وباء كورونا وعودة آرنولد توينبي

رابح لونيسي
2020 / 3 / 22

شغل تحدي وباء كورونا العالمي كل البشرية التي تتساءل عن مدة إستمراره وإنعكاسات ذلك عليها، وأصبح الكثير يتحدث عن عالم ما قبل كورونا فيروس وما بعده، فهناك نوع من إجماع على أنه نقطة مفصلية في تاريخ البشرية، لكن نعتقد سيكون ذلك في حالة إستمراره مدة طويلة أما في حالة العكس سيكون له تأثيرات، لكن لن تكون كبيرة جدا، ومن المؤكد أن تقضي البشرية على هذا الوباء كما قضت من قبل على أوبئة الطاعون والكلب والكوليرا وغيرها بفعل إجتهادات علماء يخدمون الإنسانية قبل أي أمر آخر مثل الفرنسي لويس باستور والألماني روبرت كوك، فرغم تنافسهما في القرن19 إلا انه كان تنافسا علميا بحتا في خدمة الإنسانية، وقد كان لهما ولتلاميذتهما القريبين والبعيدين دورا كبيرا في محاربة الأوبئة التي تختلف نسبيا عن وباء كورونا الذي يعد أخطر منها لأنه سريع الإنتشار بحكم طابع العولمة التي جعلت العالم مجرد قرية صغيرة، فأوبئة الكوليرا والطاعون وغيرها تنتشر في مواقع محدودة بحكم عدم إنتقال كبير للبشر على عكس وباء كورونا.
نعتقد أنه في حالة إستمرار تحدي وباء كورونا العالمي لمدة طويلة، فإنه سيعيد المؤرخ البريطانيٍ آرنولد توينبي إلى الساحة بعد ما غيب لمدة طويلة، وذلك ليس في المجال الطبي والبيولوجي طبعا، بل في قراءة المستقبل وتطوراته، وسيعود توينبي بحكم نظريته "التحدي والإستجابة" حول نشأة الحضارات، فقد درس 27 حضارة في التاريخ العالمي في كتابه الشهير "في التاريخ" الذي يضم عدة أجزاء، وقد توصل توينبي إلى نتيجة مفادها أن كل هذه الحضارات هي نتاج تحد كبير تواجهه مجموعة بشرية في منطقة معينة، فتستجيب له إيجابيا من خلال طرق مواجهته بإبداع طرق وأدوات وتكنولوجيا متطورة لمواجهته، فينشأ من خلال ذلك حضارة جديدة، لتتوسع فيما بعد، ويستثني توينبي بعض التحديات الغير معقولة، والتي يستحيل على الإنسان مواجهتها، ولهذا لم ينشيء هؤلاء أي حضارة كالإسكيمو مثلا.
لا نعتقد ان تحدي وباء كورونا من التحديات التعجيزية، لأنه لو كان كذلك معناه نهاية البشرية. نعتقد أن هذا التحدي العالمي الجديد يختلف عن كل التحديات السابقة التي أشار إليها توينبي بكونه لايخص منطقة معينة، بل هو تحدي عالمي، وسيواجهه الإنسان في حالة إستمراره مدة طويلة بإستجابة إيجابية ليس بالقضاء عليه تماما، بل بإبداع أساليب جديدة للحياة على الصعيد العالمي، ويكون أبرز ملامحها هو إنهاء اي علاقات أو أساليب حياة مبنية على الإحتكاك بين البشر، مما سيؤثر سلبا على هذه العلاقات الإنسانية، ولايمكن أن يكون ذلك إلا بتطوير كبير جدا لتكنولوجيات الإتصال الجديدة، خاصة الأنترنات التي ستسمح بعلاقات بشرية تتم عن بعد تماما أو ما يمكن تسميتها بعلاقات وممارسات إلكترونية إن صح التعبير دون أي إحتكاك مباشر بين إنسان وآخر، وبهذا ستنشأ حضارة عالمية جديدة ليست خاصة بمنطقة دون أخرى، وسيتم مثلا التعليم والإجتماعات والتسيير والمبادلات التجارية وغيرها عن بعد دون أي إحتكاك، وتتم بواسطة هذه التكنولوجيات الجديدة، وقد بدأت بوادر ذلك قبل ظهور وباء كورونا، فإن تم ذلك فمعناه عدم تحقق ما أستشرفه الفرنسي جاك أتالي في الكثير من كتاباته، خاصة في كتابيه "التاريخ المختصر للمستقبل" في2006، وكذلك "الإنسان الرحالة" في 2003 أين يرى أن الإنسان سيصبح رحالة وغير مستقر، فهو دائم الترحال، ويسير كل أموره وإحتياجاته بواسطة آلات صغيرة جدا كنتيجة لثورة الإتصالات الجديدة، صحيح قد حقق جاك آتالي جزء من إستشرافه وهو التسيير عن بعد لمختلف الشركات مثلا، لكن وباء كورونا سيفرض على الإنسان الإستقرار وليس الترحال الدائم كما توقع.
كما سيقضى وباء كورونا العالمي على كل التنظيمات المعتمدة على تجمعات كبرى كالجيوش التقليدية، لأن هذه التجمعات تحمل خطورة نقل الفيروس، وستنتهي الحروب الكلاسيكية المعتمدة على الجندي، وإن وجدت الحروب فستكون إلكترونية وبيولوجية وبواسطة الروبوات، وهو ما من شأنه إحداث تغيير كبير في العلاقات الدولية.
يظهر لنا الآن بأن كل دولة تحمي أمنها الصحي بغلق وعزل نفسها عن العالم بعد ما أصبح هذا الأمن في أول السلم للأمن الإستراتيجي للدول، لكن سيكون تدخلات دولية فيما بعد حسب قدرة أو عجز أي دولة في حماية أمنها الصحي، فإن كانت قادرة ستتصدر المشهد مثل الصين الآن، وإن كانت عاجزة، فستفقد إستقلاليتها بحكم تدخل دول قادرة على ذلك لأن حماية أمن العالم يتطلب ذلك، أي سننتقل من فكرة الأمن الجماعي التي نتحدث عنها في الماضي والمتمثلة في بؤر التوتر التي تؤثر على الجيران اقليميا ثم على العالم كله مثل حروب اهلية أو الإرهاب إلى أمن جماعي آخر وهو عدم السماح بنقل الفيروس من دولة إلى أخرى، وفي حالة عجز أي دولة عن مواجهة خطر الفيروس، سيتم التدخل فيها إما لمساعدتها أو إتخاذ ذلك ذريعة لضمها، وسيتطور ذلك كله في نظرنا إلى ظهور سلطة عالمية تسير العالم كله لأن الحماية العالمية من إنتشار الفيروس تتطلب ذلك، وبهذا الشكل سندخل نظام عالمي جديد، وستنشأ الدولة العالمية كما تنبأ بها بعض الماركسيين الذين بنوا تحليلهم المستقبلي على القول بأن الرأسمالية العالمية وبروز برجوازية عالمية سيؤدي إلى نشوء دولة عالمية لتوسيع السوق والتحكم فيه كما أنشأت البرجوازيات الوطنية مختلف الدول الوطنية في أوروبا لتوسيع السوق أيضا، لكن ليس السوق هو الذي سيفرض ذلك اليوم، بل مواجهة وباء عالمي هو الكورونا، وممكن أوبئة أخرى.
أن كل هذه التطورات المستقبلية مرتبطة بمدة إستمرار هذا الوباء العالمي، ومن غير المستبعد في حالة الإستمرار الطويلة لهذا الوباء إختراع الإنسان لألبسة أخرى تماما تمنع أو تخفف إنتقال الفيروسات من إنسان لأخر في حالة الإحتكاك المباشر، لكن متى سيتم ذلك وبأي ثمن؟ وهل يمكن تلبية طلبات ملايير البشر بهذا النوع الجديد من الألبسة الذي سيكون أسعارها عالية جديد بحكم تكلفة إنتاجها أم ستتم التضحية بالضعفاء؟ فهل سيعود داروين من جديد ليثبت نظريته البقاء للأقوى على صعيد الصراع بين البشر، خاصة ان هناك نظرية تقول بأن وباء كورونا سيقضي على الضعفاء جسديا كالمسنين والمرضى الذي يمتلكون مناعة ضعيفة؟، فهل سندخل في مفاهيم جديدة للطبقية وللفقر الذي لايبنى فقط على مستوى الحياة، بل على القدرة من حماية الإنسان من هذه الأوبئة الفتاكة؟.