الحاجة المُلحة إلى ثورة بداخل عقول مشايخ الدين

أحمد إدريس
2020 / 3 / 19

يقيناً الأمة بحاجة إلى ثورة، ثورة بداخل عقول المشايخ !

نعم نحن بِأمَس الحاجة إلى ثورة بداخل عقول المشايخ. هذه العقول المُقفِرة إلاَّ من الأوهام، و التي لا زالت مُقفلة تماماً بإحكام. إلاَّ ما رحم ربي. نفوسُهم في حاجة إلى مراجعة شاملة و قاسِية، و كذلك الكثير مِن الأفهام و الأفكار التي هي الآن عندهم مِن المُسَلَّمات، إن أرادوا أن يصيروا مِن رُوَّاد نهضة حقيقية.

و ليبدأوا بِفَتْح قلوبِهم لِكافة الخلق و تَوْسِيع آفاقهم و رَفْع حِسِّهم الإنساني، إن كانت تحدوهم رغبة صادقة و حقيقية في أن يصيروا رحمة للعالَم أجمع. إن كانت لديهم رغبة جادَّة بِأن يكونوا مُساهِمين بفاعِلية و إيجابية في صناعة المستقبل. إن كانوا جادين صادقين في السعي لِبناء مجتمعاتٍ راقية متوازنة في جوانبها المادية و الروحية و أكثر إنسانية.

أَمْرُ كثير مِن المُتحدِّثين بِإسم الدين عندنا مُذهِل حقاً : العالَم الذي يُحاوِلون إقناعَه بِأنَّ هَمَّهُم الوحيد هو دعوتُه إلى العِبادة الخالِصة لإله لا حدود لِحَنانِه حَيْث وصفه نَبِيُّه بأنه أَرْحَمُ بِالخلق مِن الأم بِوَلَدِها، يَجِبُ أن يعرف هذه الحقيقة الصادمة المُروِّعة بشأن الدين كما صَيَّرَتْهُ أفهامُهم السَّقيمة، و هِي أنهم يُحَرِّمُون قطعاً على أتباعِهم طَلَب الرحمة مِن هذا الإله الذي هو ربُّ الجميع لِموتى الغير حتى لَوْ كان هؤلاء أزكى مِنهم سيرة في الدنيا !

إضافة إلى ما سبق هم في عُمومِهم يجهلون و لا دِراية لهم بقواعد السياسة و لا أبسطِ مبادئها، حِساباتُها المُعقَّدة هي فوق إدراكِهم و إدراكِ الغالِبية العُظمى مِن البشر، و مع ذلك البعض يخوضون فيها بلا تبصُّر و دون ترَوٍّ فيُسيئون و هم يحسبون أنهم يُحسنون : يحسبون ما اقترفوه بِحق أوطاننا و بَقِيَّة العالَم هيِّناً و هو عظيم. و الله أنا أتمنى أن يأتي اليوم الذي تكون فيه السياسة قد اصطلحَتْ مع الأخلاق و لكني أرفض بتاتاً و نِهائياً تسييسَ الدين و اتِّخاذَه مَطِيَّة لتحقيق أغراض دنيوية.

لقد أَسْهَمَ شيوخُ الهَبل بِمَوَاقِفهم الرَّعناء و الحمقاء في التَّسَبُّبِ بِطوفانٍ مِن الخراب، مسؤولِيَّتُهم في مَصائبِ أمَّتِنا المُتتالية تُعَادِل و ربما تفوق مسؤولية حكام الجَوْر و الإستِبداد و نُخَبِ السوء الأخرى، لقد أغرقونا في بِحار الإضطراب و الحيرة و أَوْصَلنا فَهمُهم لِلدين إلى حافة الفناء. إذاً الكفر البَوَاحُ بِهم و بِتفسيراتِهم الضَّيِّقة لِلدين، المُمِيتة القاتِلة لِروحه و الجالِبَة لِلكوارِث، فَرْضُ عَيْنٍ على كُلِّ مَن يَحترِم آدَمِيَّته، حتى لَوْ لم يَكُن مِمَّن فازوا عِند الوِلادة بِلَقب مسلم. هم صُنَّاع نكد لا صُنَّاع أمل. الأمور اسْتَفْحَلت و ما عاد يُطاق هذا الإنحراف بل الضلال الذي ذهب إلى أبعد الحدود. لم نَعُد نستطيع التحمُّل أكثر فالذي يحدث الآن - بل منذ أمد - يُسمِع الأصمَّ و يُحيي الموتى و يُنطِق الصخر.

ثورةُ الفكر في مجال الدين هي مِفْتاحُ التغيير الحقيقي، الإصلاحِ الفِعلي الجَوْهري الشامل الذي نترقَّب بِشَوْقٍ بزوغَ فجرِه و تتطلعُ إليه الأمة قاطبة بفارغ الصبر فلقد طال كثيراً أمدُ انتظاره، قطعاً و يقيناً و بكل تأكيد هي شرطُ انتعاشنا الحضاري. لا بد من مراجعة صادقة شاملة موضوعیة لفكرنا الديني المَوْروث، لا بد من إصلاحٍ حقيقي بل إعادةِ بناءٍ لمنظومتنا اللاهوتية بالكامل !


"الإستمرار في توارُثِ الجهل المُركَّب و تقديسِه و الغِبطةِ به و الإستماتةِ في الدفاع عنه و تجييشِ الأتباع لِفَرضِه، هو الأصل في كل الثقافات و عند كل الأمم حتى تُفيق من هذا الوهم المُدمِّر ؛ إنه ليس حالة نادرة أو استثنائية، بل العقل البشري ما زال غارقاً في تقديس الجهل المُركَّب، لكن تتفاوت الأمم في هذا الخلل المُزمن…" (إبراهيم البليهي)

"نأمل بظهور رجال دين مُتنوِّرين لِحَمل لِواء ثورةٍ فكريةٍ دينية. قد ترى المؤسسات الدينية التقليدية في هذه الدعوة تحريضاً عليها و تهديداً لِمصالحها، و قد تتَّهم المنادين بها بالكفر و الإلحاد، و الحقيقة أنَّنا نرى في هذه الدعوة خدمة للدين و الأمة، بِمَعنى أنها تعيد للدين نقاءَه بعد أنْ ألصقت به المؤسسات التقليدية تأويلاتٍ مذهبية و ممارساتٍ و طقوساً حرَّفته عن أهدافِه. كما أنَّ دعوة الإصلاح هذه هي لِصَالح الإنسان العربي الذي عانى لِقرونٍ عديدة مِن التهميش و التجهيل، فقد آن الأوان لهذا الإنسان أن يصحو و يتلمس طريقه في مسيرة التمدُّن و التقدُّم العلمي." (وهدان عويس، "نهضة الفكر في الغرب و أزمة الفكر عند العرب"، 2006)

"ألا قاتل الله الجهلَ، الجهل الذي يُلبِسه أصحابُه ثَوْبَ العلم، فإنَّ هذا النوع مِن العلم أخطرُ على المجتمع مِن جهل العَوام، لأنَّ جهل العوام بَيِّن ظاهر يَسهُل عِلاجُه، أمَّا الأول فهو مُتخفٍّ في غرور المُتعلِّمين…" (مالك بن نبي)