البحثُ عن خلاصٍ داخل المتاهة..قراءة في ديوان مؤمن سمير - بلا خبز ولا نبيذ - *بقلم / أسامة الحداد

مؤمن سمير
2020 / 3 / 21

في ديوانه الرابع عشر (بلا خبز ولا نبيذ) يقدم الشاعر مؤمن سمير وعبر36 نصا خطابا شعريا يحمل خصوصيته عبر شاعرية الانتهاك ومواجهة المؤسسات والسلطات كافة والسعي إلى تفكيك العالم بداية من الجسد،وبآليات شعرية باذخة ومراوغة وذلك بتوظيف الكتلة السردية كبنية معمارية وعبر شكل يحمل خطاب الحكاية داخل البنية السردية ويفجر طاقات شعرية عبر مجاز كلي تبدو فيه النصوص نصا واحدا بداية من العنوان كمكون من مكونات النص وجزء من جسده لا ينفصل عنه حيث جاء محدِدا للعلاقة بين الذات الشاعرة والمسيح.. وباعتبار العتبات النصية مدخلا للقراءة سيكون المتلقي بانتظار نبي لا يقدم دمه وجسده لحوارييه أو للرسل وفق اللاهوت لكن رغم هذا التحديد لمسار التلقي عبر العنوان والمدخل إلا أن ما يحمله كلاهما من إحالات سيتم تجاوزها داخل جسد النص لينتقل إلى اللا منتمي بدرجة ما، منحرفا عن عتباته النصية من خلال التحولات داخل النص/الديوان ، من التفاعل النصي مع المقدس إلى السعي نحو هوية خلافية،أو من (ابن الإنسان) بما تقودنا به الكلمة إلى المهمش ،أي من السرديات الكبرى إلى سرديات المهمشين عبر ممارسة دلالية متواصلة وتكثيف شعري، وتحولات متعددة تكشف عن عذابات الإنسان وصراعاته مع ذاته والآخرين، في سعيه للخلاص داخل متاهة كبيرة هي الحياة بمسوخها وأشباحها.
ويقودنا الديوان إلى قضية الشكل المؤسسي لقصيدة الشعر الحر والانتقال إلى كتابة السطر الشعري والكتلة نتيجة لطبيعة المعمار الخارجي للنص الذي جاء عبر بنية سردية يشكل الخطاب الحكائي–غالبا–الأداة الشعرية الغالبة والتي يتجاوز من خلالها الخطاب الحكائي بمفهوميته وسياقه الموضوعي إلى بنية شعرية تعيد اكتشاف العلاقات بين الذات والعالم من خلال المتخيل الشعري الذي تسوده العشوائية أحيانا كمنطق فني من خلال التحولات داخل النص وتعددها ليصنع من خلالها عالما متخيلا وإن ارتبط بالواقع في موازاة رمزية لحياة يسودها الألم وعزلة لا تنتهي بحثا عن خلاص لا يتحقق:( البلدة كلها خلعت بريقها وامتزج الجميع وصاروا أكبر ظل مر من هنا... ارتعشت أقدامه ويداه طارتا فوق الرؤوس ووجهه تضاءل... عندما سألته بعيني بكى) الديوان- ص41
يمثل المقطع السابق سردا شعريا تنفصم داخله العلاقات بين الأشياء ويتفكك العالم فهو ينتقل من البلدة إلى من ترتعش أقدامه وتتبعثر أطرافه ووجهه يتضاءل إلى الذات الشاعرة وسؤال يتحقق عبر نظرة، في عملية إزاحة متواصلة، وعلاقات مبتورة غير مكتملة يؤدي فيها المتخيل الشعري عبر مجاز بصري الدور الرئيسي ليقدم صورة كلية لا تتحقق في الواقع، ومن خلالها يمارس شاعرية الانتهاك وكسر ما هو ثابت وهو ما يتكرر داخل جسد النص بأشكال متعددة مثل:
( عمود النور يبصُّ على تلال الملح، والظلال تعصر الماء وتمسح إشارات السحابة وقبلات كفوفهم، أنا عابرٌ أصفِّرُ للقطط السوداء فتمشي ورائي ثم أخوض فأجد للملح مكانا وسط الطيور...لا أنسى الأشجار الجرداء حتى لو هربت ببصري لأسفل، عقابها العادل أن يخنقها الصيادون) الديوان- ص 27
إن خطاب الحكاية داخل البنية السردية يبدو غير منطقي ويحمل تفكيكاً متواصلاً للعلاقات الطبيعية، وفعل الانتهاك مستمر دائماً ،حتى أن القطط السوداء بما تحمله من دلالات مرعبة عبر الموروث الشعبي-الذي لا يتم تجاوزه هنا فقط بل يتم نقضه كذلك- يرحب بها السارد ويدعوها لترافقه في مواجهة للذاكرة الجمعية والموروث الشعبي؛ تقدم صورة كلية لا تتحقق في الواقع بل تحمل دلالتها وتكشف عن السارد الشعري اللا منتمي.
وعبر انقسام الأنا بين المتخيل والواقع تبدو البنية السردية- أحيانا- أقرب في توظيفها خطاب الحكاية إلى القصة القصيرة حيث نسق الأفعال يبدو متتابعا في بعض النصوص مثل النص الرابع (هو الآتي من متاهة و أنا المضمر فيها) وإن أظهر السرد الشعري قدرة على التخيل وتقديم آليات سردية حيث تقترب في هذا النص ونصوص أخرى داخل الديوان ، في بنيتها وسردها الحكائي من القصة القصيرة حيث تبدو الأنساق السردية دالة على ذلك عبر نسق الحكي مثل:(جدتي كانت تقول) و(تحكي لنفسك ولأصدقائك بعد الثمالة..) ونسق الزمن مثل : (كل يوم) و (كان مقتحما اليوم) و (بعد الثمالة) ونسق المكان : البحر،البيت، قلب الحوض، الصحراء.ونسق الأفعال عبر التداعي الذي يقترب من تيار الوعي، وتوظيف الاستبطان الذاتي. لقد غدت بنية الخطاب الحكائي وتمحورها داخل النص الشعري ظاهرة داخل المشهد الشعري المصري وإن أسقطت الكثيرين–خلاف مؤمن سمير– في سرد موضوعي ينأى عن الشعر بزعم تصوير العالم والكشف عن واقعٍ ما ولكنهم يسقطون في الثرثرة والمجانية وهذا ليس مبغي الشعر ولا غايته، وخطاب الحكاية ليس وليد اليوم ففي جمهورية أفلاطون اقتصر على الشعر التمثيلي متجاوزا القصيدة الغنائية وأرسطو في فن الشعر كان يتحدث عن المحاكاة في الدراما والملحمة، والشعر العربي حفل بحكايات تضمنتها القصائد منذ بداية الشعر العربي ف(ذكرى حبيب ومنزل ) عند امرئ القيس هي حكاية يقصها لصاحبيه.
وشكلت الجسدانية ملمحا داخل النص حيث تفكيك الجسد والخلاص منه ليؤكد على شاعرية الانتهاك فبدأ منذ لحظة كسر الصمت في النص الأول بالأعصاب والجلد والثاني يبدأ ب " جفوني تدلت" ويتوالى تفكيك الجسد عبر الأظافر واليدين واللحية والخطوات والأقدام والنبضات والحنجرة على مدار الديوان كتفكيك للعالم وموجوداته في صراع ديالتيكي فضلا عن المنحى الإيروتيكي:
( حطّت البنت على ركبتيك، فأحسست أن ثدييها تفجّرا، وأن القبلات وقعت منها ) الديوان - ص 51
أو ( أشكل ملامحك على هيئة تمثالٍ من الحنين، أقضم منه بنهم البدائيين العظام ) الديوان - ص 74
( وكيف ضاجعنا المومسات على فراشِك)الديوان- ص 76
(إيلاج الإبرة في محيط الساحرة) الديوان- ص 63
وتأتي الجسدانية داخل النص بتأويلات متعددة تكشف عن عذابات الذات الشاعرة ورغبتها في الخلاص، وكإطار لخطاب مسكوت عنه يواجه تصورات رجعية عن الجسد عبر تأويل مفرط لما هو ديني، وفي الوقت ذاته يقترب من الصوفية في انطلاقها نحو التحرر والسمو بالروح وحدها فلا خبز ولا نبيذ ..لا طعام أو شراب..لا جسد أو دم.
وثمة ظاهرة تكشف عن ثقافة متسعة ورحبة يتم توظيفها داخل النص من خلال التفاعل النصي بداية من العهد الجديد في العنوان وفي (الخد الأيسر) و(الرب) و(الشموع والصلبان) وكذا من العهد القديم وبخاصة نشيد الأنشاد، إلى القرآن حيث تحيلنا عبارة الأعصاب والجلد في النص الأول إلى قوله تعالى ( كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب )وهو ما يحيلنا بالتالي إلى الجحيم لنتذكر دانتي وفصل من الجحيم لرامبو بل جاء أحد النصوص بعنوان يكشف عن التفاعل النصي ( الماركيز دي ساد) كما أن هناك تناص مع نصوص عديدة لكفافيس خاصة ( فطالما خربت حياتك هنا، في هذا الركن الصغير، فقد دمرتها في كل مكان من العالم) وللكونت المشطور لإيتالو كالفينو حيث صاحبه الشرير والماكر العجوز الذي يبدو كصورة أخرى للذات في انقسامها، وللميثولوجيا حيث تبدو صورة الوحوش التي تعيدنا إلى " ميدوسا" و"أنكيدو" وكذا من التراث المصري القديم والتفاعل النصي عبر استحضار كتاب الموتى ومتون الأهرام حيث يقول:
( لم أناوش المسامير في أكباد أولادي
ولم أفرك عظامي...
لم أبك قبيل الطفو ولم أرسل زفرة فيطمئن الرعاة...) الديوان - ص 50
ولم يقتصر الأمر على التراث الإنساني بل يتناص مع كتاباته السابقة وبخاصة ديوانه "رفة شبح في الظهيرة " ليؤكد على تواصل تجربته الشعرية وامتدادها، وهو ما منح النص الكثير من الثراء، كما أن القارئ صار شريكا عبر إعادة إنتاج النص، وصيرورته التأويلية.
وكانت للغرابة وجودها داخل النص حيث الأشباح والوحوش والقطط السوداء والأفاعي، بل واللحية التي تحولت إلى وحش والأظافر بدلالاتها وهي سمة داخل الديوان /القصيدة، نجح من خلال توظيفها في التأكيد على ديمومة الصراع وتجدده.
إننا أمام نص ما بعد حداثي يحمل انحيازاته الجمالية ووعيه المعرفي وموقفه من التاريخ ، ويقدم اقتراحا شعريا مغايرا وثريا، ويفتح المجال للحوار حول إشكاليات عديدة – لم تحسم – حول الأشكال الشعرية والجنس الأدبي، ودور الشاعر داخل المجتمع ومفهوم تطور الفنون والتلاقح بينها، ويسعى من خلال خطابه الشعري نحو الحرية والخلاص في صراعه مع ذاته والآخرين.

(*) "بلا خبز ولا نبيذ" ، شعر ، مؤمن سمير ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ،2017