لم يك الحب جميلا ابدا بهذا القدر ....الحب في أفضل حالاته

سمير حنا خمورو
2020 / 3 / 18

لم يكن الحب جميلًا أبدًا بهذا القدر... الحب في أفضل حالاته ..
سمير حنا خمورو

بعد 20 سنة يعود الفيلم الروائي الطويل "في مزاج للحب In the mood for love" للمخرج التايواني وونغ كار واي Wong Kar Wai إلى قصر المهرجان في مدينة كان لعرضه في من جديد وبنسخة مرممة من النيكتيف الأصلي بتقنية 4k في الدورة 73 من مهرجان كان السينمائي الذي سيعقد في الفترة من 12 إلى 23 مايو 2020.

قسم الأفلام الكلاسيكية في مهرجان كان، سيحتفل عام 2020 بمرور 20 عامًا على عرض فيلم "في مزاج للحب" للمخرج وونغ كار واي، بطولة توني لونج وماجي تشونغ. حصل الممثل الرئيسي، توني ليونج، على جائزة السعفة الذهبية لافضل ممثل حينذاك، وكذلك حصل الفيلم على جائزة اللجنة العليا للتقنية.

 تم تنفيذ ترميم الفيلم، واعادة طبعه من النسخة الأصلية ب 4K تحت إشراف المخرج وونغ كار واي، ونفذ من قبل مؤسستين الاولى كريتيريون Criterion - موسسة دعم المحتوى والعملاء الاستثنائيين، من لازر ديسك LaserDisc، ثم دي في دي DVD وبلو راي Blu-Ray. هدفها هو تقديم إصدارات مرجعية من الأفلام الرئيسية من فهرست السينما العالمية، مع التركيز بشكل خاص على دور السينما الأمريكية والفرنسية واليابانية والإيطالية - والثانية ايماجينيه ريتروفاتا Immagine Ritrovata، وهو مختبر متخصص للغاية في مجال ترميم الافلام السينمائية. ولد وتطور بفضل أنشطة مؤسسة سينيتيكا دي بولونيا Cineteca di Bologna، الذي عملت معها في تعاون وثيق. يُنظر إلى ايماجينيه ريتروفاتا اليوم كمرجع، على المستوى الدولي، من خلال منهجيتها، وعملها البحثي الدؤوب، ومدى نشاطها في استعادة التراث السينمائي العالمي. بفضل أحدث المعدات التي تمكنها من تغطية جميع مسارات العمل الحالية، بدءًا من المسح الضوئي بدقة 4K وحتى المعالجة الكيميائية الضوئية، ويمكن للمختبر التدخل في وثائق الأفلام من جميع العصور السينمائية.

 الفيلم
———
هونغ كونغ، في عام 1962. هو زمن القصة، ينتقل السيد تشاو، رئيس تحرير جريدة محلية، والسيدة تشان، سكرتيرة السيد هو، مع أزواجهن وفي نفس اليوم الى بناية وشقتين متجاورتين متجاورة في نفس اليوم. المرأة في حدود الثلاثين من عمرها أنيقة جدا، زوجها في رحلة عمل، والرجل تشاو مع زوجته السيدة تشاو الغائبة غالبًا والتي تسافر كثيرا الى الخارج. يكتشف الرجل والمرأة ان هناك علاقة غرامية قديمة وخيانة زوجية بالسر بين السيدة تشاو زوجته، وبين السيد تشان زوجها، ويحاول كل من جانبه معرفة ما الباعث والطريقة التي نشأت هذه الخيانة الزوجية.

هذا الاكتشاف يصدمهما اول الأمر لكنه قربهما بعضهما من البعض. العزلة جمعتهم و الفراغ الممل بسرعة يدفعهما إلى الالتقاء لكن الصداقة تؤدي بسرعة إلى مشاعر أخرى. يلتقيان بالصدفة على السلام المؤدية الى البناية او في الممرات الضيقة ولكن يتحادثان بصمت بالنظرات بالاحتكاك الناعم، وتتطور علاقة العشق الخائفة الى لقاءات يتخللها القليل من الكلام. ما يشعران به اكثر وأعنف من الكلام، انهما يعيشان معاناة عدم اللقاء الحقيقي. التردد هو المسيطر على المرأة والرجل.

لو فكرنا اين هي الأحدث في هذا الفيلم كما اعتدنا مشاهدتها في الأفلام الاميركية والأوربية عن الحُب ؟ مشاهد القبل وفعل الحب، ومشاهد العري التي لا يخلو منها فيلمًا غربيًا. لكن هنا "في مزاج الحب" الاحداث تكاد تكون معدومة لا شيء يحدث، ولكن في نفس الوقت هناك أشياء كثيرة تحدث ونحس بها بقوة، وهي اكثر فعالية من قصص الحب في تلك الأفلام التي تُظهر الفعل.
وهي تتفوق عليها حسيا، دون مشاهد قُبَل حميمة أو مشاهد جنسية، مجرد لمسة قصيرة وجلة كافية. أو محاولة لمسة كما في سيارة الأجرة، وأقصى الذي كان يحدث بينهما احتضان بسيط ومع هذا انه هنا يأخذ كامل مداه وكل معنى العشق.

من يستطيع ان يلخص قصة "في المزاج من أجل الحب" ؟ انه فن "اللا شيء تقريبًا": شخصيتين رئيسيتين، مبنى ممر طويل، سلالم، شارع إضاءته قليلة، ورذاذ مطر ليلي، وولادة حب صامت، المشاهد مصورة من لقطات مرسومة بدقة تكاد تكون لوحات، ومن لقطات تتباطأ وتتسارع على حد سواء، ولقطات ثابتة تخضع لإيقاع متوتر تتخللها فكرة موسيقية تُعمق القَلق في نفوسِ المشاهدين، وتبعث المشاهد فيض من الحيوية وحزن عميق، رغم، أو ربما لتكرار بعض اللقطات مع اختلاف بسيط، كالانتظار في الشارع تحت اضاءة مصباح عامود الكهرباء، الممر الطويل في البناية الذي تقع الشقق على طرفيه، المرأة على سرير غرفتها وحيدة، وساعة المكتب، الدخان الكثيف الأبيض المنبعث من سيكارة الرجل. لمسة قصيرة كافية، واحتكاك خفيف على الدرج وهي صاعدة، او وضع رأس المرأة على كتفه في سيارة الأجرة الصغيرة، وفي تبادل النظرات التي تمتلىء مباشرة ورغبة. هناك حياء محزن وقاسي في علاقة الرجل والمرأة في الفيلم.

أريد ان أوكد على الأداء الجميل والمتقن لهذا الثنائي، الممثل توني ليونج والممثلة ماجي تشونغ، في تجسيدهما للشخصيتين، حيث يتم الاداء على الاقتصاد في الحركة. وان الاخراج الأنيق والبارع، والدقيق والحسي يلقي بِنَا في قلب التوتر الحميم والعميق، ويجعل الرغبة والعاطفة والدوافع المحبوسة والمتراكمة لهذا الشخصيتين ممزقة وحزينة. المشاعر تنطلق من خلال النظرات، من خلال جسد كل منهما وفي فن الخجل الذي يُظهرا لنا عظمة المشاعر بين الرجل والمرأة. رؤية المخرج لهاتين الشخصيتين سامية لا ابتذال فيها، ينتقل المخرج من لقطة إلى أخرى بالكشف لنا عن رغباتهم المكبوتة والاحاسيس النفسية الحزينة. يتضح كل ذلك من جمال ارتباطهما الغريب، وتعلقهم كل منهما بوجود الأخر.
لدى المخرج "ونغ كار ووي" موهبة على خلق كل شيء من خلال أشياء وتفاصيل صغيرة، كما لو أن العدم يمكن أن يعطي أفضل شعور بالامتلاء. كم هو جميل هذا العشق الصامت، الأجواء الممطرة والأزياء والالوان الحارة ترافقه حياء وترقب مخيف ومحير موجود ومنتشر في كل مشاهد الفيلم. لم يكن الحب جميلًا أبدًا بهذا القدر... الحب في أفضل حالاته ..

هذا الاختزال في معالجة شعور الحب وفي تفاصيل بيئة الشخصيات وفي نفس الوقت الامتناع العاطفي والبناء السردي غير التقليدي للفيلم، واللقطات في منتهى الجمالية، دون أن ننسى دور الموسيقى الرائعة التي تكاد في رأيي الشخصية الرئيسية الثالثة التي تملأ الاجواء، كما في لحن الكمانات الحزينة والمفسرة التي ألفها الياباني شيجيرو أومباياشي. فهي تحفة قائمة بذاتها. ونجد أن المخرج حتى النهاية في المكالمة الهاتفية الأخيرة، رسخ في نهاية المشهد الاخير في الفيلم على أهمية الصمت مع الشعور بوجود الأخر على الطرف الثاني، هو أكثر أهمية بكثير من المحادثة.
الفيلم أيقونة في فن الرومانسية، هنا فيلمًا مثيرًا عن الشهوة النادرة والساحرة. المخرج وونغ فرض في هذا الفيلم وجوده بين كبار المخرجين المعاصرين.

كتب سيناريو الفيلم المخرج وونغ كار واي، عن رواية "من الراس الى الذيل Head to tail" الصادرة عام 1972 للكاتب الصيني ليو ييتشانغ Liu Yichang (1918 -2018). تمثيل توني ليونج تشيو واي بدور السيد تشاو، ماجي تشيونغ بدور السيدة تشان، سيو بينغ لام بدور آه بينغ، ريبيكا بان بدور السيدة سوين، لاي تشن بدور السيد هو، وونغ مان لي بدور السيد كو، تشن تسى انج، روي تشيونغ السيد تشان (صوت فَقَط )، بولين صن بدور السيدة تشاو (صوت فقط)، مدير التصوير الأسترالي كريستوفر دويل والتايواني مارك لي بينغ بن. المونتاج والديكور والملابس وليام تشانغ، موسيقى الياباني شيجيرو أومباياشي والاميركي مايكل غالاسو. مدة الفيلم 98 دقيقة.

حصل الفيلم على العديد من الجوائز :
مِنْهَا على جائزة افضل فيلم في مهرجان الحصان الذهبي Golden Horse في تايوان لعام 2000 وايضا جائزة أفضل ممثل توني ليونج تشيو واي، وافضل ممثلة ماجي تشيونج، وجائزة أفضل تصوير (كريستوفر دويل)، وهذا المهرجان خاص بالأفلام الناطقة بالصينية (هونغ كونغ، سنغافورة، تايوان، الصين إلخ). وفاز في مهرجان هونج كونج 2000، بجائزة افضل ممثل وممثلة، وجائزة الاخراج، وجائزة المونتاج لوليم تشانك. وحصل على جائزة سيزار الفرنسية لافضل فيلم اجنبي في عام 2001. وايضا جائزة الفيلم البريطاني المستقل لأفضل فيلم أجنبي عام 2001.
كانت هيئة الإذاعة البريطانية بداية عام 2016، قد طلبت من 177 ناقد سينمائي من جميع أنحاء العالم، اختيار قائمة بـ "أفضل 100 فيلم منذ بداية عام 2000 ولحد اعلان نتيجة الاستفتاء لهذه الفترة، واعلنت نتيجة الاستفتاء في آب 2016 واكول فيلم في مزاج الحب In Mood for Love، المركز الثاني خلف فيلم مولهولاند درايف Mulholland Drive اخراج الاميركي دافيد لنش David Lynch انتاج 2001.
عن المخرج
————-
وونغ كار واي من مواليد شنغهاي 17 يوليو 1958، وهاجر الى هونك كونك مع أمه عندما كان عمره خمسة سنوات، تاثر بالسينما الكلاسيكية الاميركية، درس الرسوم التصويرية الكرافيك في كلية الفنون التطبيقية في هونغ كونغ، اثناء الدراسة تحمس للتصوير الفوتوغرافي. ومن ثم اكتشف السينما الأوروبية، وخاصة افلام السينمائيين الفرنسيين من الموجة الجديدة. تخرج في عام 1980. عمل مساعد منتج في التلفزيون، واخرج أفلاما قصيرة، اخرج اول فيلم روائي طويل مع استمرار الدموع عام 1988. كتب عدد كبير من سيناريوهات، وايضا انتج أفلامًا، ابرز الافلام التي اخرجها؛ رماد الزمن، شونغكينغ إكسبريس، كنا سعداء معًا، في مزاج الحب، 2046، مراجعة وثائق النموذج.