تزوير التاريخ

رفعت عوض الله
2020 / 3 / 22

اليوم ظهرا كنت اتناول فطوري ، ومن عادتي فتح التلفزيون اثناء تناول الطعام . قلبت بين القنوات ، فرأيت الدكتورة لميس جابر تتحدث في برنامج عن الرومان الذين كانوا يحكمون مصر منذ معركة اكتيوم البحرية التي كانا طرفاها الملكة كليوباترا المصرية سليلة البطالمة اليونانين ومعها انطونيوس القائد الروماني الذي هام بها غراما من جهة واوكتافيوس قيصر الامبراطور الروماني من جهة اخري . انتهت المعركة بهزيمة الاسطول المصري وانتحار الملكة كليوباترا ودخول القوات الرومانية مدينة الاسكندرية المجيدة ، وبذا اصبحت مصر ولاية رومانية ، وفقدت استقلالها الذي عاشته طوال عهد ال بطليموس "البطالمة " الذين كانت مصر من نصيبهم بعد موت الاسكندر الاكبر في القرن الرابع ق.م ، فحافظوا علي مصر دولة مستقلة يحكمونها ، وبنوا المدينة العظيمة الاسكندرية .
من المعروف ان سياسة الامبراطوريات مع الشعوب الخاضعة لها سياسة استغلال وتحكم وسطوة وتسلط وسيادة . لذا الحكام الرومان فرضوا ضرائب باهظة علي المصريين للوفاء بنفقات الحامية الرومانية ، والوفاء بمصروفات ونفقات الوالي والاطقم الادارية ، وفي نفس الوقت اعتبرت الامبراطورية مصر سلة القمح الخاص بها .
وحين ظهرت المسيحية وبشر بها القديس مرقس في القرن الاول الميلادي ، تحول قسم من المصريين للديانة الجديدة . وكانت اعداد المتحولين في ازدياد مطرد لم تكن هناك مشكلة فالامبراطورية تتكون من شعوب كثيرة ولكل شعب الهته وعباداته .
احترم حكام روما التعدد والتنوع الديني ولم يفرضوا عبادة بعينها علي الشعوب الخاضعة لهم ،غير انهم نادوا بعبادة الامبراطور وضرورة السجود لتماثيله الموضوعة في الميادين المختلفة كتعبير عن الولاء السياسي للامبراطورية والامبراطور ، لكن الكنيسة علمت تابعيها ان " للرب الهك تسجد واياه وحده تعبد ". هنا نشأ الصدام بين الدولة والدين الجديد ، ورأي الاباطرة في رفض السجود لتمثال الامبراطور تمردا وإخلالا بمبدأ الولاء السياسي ، فشنت الدولة حربا شعواء ضد المسيحيين في شتي بقاع الامبراطورية ، طالبة ان يتخلي المسيحيون عن عقيدتهم ويسجدوا لتمثال الامبراطور ، لكن المسيحيين رفضوا فنكلت بهم الدولة تنكيلا بشعا ، مثل القائهم للوحوش الجائعة ، او رميهم في الزيت المغلي ، وصلبهم واشعال النار في اجسادهم فتضيئ ليلا الطرق . ولما كان اقبال المصريين علي المسيحية كبيرا فقد نال المصريين النصيب الاكبر من الاضطهاد والتعذيب والتنكيل البشع حتي ان المؤرخين الكنسيين بدأوا التقويم القبطي " تقويم الشهداء : سنة 284 م وهي السنة التي اعتلي فيها الامبراطور دقلديانوس العرش ، والتي شهدت قمة الاضطهاد والتعذيب والتنكيل بالمسيحيين .
في القرن الرابع اعترفت الامبراطورية بالمسيحية ، بل صارت الديانة الرسمية للامبراطورية ، فأنتفي الاضطهاد وتحرر المسيحيون من التنكيل والتعذيب ، وصارلهم ان يعيشوا ويعبدوا ويبشروا في سلام وان يبنوا كنائسهم ، وان يحاكي اساقفة الكنيسة مظاهر العظمة والابهة التي كان ينعم بها ممثلو السلطة السياسية ، بدعوي ان ممثلي السلطة الروحية اعلي مقاما من الحكام السياسيين .
انقسمت الامبراطورية الرومانية الي واحدة غربية وعاصمتها روما واخري شرقية وعاصمتها القسطنطينية في اسيا الصغري "تركيا حاليا ".
سقطت روما تحت وطئة قبائل شمال اروبا الهمجية في سنة 476 ميلادية ، وبقيت الامبراطورية الشرقية سيدة جنوب وشرق حوض البحر الابيض المتوسط ، فكانت مصر ولاية تابعة لها .
بحث المسيحيون في طبيعة المسيح في المجامع المتعددة التي قررتها الكنيسة في تلك العهود ، وفي مجمع انقسم الاساقفة واللاهتيون بخصوص تلك الطبيعة هل هي واحدة ام طبيعتين .
تمسكت الكنيسة المصرية بان للمسيح طبيعة واحدة لها خصائص طبيعتين ، في حين تمسكت كنائس اخري ومنها كنيسة بيزنطا بان للمسيح طبيعتين واحدة ناسوت واخري لاهوت .
مصر كانت محكومة من قبل بيزنطا "الامبراطورية الرومانية الشرقية ".
حاولت بيزنطا اجبار الكنيسة المصرية علي اعتناق عقيدتها في المسيح . عاندت الكنيسة القبطية وتمسكت بعقيدتها مما ادي الى توتر في العلاقات بين الدولة و بين الكنيسة المصرية ، وبين الكنيستين البيزنطية والقبطية ، حتي انه كان في الاسكندرية بابوان واحد بيزنطي واخر قبطي .
في ظل الضغط الذي مارسته الدولة والكنيسة البيزنطية علي الكنيسة المصرية والتضييق عليها ترك البابا بنيامين وهو البابا الذي عاصر الغزو العربي بقيادة عمرو بن العاص . ترك هذا البابا كرسيه واحتمي بدير في الصحراء من جبروت الدولة والكنيسة البيزنطية .
في عهد هذا البابا هاجم القائد العربي عمرو بن العاص - بجيش صغير- مصر من جهة الشرق عبر شبه جزيرة سيناء .
المصريون الذين كانوا مستائين من الدولة الرومانية وواليها وكنيستها وقفوا موقفا سلبيا من الجيش الغازي فلم يقاوموه ، ولم يقفوا الي جوار الحامية الرومانية ، مما ساعد علي تمكين العرب من البلاد والاقاليم المصرية ، وفي النهاية دخلوا الاسكندرية ، ورحل الرومان وصارت مصر ولاية عربية اسلامية .
ماذا فعل العرب المسلمون ، وماذا فعل القائد الداهية عمرو بن العاص ؟
من الحكمة والسياسة ان تحاول كسب اهل البلد المغزو ، فأول شيئ فعله عمرو بن العاص هو عهد الامان للبابا الهارب من جحيم الرومان ، فرجع لكرسيه ، الامر الثاني تامين الكنائس فلا نهب ولا هدم ، الامر الثالث اقرار حق المصريين المسيحيين في العبادة .
فرحت الكنيسة ومعها جموع الشعب ، ونظر البعض إلي ما حدث علي انه خلاص من قبل الله لهم .
ولكن العرب الغزاة الخارجين من شبه جزيرة العرب حيث الصحراء وندرة الماء والجفاف وقلة الزرع والخير كانوا يتوقون لغزو البلاد المتاخمة لهم في العراق والشام ومصر، والتي تتمتع بوفرة الماء والزرع وكثرة الخير .
دأب المؤرخون علي وصف الغزو العربي بالفتح ، ونشر الدين الجديد ، ولكن السبب الحقيقي للغزو ليس نشر الاسلام ولكنه سبب اقتصادي بحت . العرب قبل الاسلام كانوا يعيشون حياة الندرة ويعيشون في قبائل متصارعة . كان الغزو والسلب والنهب هو حياتهم حتي يستطيعون الاستمرارفي الحياة . وكانت القبيلة الكبيرة والتي بها فرسان شجعان تقاتل وتغزو الاضعف منها وتسلب وتسبي وتعود محملة بالغنائم .
جاء الاسلام فوحد العرب ، وجعل امامهم هدفا واحدا جديدا وهو غزو البلاد ذات الوفرة لينعموا بما فيها من خير ، وهذا ما حدث .
بعد ان استتب الامر لعمرو بن العاص في مصر فرض الجزية علي المصريين من اهل البلد ومن لا يستطيع اما ان يقتل او يدخل الاسلام .
وكان تحصيل الجزية يتم بالترهيب والاذلال والاهانة المبالغ فيها .
كان الخليفة سواء أكان في المدينة ايام الخلفاء الراشدين ام في دمشق ايام الخلافة الاموية ، ام في بغداد ايام الخلافة العباسية ، يتعجل ارسال الخراج والجزية ويرسل الرسائل للولاة ، الذين كانوا يمعنون في تحصيلها بالقسوة والعنف واللاانسانية حتي تمتلئ خزائن عاصمة دولة الخلافة وينعم العرب وكل من يعيش في عاصمة الخلافة بنصيب من الاموال المرسلة من الامصار والولايات المختلفة .
وبعد ان تمكن العرب الغزاة من مصر ضيقوا علي اهل البلد الذين هم في ذمة العرب المسلمين فلا يحق لهم حمل السلاح ، ولا الالتحاق بالحاميات العسكرية . فقط عليهم ان يزرعوا وينتجوا ويؤتوا الجزية .
ضيقوا عليهم في العبادة ، وقننوا امر الكنائس . ما كان موجودا قبل مجئ العرب يظل ، ولا يجدد ما تهدم منه ، ولا تبني كنيسة في مدينة جديدة بناها العرب المسلمون ، لا يظهرون الصلبان ولا اصوات الناقوس في الشارع ، ولا تعلو الكنيسة اعلي من مسجد قريب منها . اذا سار الذمي في الطريق عليه ان يلزم اضيقه ، ولا يجوز له ان يظل راكبا اذا مر بمسلمين ، بل لا يجوز له ركوب الخيل والبغال .
كان اهل الذمة من المصريين المسيحيين طوال عهود الدولة الاسلامية ينظر لهم علي انهم في العموم كفار ومشركون ، وهم رهن سخط او رضا الحاكم والرعية المسلمة .
امر الخليفة بتعريب الدوواين ، والدواوين هي جملة النظام الاداري ، فاقبل المصريون علي تعلم العربية ، فتراجعت لغتهم القومية وبمرور الوقت سادت العربية ، لكي يحمي المصريون انفسهم من الظلم والعسف ، ولكي يعيشوا تحولوا باعداد كبير ة للاسلام .
في ظل دولة الخلافة الاسلامية فقدت مصر هويتها وشخصيتها وصارت مجرد ولاية من ولايات الدولة ، قيمتها في الاموال والخيرات المرسلة منها لعاصمة دولة الخلافة .
نظرت الدولة الرومانية لمصر علي انها سلة قمح الامبراطورية ، فهل اختلف الامر بعد الغزو العربي ؟ لا لم يختلف فمصر كانت مسخرة لثراء وتنعم اهل المدينة عاصمة دولة الخلافة الراشدة ، ودمشق عاصمة دولة الخلافة الاموية ، وبغداد عاصمة دولة الخلافة العباسية .
ولكننا لأننا مسلمون ننحاز الي الغزو العربي ونراه فتحا ، ونغض البصر عن سوءاته وعيوبه وما فعله بمصر والمصريين .

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي