الماركسية وتأسيس علم نفس موضوعي*

نايف سلوم
2020 / 3 / 17

من بين أهم مهام الماركسية وأكثرها إلحاحاً واستعجالاً بناء علم نفسي موضوعي حقاً . وهذا الأخير يجب أن يقوم على أسس اجتماعية، وليس على أسس بيولوجية أو فيزيولوجية. على هذا الأساس تواجه الماركسية مهمة شاقة هي البحث عن مقاربة موضوعية ، دقيقة ومرنة في الوقت ذاته، لنفسية الإنسان الذاتية الواعية، والتي عادة ما تكون خاضعة لمناهج الاستبطان النفسي (أي تقاس بما يعبر به الفرد عن نفسه).
وباعتبار الوعي واقعة مجتمعية – إيديولوجية فهو مستعص على مناهج البيولوجيا والفيزيولوجيا والاستبطان. حيث يستحيل تقليص اشتغال وسير عمل الوعي إلى بعض العمليات التي تجري داخل المجال المغلق لجسم عضوي طبيعي حي. إن السيرورات التي تحدد محتوى النفسية في حصيلته وجوهره لا تحدث داخل الجسم ، بل خارجه رغم مساهمة الجسم العضوي في ذلك. إن النفسية الذاتية موضوع لتحليل إيديولوجي يترتب عليه تأويل اجتماعي- إيديولوجي. إذ لا تخضع الظاهرة بعد فهمها والتعليق عليها إلا لتفسير بواسطة العوامل الاجتماعية- الاقتصادية التي تحدد الحياة الملموسة لفرد بعينه .
أول مشكل رئيس يطرح من خلال هذا المنظور هو مشكل الإدراك النشط "للمعيش الداخلي". ومن الضروري إدماج "المعيش داخلياً" في وحدانية المُعاش الخارجي الموضوعي.
إن واقع النفسية الذاتية هو واقع الدليل، لاوجود للنفسية خارج المادة الدلائلية.
دلّ: إبانة الشيء بإمارة تتعلّمها .. ومنه دللت فلاناً على الطريق ، والدليل الإمارة في الشيء(العلامة)، وهو بيِّن الدَّلالة والدِّلالة." النفسية الذاتية (النفس الناطقة) سمة خصوصية مميزة للفرد الإنساني مغايرة بشكل جذري للعمليات العضوية الفيزيولوجية التي تتم في الجهاز العضوي (الجسم) ، مثلما هي مغايرة للواقع الخارج عن هذا الجسم . وهو واقع تنفعل به النفسية وتعكسه بطريقة او بأخرى . النفسية برزخ يمفصل بين الجهاز العضوي للفرد والعالم الخارجي ، هذا التمفصل بين واقعين ماديين موضوعيين غير جسدي ، حيث يلتقي الجهاز العضوي للفرد مع العالم الخارجي في الدليل(العلامة أو السمة) حيث سم يدل على مدخل في الشيء ، والسّامّة الخاصة ومنه السِمة). ويشكل النشاط النفسي الصيغة الدلائلية (السيميائية) الناجمة عن احتكاك الجهاز العضوي بالمحيط الخارجي. لهذا لا يجب ان تحلل النفسية الداخلية كشيء مادي ، لأنها لا يمكن أن تحلل وتفهم إلا كدليل (نحن نمد الظل وجعلنا عليه الشمس دليلاً). إن فكرة علم نفس يُحلِّل ويؤوِّل فكرة قديمة جداً، لها تاريخها المليء بالعبر. يشكل حصول هذه الفكرة على أعمق برهنة لها في إطار علاقتها بالعلوم الإنسانية أو العلوم التي تهتم بالإيديولوجيات ، خاصية مميزة . كان فيلهلم دلتاي يذهب إلى أن النشاط النفسي الذاتي لا يتعرف بألفاظ الوجود ، كما هو الحال بالنسبة للأشياء المادية، وإنما يتعرف بألفاظ الدلالة(العلامة) . فإذا ما غربت عن بالنا هذه الدلالة وفقدناها، وإذا ما حاولنا التوصل إلى الواقع الخالص للنشاط الذهني فإننا سنواجه –حسب رأي دلتاي- سيرورة (عملية) فيزيولوجية للجسم، فنفقد النشاط الذهني تماماً مثلما يحصل حين نفقد دلالة الكلمة وننساها. نفقد الكلمة نفسها فلا يبقى لنا منها سوى صوت مادي مجرّد من الدلالة مصحوب بالسيرورة العضوية الفيزيولوجية التي أنتجته. إن الدلالة هي التي تجعل من الكلمة كلمة. وما يجعل من النشاط النفسي نشاطاً نفسياً هو دلالته ايضاً. يتمثل مشكل علم النفس في وصف الحياة النفسية بتبصر وتمييز ، وتشريح وتأويل وتفسير، كما لو كان الأمر يتعلق بوثيقة خاضعة لتحليل الفقيه اللغوي (الفيلولوجي ). إن علم نفس وصفي وتفسيري هو الذي يصلح حسب دلتاي كقاعدة للعلوم الإنسانية ، أو لعلم خاص بدراسة الإيديولوجيا و"علوم العقل".
تشكلت نظرية ديلتاي على أرضية مثالية، حيث ترتبط فكرة علم نفس يقوم بالتحليل والتأويل أوثق الارتباط بالمسلمات المثالية للفكر. إن المادية الديالكتيكية بناء على ذلك لا تقبلها. إلا ان الشيء الأكثر عرضة للرفض من كل شيء آخر هو الأسبقية المنهجية لعلم النفس على الإيديولوجيا. وحسب فكرة دلتاي والممثلين الآخرين لعلم النفس التأويلي فإن هذا الأخير يجب ان يكون أساساً لكل العلوم الإنسانية. فالإيديولوجيا حسب هذا الراي تتفرع عن علم النفس فهي عبارته وتجسيده الفعلي وليس العكس. حقاً لقد تم إجراء تقارب بين النفسية والإيديولوجيا ، والعثور في الدلالة على قاسم مشترك ، يميزهما معاً عن باقي الواقع ، لكن حسب وجهة نظر دلتاي ومذهبه التأويلي، فإن علم النفس وليس الإيديولوجية هو الذي ينسق هذا التقارب.
أضف إلى ذلك أن الطابع الاجتماعي للدليل لا يتمتع في أفكار دلتاي والآخرين ، بأي اعتبار. وأخيراً ، وهذا هو الذي يشكل الخطأ الأصلي proton pseudo الذي يقدمه مفهوم مدرسة دلتاي هي العلاقة الضرورية بين الدليل والدلالة ، فالطبيعة الخاصة للدليل لم يتم إدراكها وكذلك السياق. فالدلالة لا يمكن رصدها خارج السياق الخاص الذي يقدم فيه الدليل نفسه. هذه العلاقة الضرورية مشروطة بسياق ومواضعة اجتماعية.
إن ربط النشاط الذهني بالكلمة لا يشكل لدى دلتاي سوى مقارنة (تشبيه)، المقصود منها توضيح فكرة معينة ، فضلاً عن ذلك لا نعثر على هذا الربط في أعماله إلا نادراً. وهو أبعد ما يكون عن أن يستخلص من هذه المقارنة النتائج التي تفرض نفسها. زيادة على ذلك ، وكمثالي، فإن دلتاي لا يفسر النفسية بواسطة الدليل، بل يفسر الدليل بالنفسية، حيث لا يصبح الدليل دليلاً عند دلتاي إلا بقدر ما يصلح للتعبير عن الحياة الداخلية.
هذه الحياة الداخلية تمنح الدليل دلالة ملازمة له.
جاء في التنزيل في إشارة إلى تنزيه الدلالة عن أهواء النفس: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ، إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى)
هنا يجسد البناء الذي أقامه دلتاي توجهاً عاماً، يشترك فيه التيار المثالي بأكمله ، ويتمثل في نفي كل معنى ودلالة عن العالم المادي الاجتماعي- الاقتصادي ، لصالح "روح" خارج المكان والزمان. إن الدليل وحدة منفصلة ، أما الدلالة فليست شيئاً مادياً ولا يمكنها أن تنعزل عن الدليل . لهذا السبب يجب على النشاط الذهني ، إذا ما كان له معنى وإذا كان في المستطاع فهمه وتفسيره، أن يُخضع للتحليل من خلال الدليل الواقعي الملموس. يجب أن نؤكد على أن النشاط الذهني لا يعبر عن نفسه خارجياً بواسطة الدليل فقط (لأننا نعبر للآخرين ، عن أنفسنا ، بالكلمات كما بإيماءآت الوجه أو بأية وسيلة رمزية أخرى) جاء في التنزيل: (قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً ۖ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ) وإنما ايضاً على كون النشاط الذهني بصفته تلك خارج هذه الأداة الدلائلية . بهذا المعنى فإن كل نشاط ذهني قابل للتعبير عنه أي أنه يشكل عبارة محتملة. فكل فكرة وكل عاطفة وكل حركة إرادية لا بد أن تكون معبّرة . أي لا يمكن فصل الوظيفة التعبيرية عن النشاط الذهني دون إفساد لطبيعة هذا الأخير ذاتها. وهكذا لا توجد أي هوة بين النشاط النفسي الداخلي وعبارته، كما تنتفي أي قطيعة نوعية بين دائرة من دوائر الواقع وأخرى. ويتم الانتقال من النشاط الذهني الداخلي إلى عبارته الخارجية في إطار المجال النوعي نفسه، ويبدو كتحول نوعي. لا مراء في انه يتم غالباً المرور-خلال عملية التعبير الخارجي - من شيفرة إلى أخرى (من الشيفرة الإيمائية مثلاً ، إلى الشيفرة اللسانية) لكن السيرورة ككل لا تخرج عن إطار التعبير الدلائلي (السيميائي العلاماتي).
إن كل ما يتم في الجسم العضوي يمكن ان يصير مادة لتعبير النشاط النفسي ، نظراً لأن كل شيء كيفما كان ، قد يكتسي قيمة دلائلية ، وأن كل شيء يصبح معبَّراً. لكن تعبيرات النفس متفاوتة القيمة . ومن الضروري لكل نفسية، مهما قل نموها وتمايزها، أن تتكون من "مادة" دلائلية مرنة ودقيقة، يجب أن تكون ، فضلاً عن ذلك، مهيأة لأن تصاغ وتتمايز في الوسط المجتمعي ، وضمن سيرورة التعبير الخارجي. لهذا السبب يتبين أن الكلمة (الخطاب الداخلي) هي المادة الدلائلية المفضلة عند النفس. حقاً إن الخطاب الداخلي يتشابك ويتقاطع مع مجموعة هائلة من ردود الأفعال الحركية ذات القيمة الدلالية . لكن الكلمة تقدم نفسها كهيكل وكأساس للحياة الداخلية . إن إلغاء الكلمة يحيل النفس إلى عدم تقريباً. في حين أن إلغاء واستبعاد كل الحركات التعبيرية الأخرى لا يسلبها أي شيء بتاتاً. إن عالم البيولوجيا وعالم الفيزيولوجيا يهتمان بالسيرورات العضوية المطابقة للنشاط الدلائلي ولا يمكنهما تجاهل كون الجهاز العضوي البشري لا ينتمي إلى بيئة طبيعية وحسب ، وإنما هو جزء لا يتجزأ من وسط مجتمعي خصوصي. لكن محتوى النفس لا يخص عمل عالم البيولوجيا والفيزيولوجيا لأنه يتنحى أمام دلالاتها الإيديولوجية المتغيرة ، والخاضعة بدورها للقوانين الاجتماعية- التاريخية. إن محتوى النفس ليس من اهتمامهما. إن محتوى النفس الإيديولوجي بالضبط ، وفي علاقته بالجهاز العضوي الفردي ، هو الذي يكوّن موضوع علم النفس.
يكفي هنا بالنسبة للمهمة التي حددناها لأنفسنا ، أن نعرض المبادئ الأساس . سيمكننا هذا العرض من توضيح مفهومنا للنفس ، والذي تكمن فيه أهمية حل مشكل علم النفس بالنسبة لفلسفة الدليل ولفلسفة اللغة.
يبقى مشكل الواقع الإيديولوجي دون حل في علم النفس الوظيفي ، وينتج عن هذا الانعدام في الفهم عدم فهم الدليل الإيديولوجي ، وعن انعدام فهم الطبيعة الخصوصية لوجوده بقاء قضايا النفس مستغلقة بدون حل هنا أيضاً. لن يتم حلها ما دام موضوع الإيديولوجيا مستغلقاً. فهذان المشكلان مترابطان ترابطاً لا انفصام لعراه.
وما تاريخ علم النفس ، وتاريخ العلوم المتصلة بالإيديولوجيا (العلوم الإنسانية، المنطق ونظرية المعرفة ، وعلم الجمال ، الخ.. ) إلا تواريخ صراع غير متوقف ، وتحديد متبادل للحدود ، وتاريخ التهام متبادل بين هاتين الشعبتين المعرفيتين. إن كل ذلك يحدث كما لو كان مراوحة دورية بين النزعة النفسوية الفطرية الملتهمة لكل العلوم ذات التوجه الإيديولوجي، والنزعة اللانفسوية الضارية ، التي تفرغ النفس من محتواها وتحولها إلى مجرد كيان فارغ ، شكلي محض كما في علم النفس الوظيفي. أو تحولها أيضاً إلى نزعة عضوية وظيفية عارية. وكأن محتوى النفس الإيديولوجي لا يؤثر على عضوية الفرد وسلوكه اليومي. هكذا لم يعد للإيديولوجيا بعد ان سلبتها النزعة اللانفسوية المضادة مقامها المألوف في الفرد البشري (في النفس) ، ولم يعد لها مقام في أي موضع كان، فوجدت الأيديولوجيا نفسها مجبرة على النزوح من الواقع نحو الآفاق الصورية المتعالية ، أو حتى المتعالية صراحة.
في مستهل القرن العشرين تعرضنا فعلياً وعن استحقاق إلى موجة عنيفة ،رغم أنها لم تكن الأولى، من النزعة المضادة لعلم النفس ، وتمكنا خلال العقدين الأولين من هذا القرن من معايشة احداث فلسفية ومنهجية ذات أهمية عظمى؛ نذكر الأعمال الأساسية لهوسرل، الممثل الرئيسي للنزعة المضادة لعلم النفس (المعاصرة لباخاتين )، والأعمال التي انجزها اتباعه "القصديون" (الظاهراتيون) والانعطاف المعادي لعلم النفس بحدة لدى القائمين المعاصرين على الكانتية الجديدة في مدارس ماربورغ وفريبورغ . إقصاء النزعة النفسوية من كل المجالات المعرفية ومن ضمنها علم النفس ذاته!.
إن موجة العداء لعلم النفس تتراجع اليوم (باختين) وتتهيأ موجة جديدة من حيث الظاهر وقوية جداً هي الموجة النفسوية ، إلى الحلول محلها . وتسمى هذه التنويعة من تنويعات النزعة النفسوية بالفلسفة الوجودية التي هي تقليعة الساعة. تحت هذه اللافتة الوجودية تسترجع النزعة النفسوية الأكثر جموحاً ، بسرعة متزايدة ، كل المواقع التي أجبرت على هجرها ، منذ مدة وجيزة في دوائر الفلسفة والعلوم الإنسانية(أي العلوم التي لها علاقة بالأيديولوجيا) . لا تحمل هذه الموجة النفسوية معها أي تعريف جديد للواقع النفسي . تميل النزعة النفسوية الأحدث، على العكس من الموجة السابقة (النصف الثاني من القرن 19 ذات الطبيعة الوضعية- التجريبية وممثلها النموذجي بوندت) إلى التعليق على الكائن الداخلي ، أي دائرة النشاط الذهني ، بكيفية ما ورائية (غيبية) . وهكذا لم يؤد تعاقب النزعة النفسوية والنزعة المضادة للنفسوية إلى تركيبة جدلية. وحتى الآن لم تعرف الفلسفة البورجوازية كيف تقدم لا إلى مشكل علم النفس ولا إلى مشكل الأيديولوجيا الحل الذي يستحقانه. لا بد من البرهنة والتعليل لهذين المشكلين معاً باعتبارهما مقترنين . ونؤكد على أن مفتاحاً واحداً يفتح الطريق الموضوعي الموصل على الدائرتين معاً. هذا المفتاح هو فلسفة الدليل؛ فلسفة الكلمة(فلسفة اللغة) ، باعتبارها الدليل الأيديولوجي الأمثل. فالدليل الأيديولوجي هو الموطن المشترك بين كل من النفس والأيديولوجيا. إنه أرضية ملموسة ، اجتماعية ودالّة . وعلى هذه الأرضية يجب ان يتم حصر حدود علم النفس والأيديولوجيا. حتى الآن لم نقم سوى بالإشارة إلى موطن مشترك، ومن الضروري إذن تخطيط الحدود الحقيقية داخل هذه الأرض المشتركة بين النفسية الذاتية الفردية والأيديولوجيا بمعناها المحض.
يعود عمق هذا المشكل إلى تحديد طبيعة الدليل الداخلي (في حدود الجسم) الذي يقع ، من حيث واقع المباشر ، في متناول الاستبطان الذاتي. ومن وجهة نظر المحتوى الإيديولوجي البحت ، سواء كان الدليل خارجياً أم داخلياً، لا يمكن أن تقوم هناك حدود بين النفسية والإيديولوجية. فكل محتوى إيديولوجي، دونما استثناء وكيفما كانت الشيفرة التي تحمله، يمكن أن يُفهم ، بالتالي أن يستوعب نفسياً ، بمعنى أنه يمكن إنتاجه بواسطة الدليل الداخلي. أي أن كل ظاهرة إيديولوجية تمر أثناء سيرورة تخلّقها من خلال النفس كمستوى إجباري . كل دليل إيديولوجي خارجي مهما كانت طبيعته يسبح في الأدلة الداخلية، في الوعي ويبقى حياً فيه، لأن حياة الدليل الخارجي تكوّنها سيرورة فهم وعاطفة واستيعاب متجددة دائماً. هذا هو السبب في انعدام وجود أي حدود مبدئية من وجهة نظر المحتوى بين النفس والإيديولوجية. فكل نشاط نقوم به يمر عبر الفكر. لكن الخلاف بين النفسية والإيديولوجية ليس سوى خلاف في الدرجة: ليست الوحدة الإيديولوجية ، في مرحلة نموها الداخلي ، وقبل تجسدها خارجياً في مادة إيديولوجية (التلفُّظ بها) ، سوى وحدة (صهارة) أيديولوجية هلامية مبهمة . لا يمكن لها أن تتخلق وتدق وتتمايز إلا في سيرورة التعبير الإيديولوجي. فالنية دائماً اقل قيمة من العمل (حتى لو كان هذا العمل في التنفيذ سيئاً). فالفكرة التي ما زالت توجد في سياق وعييِّ ، والتي لم تتدعم بعد في سياق العلم ، بوصفه نظام إيديولوجي متناسق، ليست سوى فكرة غامضة وغير تامة. لكن هذه الفكرة تتخلق شيئاً فشيئاً ، في سياق وعييِّ، وتتخذ شكلاً لها ، معتمدة على النظام الأيديولوجي ، لأنها هي ذاتها نابعة عن الأدلة الإيديولوجية التي استوعبتها من قبل. ولا فرق مرة أخرى في سياق الوعي، بين دليل خارجي ودليل داخلي ، فالسيرورات المعرفية المنبثقة عن الكتب وخطابات الاخرين وتلك التي تجري في دماغي كلها تنتمي إلى نفس الدائرة من الواقع (واقع نفسي) ، وليست الفروق الموجودة ، رغم كل شيء ، بين الرأس والكتب ، من شأن محتوى السيرورة المعرفية ولا تخصها.
إن مفهوم "الفردي" هو الذي يزيد من تعقيد مشكل تحديد وحصر كل من النفسي والإيديولوجي. عادة ما يتم ربط علاقة متبادلة بين "الفردي" و "المجتمعي" والوصول من ثم إلى خلاصة ترى ان النفسي فردي والإيديولوجية مجتمعية. يبدو هذا الفهم خاطئاً جذرياً . إن "المجتمعي" في علاقة متبادلة مع "الطبيعي" : ولا يتعلق الأمر بالفرد الاحيائي الطبيعي، وإنما بالفرد بوصفه شخصاً؛ بالفرد باعتباره ممتلكاً لمضامين وعيه ، باعتباره منشئ أفكاره ، وباعتباره شخصية مسؤولة عن أفكارها ورغباتها ، يتجلى كظاهرة اجتماعية- إيديولوجية صرفة . لهذا كان محتوى النفسية "الفردية" مجتمعياً بطبيعته ، مثل الإيديولوجية تماماً. ولهذا ايضاً كانت مرحلة وعي الفرد لذاته ولفردانيته ولحقوقه الخاصة مرحلة إيديولوجية تاريخية مشروطة كلياً بالعوامل الاجتماعية. إذا ما عبرنا عن الفكرة السابقة بمفهوم الإزالة المثلية نقول: إن المجتمعي- الأيديولوجي داخل الذهن يزيل النفسي الفردي ويظهر فرداني على صورته. كل دليل مجتمعيٌّ بطبعه سواء كان داخلياً أم خارجياً .
من الملائم دائماً تفادياً لسوء الفهم وضع تمييز صارم بين بين مفهوم الفرد البيولوجي المعزول عن المجتمع، أي صورة الفرد بالنسبة لعالم البيولوجيا، وبين الفرد/ الشخص الذي يبدو كبنية فوقية إيديولوجية دلائلية تتموقع في مكان ما فوق الفرد الطبيعي/ البيولوجي . عادة ما يتم الخلط بين الفرد الطبيعي والشخصية في تفكير غالبية الفلاسفة وعلماء النفس. وإذا كان محتوى النفس الفردية مجتمعياً مثل الأيديولوجية ، فإن المظاهر والتجليات الإيديولوجية من جهة أخرى ، فردية (بالمعنى الإيديولوجي) مثلما هي نفسية. وهذا ما ندعوه بالإزالة المثلية: المجتمعي يزيل الفردي ويظهر بصورة فردية.
لكن ، ما لذي يشكل الفرق بين الدليل الداخلي والدليل الخارجي ، بين النفسي والأيديولوجي ؟ تتجه الدلالة المحققة بواسطة الحركة الداخلية ، نحو الجهاز العضوي نفسه ، أي إلى فرد معين ، وتتحدد قبل كل شيء في سياق حياته الفردية . بصدد هذه النقطة تحتوي نظرات ممثلي المدرسة الوظيفية بعض الحقيقية. إذ ليس من المقبول رفض تمييز الطبيعة الخاصة بالنفسية عن طبيعة المنظومات الإيديولوجية. ومع هذا فإن الطابع الخصوصي للكيان النفسي ينسجم تمام الانسجام مع مفهوم لإيديولوجي – اجتماعي للنفسية. بهذا المعنى فإن فكرتي تنتمي في اصلها إلى النظام الإيديولوجي وتخضع إلى قوانينه، لكنها تنتمي كذلك ، وفي نفس الوقت ، إلى نظام آخر فريد تمام التفرد ، يتوفر أيضاً على قوانين خاصة به ، إنه نظام نفسيتي. ليست وحدانية جهازي العضوي الإحيائي هي وحدها التي تحدد الطابع الفريد لهذا النظام. وإنما يحدده مجموع الشروط الحيوية والمجتمعية التي يتموضع فيها هذا الجهاز العضوي . إذاً سيتبنى العالم النفسي ليدرس فكرتي مقاربة موجهة نحو هذه الوحدانية العضوية لفرديتي(لي أنا) ونحو هذه الشروط الخاصة لوجودي.
وعلى العكس من ذلك ، فإن الإيديولوجي لن يهتم بهذه الفكرة إلا بقدر اندماجها موضوعياً في نظام المعرفة.
كلما كان الدليل الداخلي أوثق ارتباطاً بوحدانية النظام النفسي ، و كلما كان أشد تحديداً من طرف المكوّن الإحيائي والسِّيري (محصور بالفردية في كيانها العضوي وسيرتها ) ، كان أكثر ابتعاداً عن التعبير الإيديولوجي الأجود صوغاً. بالمقابل فإن الدليل الإيديولوجي يتحرر إذا أمكن التعبير ، في نطاق كونه محققاً ومصوناً إيديولوجياً ، عن السياق النفسي الذي يشمله.
وهذا بالضبط ما يحدد الفرق بين الدليل الداخلي (أي فهم النشاط الذهني ) والدليل الخالص في إيديولوجيته . في الحالة الأولى تعني كلمة فهم : إقامة علاقة بين دليل داخلي ما وبين وحدانية الأدلة الداخلية الأخرى ، أي ادراكه في سياق نفسية محددة . يجب في الحالة الثانية إدراك الدليل في السياق الإيديولوجي الموافق له. والحقيقة أنه لا محيد حتى في الحالة الأولى عن اعتبار الدلالة الإيديولوجية الصرفة لهذا النشاط الذهني . ولا يستطيع العالم النفساني – إلا إذا فهم المضمون الدلالي المحض وغير المشروط لفكرة ما- أن يخصص لها مكانة في سياق النفسية التي هي موضوع حديثنا. أما إذا تنحى عن المحتوى الدلالي لهذه الفكرة فسوف لن يبقى حينئذٍ أمام فكرة ، ولا أمام أدلة ، ولكن أمام سيرورة عضوية وظيفية جرداء هي سيرورة تحقيق فكرة ما، ودليل ما، في الجهاز العضوي. لهذا يجب على علم النفس المعرفي أن يرتكز على نظرية في المعرفة وعلى المنطق ، في حين يتحتم على علم النفس ككل أن يعتمد على علم الأيديولوجيات (لا أن يعتمد علم الأيديولوجيا على علم النفس). ويمكن القول بأن كل عبارة دلائلية خارجية ، كالتلفظ مثلاً ، يمكن أن تتخذ توجهين: نحو الذات(التحدث)، وانطلاقاً منها نحو الإيديولوجية. للتحدث(التلفظ) في الحالة الأولى هدف هو ترجمة الأدلة هو ترجمة الأدلة الداخلية إلى أدلة خارجية . وبوصفها أدلة خارجية يُلزِم المخاطَب بان يردها إلى سياق داخلي ، الأمر الذي يشكل فعل فهم نفسي محض. أما من الناحية الأخرى فهو فهم إيديولوجي موضوعي وملموس للتلفظ اللازم.
بأي كيفية يتم عرض النفس والأدلة الداخلية على ملاحظتنا؟ وعلى دراستنا؟ لا يكون الدليل الداخلي ، في شكله المحض ، أي النشاط الذهني ، إلا في متناول الاستبطان . والواقع أن موضوع الاستبطان بالضبط هو الدليل الداخلي الذي يمكن أن يكون بطبيعته دليلاً خارجياً أيضاً. ويمكن للخطاب الداخلي بدوره أن يصير صريحاً. يتحتم إجبارياً على نتيجة الاستبطان، خلال عملية التفسير الداخلي ، أن تعبر عن نفسها في شكل خارجي صريح أو أن تقترب ،في كل الأحوال ، ما أمكن من مرحلة التعبير الخارجي. إن الاستبطان بصفته تلك يقتفي توجهاً يبدأ من الدليل الداخلي ليسير نحو الدليل الخارجي(سيرورة تميز وتوجه وقصدية داخل الصهارة النفسية) لهذا السبب يتمتع الاستبطان ذاته بطابع تعبيري. فهو يشكل الفهم؛ فهم الفرد لدليله الداخلي. وهذا هو ما يميزه بالضبط عن ملاحظة شيء أو سيرورة ما خارجيين . فليس النشاط الذهني بمرئي ولا حتى مدرك بشكل مباشر ، ولكنه بالمقابل قابل للفهم . معنى هذا أننا سنضع، خلال سيرورة الملاحظة – الذاتية ، النشاط الذهني في سياق أدلة أخرى قابلة للفهم . فالدليل يجب أن يوَضح بأدلة أخرى.
مع أن الأنا هو الذي ينتج
الصورة
ومع ذلك فهو يعتبرها
صورة الشيء
فهو لا يستطيع ان يدركها
كفعالية ذاتية
بل يدركها كشيء خارجي
إن الاستبطان فعل فهم وهو لهذا السبب، يحدث حتماً، بصحبة توجه أيديولوجي ما. عندما يكون الاستبطان خادماً لعلم النفس يوضح الاستبطان الأدلة الداخلية بواسطة نظام معرفي مكون من الأدلة النفسية ، يوضح ويميز النشاط الذهني ويميل بهذه الكيفية إلى إعطاء تفسير نفسي علمي مُرْض. وتشكل تصريحات الأشخاص الذين يخضعون لتجارب نفسية خطاطة تفسير من هذا النمط. لكن يمكن أن يتخذ الاستبطان ايضاً وجهة مختلفة ويميل نحو موضعة ذاتي- أخلاقية للعادات. إذن فالدليل الداخلي مندمج في نظام من التثمينات والمعايير الأخلاقية وهو مفهوم ومشروح من هذه الزاوية. قد يسلك الاستبطان ايضاً، وكالسيرورات المعرفية، طرقاً عديدة أخرى، لكنه سيبذل ، دائماً واينما كان ، كل ما في وسعه لتوضيح الدليل الداخلي توضيحاً نشطاً ودفعه إلى اعلى درجة من الوضوح الدلائلي . تبلغ السيرورة منتهاها وأقصاها عندما يصير موضوع الاستبطان مفهوماً فهماً تاماً. حينما يصير أيضاً، موضوعاً للملاحظة الموضوعية العادية ذات الطابع الإيديولوجي (في شكل دلائلي)
على هذا المنوال يكون الاستبطان ، بوصفه مفهوماً إيديولوجياً – مندمج في وحدانية المعيش الموضوعي. فإذا ما حللنا حالة ملموسة فإنه يستحيل تخطيط الحدود الدقيقة بين الأدلة الداخلية والأدلة الخارجية ، بين الاستبطان والملاحظة الخارجية التي تمنح للأدلة الداخلية في نطاق كونها مفكوكة الرموز تعليقاً متواصلاً يكون دلائلياً بقدر ما هو محسوس. ويتم فهم كل دليل داخلي أو خارجي في ارتباط وثيق بمجموع الوضع الذي يتشكل فيه الدليل المعني . وهذا الوضع أو المقام يكون وضعاً مجتمعياً على الدوام.
لا يمكن للوجهة التي يسلكها النشاط الذهني داخل الروح (الاستبطان) أن تعزل عن واقع الاتجاه الذي يسلكه في وضع أو مقام مجتمعي. لذلك لا يصير تعميق الاستبطان ممكناً إلا في ارتباط ثابت وأكيد مع تعميق فهم التوجه المجتمعي. إن التخلي عن هذا التوجه المجتمعي وتعميقه يؤدي إلى اضعاف كامل للنشاط الذهني تماماً مثلما هي الحالة لدى التخلص من طبيعته الدلائلية . إن الدليل والوضع المجتمعي الذي يندمج فيه ملتحمان لا يمكن فصلهما(علاقة ضرورية بين الدال والمدلول في وضع محدد).
لا يمكن للدليل أن ينفصل عن الوضع (المقام) المجتمعي دون أن تتلف طبيعته وتفسد.
تشكل قضية الدليل الداخلي أحد المشاكل الجوهرية في فلسفة اللغة لأن الدليل الداخلي الأفضل هو الكلمة ، والخطاب الداخلي. إن مشكل الخطاب الداخلي مشكل ذو طبيعة فلسفية ، فهو يقع في ملتقى طرق علم النفس والعلوم المتصلة بالإيديولوجيا. لا يمكن تقديم حل له انطلاقاً من وجهة نظر المبادئ المنهجية إلا على أرضية فلسفة اللغة كفلسفة للدليل. كيف يمكن تعريف الكلمة في دورها كدليل داخلي ؟ في أي شكل وصيغة يتحقق الدليل الداخلي؟ ما هي علاقته بالوضع (المقام) المجتمعي؟ ما هي علاقته بالتحدث(التلفظ) أي مناهج نستعمل لاكتشاف الخطاب الداخلي أو امساكه بسرعة؟ هذه الأسئلة لا تستطيع الإجابة عليها سوى فلسفة لغوية ناجزة مبلورة. لنأخذ مثلاً السؤال الثاني: في أي الأشكال والصيغ يتحقق الخطاب الداخلي ؟ واضح من البدء أن اية مقولة من المقولات التي بلورتها اللسانيات لتحليل أشكال وصيغ اللغة الملفوظة والصريحة ؛ أي الكلام(المعجم، النحو، علم الأصوات) لا تصلح للتطبيق على الدليل الداخلي، ولنفترض صلاحيتها ، فلا بد عندها من إعادة تعريفها بشكل جذري ومن جديد. سيوضح التحليل الأكثر تعمقاً أن الأشكال والصيغ الصغرى للخطاب الداخلي مكونة من أقوال داخلية أي منولوجات كاملة ، شبيهة بالفقرات، أو من تحدّثات تامة ، لكنها ما زالت تذكر أيضاً، أكثر فأكثر بأجوبة الحوار . فليس محض صدفة أن كان مفكرو العصور القديمة يفهمون الخطاب الداخلي كحوار داخلي. فهذه الوحدات لا تخضع بتاتاً للتحليل إلى مكونات نحوية. ولا توجد بينها روابط نحوية تماماً كما في أطراف الحوار الخارجي. غير ان روابط من طبيعة أخرى هي التي تتحكم فيها. إن وحدات الخطاب الداخلي هذه والتي يمكن تسميتها بالانطباعات الشمولية للتحدثات يرتبط بعضها ببعض وتتوالى الواحدة منها خلف الأخرى لا بحسب قواعد المنطق أو النحو ، ولكن حسب قوانين التوافق التثميني (العاطفي) والتسلسل الحواري، وفي خضوع تام لشروط الأوضاع الاجتماعية- التاريخية، وكل المجموع الذرائعي البراغماتي العملي للوجود. إن توضيح وتجلية الأشكال التي تتخذها التحدثات التامة ، وخصوصاً اشكال الخطاب المصوغ في صورة حوار ، هو وحده الذي يستطيع ان يوضح أشكال وصيغ الخطاب الداخلي والمنطق الخاص الذي تسلكه في الحياة الداخلية. لكن لمعالجة قضايا الخطاب الداخلي يجب أولاً وقبل كل شيء تجميع متن هائل من المعطيات وتوضيح مشاكل أخرى أولية وأساسية في فلسفة اللغة، وخصوصاً قضايا التلفُّظ . فعلى هذا المنوال يمكن حل مشكل تعيين وضبط حدود النفسي والإيديولوجي في الأرضية الوحيدة التي تجمعهما معاً هي أرضية الدليل الإيديولوجي.
ويتيح لنا هذا ايضاً إمكانية إلغاء التناقض بين النزعة النفسوية والنزعة المضادة لها بطريقة جدلية. إن النزعة المضادة للنفسوية مصيبة في رفضها استنتاج الإيديولوجية من النفسية، بل على العكس من ذلك إن النفسي هو الذي يجب ان يستنتج من الإيديولوجية. لا بد لعلم النفس ان يعتمد على علم الإيديولوجيات. غير ان النزعة النفسية محقة في ما تذهب إليه ، لا دليل خارجي بدون دليل داخلي . إن الدليل الخارجي بعجزه عن الدخول في سياق الأدلة الداخلية ، أي عن أن يفهم ويعانى ، لا يبقى دليلاً إنما يتحول إلى شيء مادي . إن الدليل الإيديولوجي حي بسبب تحققه في النفسية ، في الوقت نفسه يعيش التحقق النفسي من الاسهام الأيديولوجي. وما النشاط النفسي سوى عبور من الداخل إلى الخارج ، أما بالنسبة للدليل الأيديولوجي فالعكس هو الذي يحدث . إن النفس غريبة عن أرض الجهاز العضوي، إنها المجتمعي وقد تسرب إلى الجهاز العضوي الفردي وأخذ صورة الفردية. يقول ابن سينا في هبوط النفس من الاجتماعي التاريخي إلى النفس الفردية الناطقة:
(هبطت إليك من المحل الأرفع ورقاء ذات تعزّز وتمنع)
كل ما هو إيديولوجي غريب عن الميدان الاجتماعي الاقتصادي. ذلك لأنه يتحتم على الدليل الإيديولوجي وهو يقع خارج الجهاز العضوي ، أن ينفذ إلى العالم الداخلي لكي يحقق طبيعته الدلائلية (السيميائية: العلاماتية). بهذه الكيفية يحصل بين النفس والإيديولوجية تفاعلاً جدلياً لا تنفصم عراه. يجب الا يبقى الدليل الداخلي معانى (موضوع معاناة) ذاتياً حتى يمكنه أن يصير دليلاً إيديولوجياً. ويجب أن يندمج الدليل في الأدلة الداخلية الذاتية ولا بد ان يرن ويصدى بنغمات ذاتية حتى يبقى دليلاً حياً. لقد استرعى هذا التفاعل الجدلي بين الدليل الداخلي والخارجي ؛ بين النفسية والأيديولوجية انتباه المفكرين مراراً عديدة، لكن دون ان يفهم على حقيقته، ولا أن يوصف وصفاً صائباً. إن أعمق وأهم تحليل له هو ذلك الذي قدمه إلينا منذ بعض الوقت الفيلسوف وعالم الاجتماع جورج سيمّل ، فقد عالج هذا التفاعل من زاوية ذات طابع خصوصي يتميز على كل الفكر البورجوازي المعاصر ، أي أنه اعتبره "مأساة ثقافية" أو بضبط أكثر ، كمأساة للملكة الإبداعية لدى الشخصية الذاتية . إن الشخصية المبدعة تحطم نفسها بنفسها كما تحطم ذاتيتها وطابعها الشخصي من خلال الإنتاج الموضوعي الذي ابتدعته هي نفسها. إن موت الروح الذاتية هو قربان ميلاد ثقافة موضوعية . لكن يوجد نقص في فهم سيمّل يتمثل في قوله بوجود هوة سحيقة بين النفسية والإيديولوجيا يستحيل عبورها . لا يعترف باي دليل(علامة) يحيل إلى واقع مشترك بين النفسية والأيديولوجية ، كما أنه يبخس قدر طبيعة الواقع النفسي والواقع الأيديولوجي المجنمعية ، مع أن كلا الواقعين ليس سوى انعكاساً وانكساراً للبنية الاجتماعية- الاقتصادية .و يترتب على ذلك أن التناقض الجدلي الحي بين النفس والبنية الاجتماعية- الاقتصادية يصبح عند سيمّل ثنائية ثابتة ، جامدة "مأساة" ناجمة عن الهوة السحيقة. مع أنه حاول تجاوز هذه الثنائية بحيوية سيرورة وجودية مصطبغة بالغيبيات. إن اللجوء إلى الأحادية المادية monism هو وحده الذي يستطيع أن يقدم حلاً جدلياً لكل التناقضات التي تأتي على هذه الشاكلة . ففي كل فعل كلامي يذوب النشاط الذهني الذاتي ويتحلل في الواقعة الموضوعية للتحدث الذي اتخذ صيغة وشكلاً ، في حين أن الكلام المتحدث به يصير ذاتياً في فعل الفهم وفك الشيفرة الذي عليه عاجلاً أم آجلا إثارة عملية تشفير جواب ما . نحن نعرف ان كل كلمة تظهر كحلبة مصغرة تتلاقى فيها وتتشابك النبرات المجتمعية المتناقضة في توجهاتها . وتتجلى الكلمة في فم الفرد كنتاج للتفاعل الحي للقوى المجتمعية.
هوامش:
1- معجم مقاييس اللغة لأحمد بن فارس بن زكريا ، بتحقيق وضبط عبد السلام محمد هارون ، ج2 ص 259
2- [النجم: 3-4 ]
3- [آل عمران: 41 ]
4- نايف سلوم: ديوان الأفكار
5-[عينية ابن سينا]، وهبطت إليك تعني: أوحينا إليك!
*تلخيص الفصل الثالث من كتاب ميخائيل باختين: الماركسية وفلسفة اللغة (القضايا الأساسية لتطبيق المنهج الاجتماعي- التاريخي في علم اللغة ) ، ترجمة محمد البكري ويمنى العيد ، الطبعة الأولى 1986 دار توبقال ، الدار البيضاء.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول