مع ثريا أقرب إلى الله

ملهم الملائكة
2020 / 3 / 23

لم تكن قرية بمعنى الكلمة، بل بيوت وأكواخ ومبانٍ متناثرة بين القمم الصخرية والمرتفعات والتلال التي تكسوها الخضرة ويرصعها الزهر بألف لون. وفي غفلة من الزمن، كان عليّ أن أعلّم الصبيان والبنات اللغة الإنكليزية في مدرسة تبعد 5 كيلومترات مسير جبلي عما بات بيتي.

لحسن حظي أن مسيري اليومي من البيت إلى المدرسة ذهاب إياب يساحل جدولاً يسيل بلا انقطاع من القمم المثلجة على مدار العام. المدرسة بناية شيدت في منتصف سبعينات القرن العشرين، لكنها مازالت نظيفة متماسكة لجودة بنائها، وخير ما فيه سقفها القرميدي الذي مرت عليه عقود تحت الثلج والمطر ولا زال يتألق حين تشرق الشمس بلون خام الحديد الأحمر ليسرّ مرآه الناظرين ويطرب حواس الورد والعشب الراقص في المروج.
أما بيتي، فقصته لا تشبه قصص البيوت، فقبل عملي في المدرسة العتيدة، عملت مسؤولاً عن الحانوت في مصنع حكومي لإنتاج الآجر، وهو عمل موسمي لمدة 6 أشهر، ينقطع مع سقوط الثلج، وسلمني مدير إدارة المصنع، مفاتيح المخزن الكبير ومعها مفاتيح المشتمل السكني الصغير. وبعد نهاية موسم الانتاج، أغلق المصنع وحانوته، لكن مدير الإدارة كريم الطبع أتاح لي أن أحتفظ بمفاتيح المشتمل حتى الموسم المقبل، ثم حصلت على عمل في المدرسة الحكومية، فأتاح لي قائمقام المنطقة أن ابقى في مسكني بالمصنع المملوك للدولة ما شئت مجاناً، ما دمت أعمل في مدرسة حكومية نائية لا يريدها أحد سوى سكان القرى والنواحي القريبة.
الغيم هنا لا يطرز صفحة السماء ككل غيوم العالم، بل يتسلل نازلاً إلى المروج ليصبح ضباباً شفيفاً يمسح على ثنايا وقمم الجبال والهضاب برفق كل يوم صبح مساء.
ضحى ذات يوم ربيعي بعد نوروز ذاك العام، رأيت صبياً بقميص أخضر يركض بين العشب الراقص على سمفونية الريح وهي لا تهدأ. لم يكن يركض بل يراقص العشب من بعيد وكأنه يطاول موجاته الصاعدة الهابطة محاولاً أن لا يلمس الأرض بل يبقى يحوم فوق حافاتها كخيال مزار غريب. وكأنما أدرك الصبي هاجس المزار الغريب الذي راودني وأنا أراه مسافراً عبر مرقص الريح، فانعطف إلى مزار حاجي عباس، حيث يُدفن موتى سكان البيوت والأكواخ التي تأبى أن تصبح قرية، وتأبى أن تستقل بالنأي عن بعضها، ثم توقف أمام مقبرة المزار التي تحيط به من كل صوب بلا نظام ولا حسابات معقدة. ومن بعيد رأيته يقف عند شاهدة قبرة بيضاء تلمع في شمس الضحى، ثم ركع قربها ووضع إصبعه على حافة القبر وهو يتلو صلاة أو دعاء.
وحيثما كنت جالساً اتشمس أمام بناية المدرسة التي مازالت مقفلة بسبب عطلة النوروز، لاح لي الصبي ناهضاً من ركوعه العزائي على حافة القبر الأبعد في مقبرة مزار حاجي عباس وصار يعدو باتجاه المدرسة متقافزاً فوق صخور المنحنى. واقترب من مجلسي، ثم تنبّه إليّ حيث أجلس ووقف على بعد بضع عشرات الخطوات يرقبني مثل عصفور خائف. أومأت له بيدي أن يقدم، فتقدم حتى باتت مسافة التخاطب القروي الصادح كافية بيننا، وصرخ يسألني ماذا أفعل أمام باب المدرسة المعطلة؟
فقلت له وأنا أظلل عيني لأراه بوضوح، إني معلم اللغة الإنكليزية وجئت هنا لأتشمّس في هذا الصباح الربيعي الندي، ولا أدري لماذا سألني الصبي صارخاً، هل ذهب معلم الإنكليزية السابق لينام مع الله في حديقة مزار حاجي عباس؟
في نبرته بلاهة تفوق براءة سكان الجبال الأشداء، وفي سؤاله قلق صوفي لا يراود الأطفال في سنه. أجبته أن المعلم السابق أنتقل ليسكن في مدينة بعيدة بعد أن تزوج بامرأة من المدينة، وأني حللت محله منذ العام الماضي، ثم أردفته بسؤال لماذا لا يأتي هو إلى المدرسة؟
نظر إليّ وأجابني مفتخراً أن أمه قد سجلته مبكراً ليحضر الدروس بعد نوروز على أن يزور الصف الأول منذ بداية العام المقبل. ثم استدار على عقبيه، وعاد يسابق عشب المرج عدواً صاعداً على السفح البعيد للجبل الذي يقوم عليها المزار.
بعد نوروز عمّ الدفء فردوسنا المتواري بين الغيم والضباب، وفتحت المدرسة أبوابها يوم الثلاثاء الأول من نيسان، وجلست أنا والمدير ومعلم الحساب والسيدة فريدة معلمة كل شيء نتشمس أمام باب المرج المزهر اليانع العبق، لكن لم يلتحق التلاميذ لأنّ أغلبهم تنتهي عطلته غداً يوم الأربعاء الأول بعد نوروز، حسب تقاليدهم الموروثة من زمن تائه غير متفق عليه.
بقينا نتبادل الحديث، ونهرش أجسادنا المعبأة بسترات صوفية بسبب البرد المقيم، وبسبب شمس الربيع وهي تساقط علينا حراً في هذا المشراق المعفى من هبوب الريح والمواجه للشمس بكل صفاقة! ولاحت في الأفق النازل من السفح الآخر للجبل الذي يستضيف مزار حاجي عباس امرأة بلباس لازوردي طويل، وفوقه جاكيته ريفية غليظة متعددة الألوان خير ما توصف به "أنها بلا لون"، ومعها يسير طفلٌ يرتدي تراكسوت رياضي سماوي اللون، وعلى ظهره حقيبة ملوّنة.
وصل الإثنان صوبنا، ودخلا حديقة المدرسة التي لا يحدها سياج أو جدار، حيتنا السيدة بوجه بشوش جميل ذي ملامح جبلية حادة رققتها أسالة وجنتين زينتا الوجه الممتلئ المستدير كزهرة عباد شمس ضاحكة، وقد تلفع رأسها بحجاب مزهّر وتحته عصابة سوداء تحجب محاولات الشعر المضنية للظهور علناً بحثاً عن نور الشمس أو بحثا عن عين رجل يريد تحسس مذاق الأنثى في شعرها الجبلي. وبعد سلامها حيّانا بخجل ابنها الذي كلمني يوم أمس أمام المدرسة. وأعلنت السيدة أنها جاءت بابنها نوح لتسجله كمستمع حتى نهاية العام، كما قيل لها، على أمل أن تسجله في الصف الأول العام المقبل، وسألها المدير عن عمره، فأجابت إنه في الثامنة. كان هذا مألوفا في مدارس الأرياف، فغالباً لا يسجل الأهل بنيهم في المدرسة حال بلوغهم السادسة.
سارع المدير يرحب بها وبابنها، ورافقهم إلى الدخل ليقوم بنفسه بتسجيله في غرفتنا المشتركة الفسيحة، وهي تضم إدارة المدرسة وغرفة المعاون وغرفة الكاتب وسجلاته وغرفة المعلمين وتفاصيل إضافية أخرى. بعد هنيهة، خرج الجميع، وودعتنا السيدة ثريا وابنها ورحلا باتجاه الغيم.
تلك الليلة، مع غروب الشمس بقيت أرنو إلى حيث سافر نوح وأمه، ومع ارتفاع أذان المغرب من مسجد لا أراه، خلت أنّ نورا ينبعث مترنحاً من أفقهم الغارق بالغيم والضباب. فجر تلك الليلة، ايقظني طائر غرد يقف عند شباك بيتي، فنظرت نحو أفقهم، وخيل لي أن ضوءاً أخضر يتلجلج بين الضباب. بقيت أحدق في الغبش باتجاه سفرهم يوم أمس، حتى خلت أن الضوء ينبعث من المزار. وضعت ماء في إبريق الشاي، ووضعته فوق المسخن الكهربائي، ثم صنعت شاياً لنفسي وأفطرت جبناً وعسلاً ذهبياً وخبزاً من ريفنا الأخضر. وغسلت فمي بمحلول النعناع الذي ابتعته من العطار مساري، ثم ارتديت قميصا وكنزة رقيقة وفوقها جاكيته زرقاء ورحلت إلى المدرسة في أول يوم بعد نوروز.
في باحة المدرسة أجتمع التلاميذ، بملابسهم زاهية الألوان، وقد كست وجوههم حمرة من هواء الجبال النقي والغيم الذي يلامس الشفاه وحليب الأمهات. أجريت وباقي الهيئة التدريسية التعداد الصباحي، ثم توزع التلامذة على الصفوف. ورغم أني رسمياً معلم الإنكليزية إلا أن المدير طلب مني أن أتولى الصف الأول هذا اليوم لأروي للتلاميذ بعضا من محفوظات خارج المنهج المدرسي لمناسبة نوروز والربيع.
قيام! قام التلاميذ احتراماً لدخولي، ولم يقم بضع منهم فهم لم يتعلموا القواعد المدرسية بعد، فأوعزت للصف بالجلوس، وطلبت من الجميع تعلم قاعدة القيام عند دخول المعلم، والجلوس حين يوعز لهم بذلك. ثم شرعت أتلو عليهم محفوظات من الذاكرة، بعشق الربيع والفرح به وبألوان نوروزه، والجميع يردد معي، حتى وصلنا منتصف المحفوظة فقرع باب الصف، ولاحت فيه ثريا ونوح، بنفس ملابس الأمس والحياء يرتسم على محياها وهي تعتذر عن وصولها المتأخر.
سمحتُ لنوح بالدخول وابلغته وأمه أنّ وقت شروع المدرسة هو الثامنة صباحاً، فهزّت ثريا رأسه موافقة، وأسرت قلبي غمازة أو شبه غمازة ترصع حنكها مثل نجمة وشم سومرية، كما علقت في أنفي نسمة زكية من ثوبها أو من شعرها المتخفي.
في ريف الجبل لا يستحم الناس مراراً بسبب البرد والثلوج، بل يفعلون ذلك مرة في الأسبوع في أحسن الأحوال وذلك يوم الخميس أو الجمعة. البعض يربط ذلك بغسول الجمعة، لكن أغلب الناس تربطه بفرض النظافة، وهم على كل حال لا يتعرقون مثل سكان الصحارى، ولذا لا تنتن أجسادهم، ولكن جسد ثريا يفوح بعطر الأنوثة حتى إذا لم اقترب منه بما يكفي لاستشمامه.
كل يوم، كان مجيء ثريا ونوح مناسبة لبهجتي، ولحظات وجد تشبه الترنم بقصيدة صوفية. في بيتي المستعار كان خيالها يرافقني، بيني وينها مسافة عمر لا تقل عن ربع قرن إذ لم أسألها عن عمرها. صديقي مدير المدرسة قال لي غامزاً أنني عاشق، ونبهني إلى أنّ الكرديات قد يكنّ حبيبات مخلصات، لكنهن متمردات على الزوج والبيت وقيوده، وخير لي أن أظلّ أتعشق ثريا دون أن أعشقها عن كثب. لكنّ مزار حاجي عباس بات قبلة لقلبي كل مساء، والنور الأخضر القادم من طرفهم بات منارة أرنو إليها بلهفة لا تريم. ثريا أرملة، وهي لم تبلغ الثلاثين بعد، وأنا أعزب أقترب من الخمسين، ماذا يمنع أن أكون لابنها أباً وأنا معلمه الأول في مدرسة الحكومة؟
بعد أكثر من شهر، غاب نوح ولم تأت ثريا لثلاثة أيام متعاقبة، فخرجت ذات ظهيرة خميس لمزار حاجي عباس، ربما شوقاً لشميم ثريا ووقع خطوها. جلست في جوف المزار، وبيدي كتاب أدعية، تصفحته، فصادفني دعاء من مولانا، قرأت فطربت بشوق صوفي:
أنا جد قريب، قد أبدو بعيدا.
ممتزجا معك تماما، قد أبدو معزولا.
لذا ففي الفضاء المفتوح أبدو متوارياً،
***
ليس العاشق مسلما أو مسيحيا،
أو جزءا من أي عقيدة.
دين العشق لا مذهب له
لتؤمن به أو لا تؤمن.
***
تعال، تعال، أيا من تكون،
هائماً، عابد نار، عاشق سفر.
هذه ليست قافلة اليأس.
لا يهم إن أخلفتَ نذرك
ألف مرة، استمر بالمجيء،
ومرة أخرى تعال.
***
أريد أن أكون حيث
تمشي قدمك الحافية،
لعلك قبل أن تخطو،
ستنظر إلى الأرض،
أرنو بشوق لتلك البركة.
***
مطر يسقط
فوق رجل واحد،
يتحول إلى بيت.
***
دوران ودوران طوال الليل
في بيت الصديق.
هكذا يجب أن يكون،
فالمعشوق في حاجة إلى
الكأس فارغاً فارغا.
قرأت ذلك مراراً ثم تلوته بصوت أعلى وأوقدت شمعة فوق الدكة المزينة بالحناء، والصومعة مازالت تعبق برائحة باقات الورد الذابلة، والغائب عن المشهد حليب الأنثى الذي سوف يعيدني طفلاً أرقص على أوتار الفرح دون سبب. وكان عليّ أن أملّح هذه القصيدة برصعة حنك ثريا، وهذا يستدعي أن أراها. رحلت سراعاً صوب الغيم حيث بيت ثريا ونوح، وبقيت أمشي على السفح الأخضر البعيد من الجبل وكلّي ثقة أني سأصل بيتهم الذي لم أره ولا مرة، ولاح لي فجأة ضوء أخضر من بعيد، فبقيت أسير نحوه بين الصخور، وتحت قدمي كانت أزاهير الشقائق والنيلوفر والنرجس تنبجس عطراً والعشب يتعرق بلا حياء لعرقي وشوقي. جنيت باقة ورد في يدي، ولم تكن بجمال ورد الشانزلزيه، لكنّ روح الله كانت ترقد في ورودها وأغصان الآس الخضراء التي تتخللها.
دنوت من النور الأخضر، ومع ذلك لم أصل، وفجأة اختفى الضوء، ونظرت أمامي...لا شيء سوى جبل عملاق، وعلى سفحه القريب نيسم صغير يعانق جدولاً طرقته أقدام الناس مراراً فبات مساره أبيضاً مثل الطحين، سرت في النيسم فانعطف بي بشدة بعد منعرج تتوسطه سدرة عتيقة، تخطيتها فلاحَ الضوء الأخضر مرة أخرى وبدا قريباً جداً، سرت نحوه لا أحيد، حتى اقترب بمسافة لا تزيد عن خمسمائة خطوة، وبات واضحاً أنه ينبعث عن فانوس أو مصباح . مشيت قدماً حتى تأكدت أنّه فانوس لوكس وضع فوق جملون من قرميد عتيق بهتت حمرته فبات أقرب للبني يسقّف بيتاً مربع الشكل يصعد إليه سلم حجري من جانبيه بلا سياج، والبيت وما فيه يُطل من جهته الأخرى على واد سحيق. وقفت أمام باب البيت، وقلت "يا الله، السلام عليكم"!
فرد عليّ نباح كلب غاضب، بات يقترب مني قادماً من جهة الوادي، صحت بصوت أعلى "يا أهل هذا البيت، السلام عليكم!"، ورد نباح الكلب وهو يقترب مني بصوت أكثر ارتفاعاً، ثم ظهرت من جوف البيت ثريا وفي يدها "تفكه موزر" عتيقة، وما إن رأتني حتى وضعت البندقية جانباً، ورسمت على وجهها ابتسامة ود وهي تقول أهلا بالأستاذ أهلا وسهلاً بك في ربوعنا، ونهرت الكلب الأسود والأبيض الذي وصلني وهو مكشّر عن أنيابه، فتراجع خجولاً من سيدة البيت.
توقفت عند السلم مترددا في الدخول فنادتني، "اقبل أستاذ على الرحب والسعة" فارتقيت الدرجات الحجريات المتآكلة، ووصلتها وقدمت لها باقة الورد الطرية، وشفعتها بعبارة ود مفسرة لسبب مجيئي، "غاب نوح عن المدرسة 3 أيام، فاستبطأته وأقلقني غيابه، فبحثت عنه حتى وصلتكم على هدي فانوسكم الأخضر".
نظرت إليّ بامتنان وتساءلت باسمة: أيّ فانوس تعني؟
أشرت إلى قمة الجملون وقلت: هذا الفانوس اللوكس فوق أعلى الجملون.
ارتسمت على وجهها علامات السؤال، ونزلت من جانب الدرجات الأخرى، وابتعدت قليلاً عن البيت ورنت إلى أعلى الجملون ثم نظرت لي متسائلة: أين هو الفانوس الأخضر؟
نزلت السلم من جانبي، وابتعدت عن البيت ونظرت إلى أعلى الجملون وهالني أنه لا يوجد شيء!
درت حول البيت متعجلا وأنا أقول لها أن الفانوس ربما قد سقط وقد يسبب لهم حريقاً!
لكنها عادت تلاحقني وتؤكد لي أنهم لا يملكون فانوس لوكس أصلاً!
وعدت معها مذهولاً متعجباً من كل ما جرى، فظهر في هذا الوقت من جوف البيت ابنها نوح، وعليه علائم الشحوب، وسلّم علي وهو ينظر إلى باقة الورد في يد أمه، وسألني عمّ أبحث خلف بيتهم؟
فأجبته بحياء أني أبحث عن الفانوس الأخضر الذي قادني إلى بيتهم، نظر إليّ بفضول وقال "الفانوس الأخضر في مزار حجي عباس، وليس هنا!"
أسقط في يدي، فتداركت خيبتي وقلت لهما أني في النهاية وصلت بيتهما، وصار بوسعي أن أعرف سبب تغيب نوح عن الدروس؟
وقضيت بضع دقائق، وأنا أقرأ ملامح خيبة غير معلنة في وجه ثريا، هل كانت تنتظر مني أن أعلن سبباً آخر للحضور؟
وسارعت تقول أنّ نوحاً كان وما زال محموماً، وهي لا تعرف أن تذهب به إلى طبيب المدينة القريبة. انتابني جزع غريب، وسارعت بلا تروٍ أعلن استعدادي لمساعدتها في الذهاب بابنها إلى طبيب مستشفى المدينة القريبة، فسارعت تتساءل كيف وأنا لا املك سيارة؟ مرة أخرى اندفعت مثل مراهق غر، وتحركت مبتعدا عن بيتهم وأنا اطلب منها ان تستعد والفتى للذهاب ريثما اعود لهم بسيارة تقلنا. وسرت ابتعد عن بيتهم بلا هوادة حثيثا إلى مركز القرية حيث القصاب والعطار يفتحان دكانهما فتتوافد العجلات لهما لتوصل حاجات القرية الصغيرة.
كان هناك تراكتور زراعي قرمزي اللون يسحب عربة فارغة، سائقه يوشك أن يتحرك، فسارعت أوقفه وطلبت منه أن يقلنا إلى مستشفى القضاء القريب، وطلب مبلغاً معقولاً، فرجوته أن يرافقني الى الجبل لننقل طفلاً وأمه، سارع السائق يعلن أنّ الاجر لا يكفي ولابد أن أضاعفه، لاسيما أن الطريق قد يكون غير معبداً وعندها سيتوقف وعلي أن آتي بالركاب لعنده. ورضيت فلا خيار آخر عندي، وسار الجرار طريقنا الوعر، صاعداً نازلاً، حتى وصلنا إلى منحنى السدرة، فتوقف معلنا أنّ ليس بوسعه مواصلة السير جنوب السدرة لوعورة الطريق وضيقه، وعليّ أن آتي بالركاب إليه في هذا المكان. رضيت غير مختارٍ، وترجلت أعدو لبيتهم، فوجدتهم قد تكدسوا كالليلك على باب البيت المكعب الغافي على حافة الوادي. سرنا حثيثا نحن الثلاثة صوب التراكتور، ثم اعتلت ثريا وابنها ظهر العربة، وصعدت أنا إلى جانب السائق، وبدأت رحلتنا. بعد نصف ساعة وصلنا مستشفى المدينة، وترجلنا من الجرار ثم دلفنا إلى المشفى، ووصلنا الطبيب، وحين فحصه، اكد لنا اصابته بمرض اسمه الجدري المائي" ويصيب الأطفال خاصة،. وأكد لنا أن الإصابة والبقع التي انتشرت على صدر وظهر نوح ستختفي خلال عشرة أيام، لكن يلزمه الراحة، وعليه تناول شراب باراسيتامول الخافض للحرارة والمزيل للصداع، على أن تكثر له أمه من الشوربات والسوائل الحارة، وتمنعه عن الجلوس في نور الشمس، وعن الحركة لمدة اسبوعين. كما كتب له، حبوب انتي هستامين لعلاج الطفح الذي انتشر على جلده.
خرجنا من الطبيب واشتريت الأدوية، ومعها اشتريت برتقالا وليمون حامض، وشاياً اسود وشاياً أحمر للمصابين بالحمى. ثم اكتريت لنا تك تك (سيارة بثلاث عجلات) وعدنا إلى بيتهم وقد حل الليل في ربعنا الهارب من الجنة.
صار لي ديدناً أن أزرهم كل يوم بعد المدرسة لأرى كيف تعافى نوح من مرضه، وكل يوم كنا نجلس معاً في مشراق الشمس على دكة البيت المكعب، وننظر إلى الوادي ونروي لبعضنا قصصاً أغلبها خرافي عن الحمام حين يطير ليلاً بحثاً عن حقول الحنطة، وعن الفئران البيض التي تجلب السعد إلى البيوت، وعن غزلان الرنة وكيف غادرت وادي حاجي عباس بحثاً عن مراعٍ لا تهددها الذئاب. ويتطاول الحديث حتى مغرب الشمس فاقطع رحلة العودة متعثراً متعجلاً قبل أن يحل الظلام فتصبح رحلتي أصعب.
عشقي لثريا بات حقيقة لا جدال فيها، وصرت متأكداً أني لا أريد الحياة بعيداً عنها حتى لو تيسرت لي وظيفة باهرة في المدينة القريبة أو في مدن أخرى نائية. وكنت أحسها تخترقني في كل لقاء لتعيش مع روحي وليس مع شهواتي. إنها حكاية صوفية هاربة من مزارات تشبه مزار حاجي عباس، لكنها أجمل في مرمرها النظيف وجدرانها البيض التي تلوحها شمس الأبيض المتوسط التي لا تشرق في ربوعنا الشمالية الباردة هنا، ولم أكن قد عرفت تلك المزارات والأديرة عن كثب، لكني شاهدتها في أفلام تركية ويونانية وايطالية مسكّرة الطعم كأنها مربى الخوخ.
شفي نوح، وعاد سعيداً إلى المدرسة، لكنّ يومه الثاني انتهى بهجومه المتوحش عليّ في غرفة المعلمين، وهو يتهمني بأني بلا أخلاق ويحذرني من زيارة بيتهم، وحين سألته لماذا يقول هذا وأنا الذي أنقذته من موت محقق، أجابني بين الدمع والغضب أنّ المدرسة برمتها أضحت تلوك سمعته وسمعة أمه! وصار يشتمني بكردية روسية مثقلة بالخاءات الصعبة المقعرة وهو ينتحب.
خرج نوح الصبي الرجل، وبقيت أتأمل حالي، هل أسقط أمام تحدي طفل قروي أمي في الثامنة؟!
مرة أخرى غاب نوح عن المدرسة، هذه المرة لم أذهب لبيتهم المكعب على حافة الوادي السحيق، بل انتظرت أعجازاً سماوياً يغير المعادلة. وجاء الإعجاز في غروب اليوم الرابع لغيابه عن المدرسة، حيث قرعت ثريا باب بيتي وبيدها قنديل أزرق فيه قبس نور أخضر من شعلة تنوس بلا سبب. هل كنت محموما أغرق في أخيلتي هذه المرة أيضا؟ لا إنها ثريا لوحدها تقرع باب بيتي ذات غروب جميل يزين سما الوادي فيه هلالٌ بنسيج سمكه خيطين.
وقفت على عتبة بيتي المتواري خلف كوّر مصنع الآجر لا تروم الدخول، لكنّ مساكن العمال العزاب، وقاعات الأسر العاملة في جانبي المصنع كانت تتطلع كلها بفضول إلى بيت المعلم الخمسيني، ووقوف الثريا بنورها الساطع على بابي سيشعل حروباً تتقاصر أمامها هجمات القوقاز على الكولاك وجبل دراغ.
توسلت لها أن تدخل لئلا يكون حضورها هذا الغروب أهم واقعة شهدتها قبائل الكرد القادمين من خلف غيوم وادي حاجي عباس لعمل في مصنع الآجر الحكومي.
دلفت ومعها قنديلها الأخضر، فشعّ نور مقدس في بيتي الغارق بكتب بلغات لا تفقهها ثريا وبصور لم تر مثلها وبأشعار تتسلق الجدران بلا حياء بحثاً عن المؤنث المتواري خلف كل شيطان. حاولت أن أستضيفها، لكن كان في عينها قلق لم أفهمه منعني برفق، ثم وضعت قنديلها على الأرض وطلبت مني أن أسدل الستائر، وأجريت أمرها بسرعة، فبات بيتي مزاراً أخضر تشرق فيه ثريا كأحلى السماوات. نضت حجابها بهدوء، فبان شعرها متماوجاً كسندس طوقه بذيل حصان شريط أصفر لامع. لم أصدق نفسي، فركعت على ركبتي اتأمل في محراب هذا الحسن، ونهضت من مجلسها وسارت إلى غرفة نومي، ونادتني. بعد ساعات من الحريق، غادرتني ثريا وهي تبكي، وقالت في وداعها:
لو شئتَ أن تتزوجني فإنّ نوحاً لن يرضى، وقد يفجّر بنا مشكلة قد تتشظّى إلى ما لا نعرف عقباه، ولا أريد مشاكل، فأنا أرملة مستوحدة لم اتجاوز الثلاثين والطامعون بكنوزي الفقيرة الخبيئة كثر. لتبق أنتَ في بيتك، وسأبقى في بيتي يحميني الرجل الصغير نوح، لكني سأزور معبدك هذا مرة كل أسبوع لأبذل صلواتي في محراب المعلم.
وخرجت ثريا وثوبها يطير مثل سارٍ تراجع عنه جسده الهندي، فأنطفأ قنديل معبدي الأخضر، لأنام ليلة عيدي الأول في وادي حاجي عباس، ودفء حميم لم أعهده أنا الغريب الوحيد التائه، يغمر بيتي وفراشي وأطرافي.