثكنة بعد تسليم السلاح إلى المشاجب، ثم تذهب الفصائل إلى الفطور الثاني (جبنة أو قيمر البان مع حليب وشاي وصمون عسكر(شعير) ساخن طازج، وكانت بالنسبة لي أهم وجبة في اليوم) ثم تتجه الفصائل في الحادية عشرة إلى قاعات الدرس بعد أن يدوي بوق الدروس وقد ترجم التلاميذ لحنه إلى: "طب أدرس، طب أدرس" فتتوزع الفصائل على قاعات الدرس، ويصطحب التلاميذ معهم الكراسات والكتب والدفاتر. تشمل الدروس، التخطيط، التعبئة، التاريخ العسكري، الجغرافية العسكرية، الحرب الكيماوية، الهندسة العسكرية، التوجيه السياسي. وكانت مقاومة النعاس أصعب ما يوجه التلاميذ، ومن ينم يواجه عقوبة الركض حول ساحة العرضات في الساعة الثالثة أو الرابعة ظهراً من أشهر الصيف!
تنتهي الدروس في الساعة 13.30، ثم تذهب الفصائل مجتمعة بشكل كراديس إلى المقصف، البهو أو المطعم، حيث نتناول الطعام، وكلنا نتندر أنهم يجلبون لنا لحم "كنغر" لأنّ العظام كانت كبيرة جداً وشكلها غريب، ولكن شدة التدريب تجبرنا أن نأكل كل شيء، وعموما كان الأكل سيئاً جداً من ناحية الطبخ ومن ناحية حصة الفرد، وربما كان هذا الأمر الجانب الأسوأ في الكلية.
في الساعة الثانية والربع تعود الفصائل إلى الثكنات، لاستراحة طولها ساعة. وكانت عبارة عن ركضة للتهيؤ لما تبقى من اليوم.
في الساعة الرابعة تخرج الفصائل مجتمعة بملابس الرياضة إلى الرياضة المسائية، ثم تذهب بعدها إلى قاعات الدرس للمذاكرة المسائية الإجبارية ولكن بالحذاء الخفيف وبالقيافة الداخلية وليس بحذاء الخدمة وقيافة العرضات. في السادسة والنصف تنتهي المذاكرة المسائية، وتعود الفصائل لاستراحة قصيرة تخرج بعدها في السابعة إلى طعام العشاء في البهو.
في الساعة السابعة والنصف تعود الفصائل إلى الثكنات، ويبدأ التهيؤ للتعداد المسائي. في الثامنة مساء يدوي بوق التعداد، فتخرج الفصائل مجتمعة بقيافة التدريب إلى ساحة العرضات، وتصطف كما هو الحال في التعداد الصباحي، ويجري التعداد وأحيانا تصاحبه عقوبة جماعية لكل الكلية أو لبعض الفصائل أو السرايا، ثم يعود الجميع إلى الثكنة لاستراحة تصل إلى ساعة، وفي الساعة 9.30 يدوّي بوق النوم، ويجب أن يسارع الجميع إلى تغيير ملابسهم والدخول إلى الفراش وإطفاء النور، وإلا فالعقوبة صارمة.
من أسوأ ضباط الخفر ضابط من أهل الدور اسمه هذال! اللؤم متأصل في نفسه، في ذات يوم ساخن من أيلول عاقب تلامذة الكلية مجتمعين بالهرولة حول الكلية لمدة ساعة كاملة. 1200 تلميذ ومعهم ضباط صف يهرولون كالحصن لأنّ نقيب هذال كان سكراناً ولم تعجبه حركاتنا!
بعد أسبوعين، كرر نفس الفعلة في خفارته، مضيفاً إليها إبقاء الكلية مجتمعة بوضع الاستعداد لمدة ربع ساعة!
وكانت النتيجة شكوى تقدم بها الجميع إلى هيئة التوجيه السياسي، لكنها لم تحقق شيئا، فالنقيب اللئيم القبيح (أشقر أبرص بعيون خضر بلا أهداب، قصير القامة محدب الساقين ولا أدري كيف قبلوه ضابطا)، هذا النقيب كان من أقارب عزة الدوري، وهو يشبهه لكن بنسخة مصغرة، وبذا فإن الشكاوى لم تغير شيئا.
بين كل هذا الجحيم اليومي، كنت وأحد الزملاء واسمه نائل من أهالي كركوك، بين الرياضة والمذاكرة المسائية نذهب بترمس أنيق إلى سياج ساحة العرضات الملاصق لقاعدة الرشيد الجوية، وننادي جندي حانوتهم، فيملأ لنا الشاي لقاء 100 فلس، فنكون قد حققنا مكسباً رهيبا يعيننا على تحمل آلام الدروس والمذاكرة. الشاي كان حلماً وكذلك التدخين، كنا نرشف كؤوس الشاي وأدخن أنا وندندن بصوت واطئ بأغاني فيروز! فيروز في كلية الضباط الاحتياط، تحدٍ بصوت خافت!
كل تلميذ كان يتقاضى راتبا شهرياً قدره 35 ديناراً، وهو مبلغ كبير آنذاك، حيث كان راتب المعلم في بداية تعيينه هو 18 ديناراً.
وهكذا عشنا جحيم التدريب لنحو عام كامل، كانت أصعب فقراته تلك التي بدأنا بها منذ 3 آب 1979 وحتى نهاية العام. وبعد 6 كانون الثاني 1980، أجريت لنا قرعة الصنوف، وحصل كل واحد على الصنف الذي اقترعه، وكانت القرعة نزيهة إلى حد كبير، وجرت بأشراف هيئة عسكرية عليا، لكنّ المفضلين حظوا بصنوف مختارة خارج القرعة.
في مدارس بعض الصنوف، خفّت الشدة إلى حد كبير، لكن تلاميذ المشاة والدروع كانوا الأسوأ حظا بيننا، وعانوا بشدة حتى في مدارس الصنوف، ولهذا قصة أخرى.