حكاية البئر والراعي

دينا سليم حنحن
2020 / 3 / 17

طرفة واقعية من قصص الحرب
تكررت قصص ضحايا الآبار المنتشرة في البيارات وفي القرى المجاورة لمدينة اللد، شهدت وفيات غير مقصودة وحالات قتل متعمدة ومقصودة، استخدم قطّاع الطرق وبعض المجموعات المسلحة الآبار عقابا عندما حاولوا إدارة الحياة الاجتماعية بالقسوة والعنف.
أما اللد، آخر مدينة سقطت بأيدي اليهود بعد معارك حاسمة حصلت بين الطرفين في النكبة، لذلك لقبت بمدينة الصمود.
سوف أسرد هذه الحكاية التي تناقلتها الألسن:
شاهد رجل أحداث الحرب الدائرة في فلسطين وانهيار مدنها واحدة تلو الأخرى فقرر النزوح، تسلل سرا وسار من اللد آخذا وجهته نحو قرية نعلين، لكنه سقط داخل بئر عميقة على الطريق وبقي فيها مدة طويلة.
عثر عليه أحد الرعاة صدفة وساعده في الخروج.
سأل الراعي الرجل بدهشة:
- إنتَ عايش، إوعك تكون جن؟
أجاب الرجل:
- لا تخبر حدا إنك شفتني، خليني أنفد بجلدي بسرعة، بس أعطيني شربة مي الله يخليك!
أجابه الراعي قائلا:
- إذا كنت من الإنس فخليك ولا ترحل، أما إذا كنت من الجن سأغلق عليك البئر بصخره، ما لازمنا فوق الخراب كمان خراب.
- أنا إنسيّ وهارب من الجن! قال الرجل.
- قصدك هارب من اليهود، والله إنهم زي ما قلت، وإلا كيف قدروا يأخذوا أرض فلسطين بهذه السرعة؟ بس طلعوا من بني آدم مثلنا وبمشوا على قدمين!
- يعني بشبهونا وما في إلهم دنب ؟
- لا في دنب ولا إشيء، كلها إشاعات، والله يا خوي إذا بدك الحق، الأذناب طلعت منا وفينا، والدود منو وفيه، لهيك قدر العدو يزت حجارتو علينا!
- إنتَ شو بتحكي يا خوي، أنا مش فاهم منك ولا كلمة! أجاب الرجل.
- غُـب تقولك غب، يا خسارة الحكي فيك، غب كمان غبّـه وخب، الله ييسرلك ويكون معاك! قال الراعي.
- لوين سارح هيك، منك خايف منهم؟ سأله الرجل.
- الأرض واسعة على الراعي والنهار طويل، ما بنقاس الوقت عليه إلا قبل المغيب، خب في طريقك وخليني مع غنماتي سارح، بس، وقف تقولك، ما عاجبني رحيلك، ليش فضينا البلد إلهم هيك؟ لكن إذا نويت عَ الرحيل بتقدر تشرب وتاكل قديش ما بدك من قرية خربة اللوز القريبة ، لتوي جاي أنا من هناك، لسة العنب على قطوفو مايل والتين عَ أغصانو هاطل، بس بدك ما تظل هناك كتير لأن اليهود احتلوها وما ظل فيها ولا رأس عايب، إذا لساك خايف منهم يعني، اهرب، انفد بريشك، واتذكر أن صاحب الحق ملاّك.
اختفى الرجل بلمح البصر، كلما قص الراعي القصة ختمها بالقول:
ما سمع كلامي وأصر على النزوح، خب متل الجمال وما اتطلع لا يمين ولا شمال، ويا عالم شو صار فيه، بتمنى ما تكون لحقتو الذيابة إذا جنى عليه الليل وليّل، عليه العوض، آبار الوعر خدّاعة وقتّالة. الواحد ما بعرف شو مكتوب لو بالهدنيا، هيانا ظلينا هون وعشنا في أرضنا، على كل حال إللي إلو عمر ما بتغلبو شدّه.
الله يسامحو دنيا وآخرة، ترك لهم الأرض وراح، الله يسامحني أنا كمان، طلعتو من البير وما عملت حساب أن النازح ضايع ومفقود.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية