الذاكرة والتاريخ والقيم الأمازيغية في أحداث مقاومة الاستعمار الفرنسي - ذاكرة معركة بوكافر سنة 1933 نموذجا-

لحسن ايت الفقيه
2020 / 3 / 16

كثر انتقاد خطاب الذاكرة من لدن ثلة قليلة من أساتذة التاريخ الذين لا يكلفون أنفسهم عناء البحث في فصل المقال بين الذاكرة والتاريخ من اتصال، ولا يجاهدون أنفسهم في استقصاء الميز بين الصناعتين. ولما كان من الصعب تحديد بعض الخصائص النوعية التي تجعل صناعة الذاكرة تختلف عن صناعة التاريخ، تعذر على الذين لا يمارسون فعل القراءة باستمرار أن يقولوا: هذا للتاريخ وذاك للذاكرة.
تمتد صناعة الذاكرة في المغرب إلى دواعي الاهتمام بها ومميزاتها عن التاريخ، وخاصة التاريخ الراهن. ولقد اهتدت هيئة الإنصاف والمصالحة المغربية إلى جعل الذاكرة إحيائها ركنا ضمن جبر الضرر الجماعي. وما كنا لنعود إلى تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة بما هي وجه العدالة الانتقالية المغربية، مادامت الذاكرة صناعتها غير مشروطة بسنوات الرصاص. قد لا يختلف اثنان حول رسو الذاكرة واستقرارها على قرار مؤلم، لكنها سرعان ما تتحول إلى التعبير عن الأمجاد، لذلك تظل متجلية في وظيفتها، من ذلك، الشعور لدى المواطنين بالانتماء إلى جماعة عرفية تؤمن بالحق والواجب، الشعور الذي يمتد ليرسو في أحضان الهوية الثقافية، كقولك: «نحن أبناء جبال صاغرو المغربية، أبناء قبيلة أيت عطا الأمازيغية، قاوم أجدادنا من أجل مجالنا الوظيفي، فكان تحرير أرضنا بالدم». وكقولك أيضا: «نحن أبناء قبيلة أيت حديدو، بواد أسيف ملول، تمكن أجدادنا من تحقيق الانتصار على المستعمر الفرنسي، في معركة جبل مصطريد سنة 1931، وسلف أن تمكنا من السيطرة على الأرض التي نسكن فيها بالحديد والدم». كلا الموقفين المعبرين عن الشعور، ضمن هوية ثقافية، وانتماء مجالي، عين الذاكرة. ويفيدنا ذلك في الإقرار أن لا ذاكرة تزاور عن الاعتزاز بالانتماء إلى الأرض، ولا ذاكرة لمن يخرج عن التنظيم العرفي للجماعة التي ينتمي إليها. فالإحساس بالانتماء جعل كلا من أيت حديدو وأيت عطا يدافعون عن مجالهم الوظيفي، بما هو يحوي المرعى والمزرعة والمرعى والمحطب، وموارد الماء والكلاء والمجال المعمر بالدور. إن الانتماء إلى الأرض لدى كلتا القبيلتين اللتين استشهدنا بهما يعني إلباس الأرض لباسا إثنيا ثقافيا وذاك ما يسمى بالهوية المجالية، وهي امتداد للهوية الثقافية.
وإنه بالاعتماد على شعور الانتماء، أن كان يلمس في الميدان، أو يستشف من العبارات السائدة في الوسط، أشعار ومختلف التعابير الفنية، نستنتج أن جبال الأطلس الكبير الشرقي المغربية والأطلس الصغير أماكن الذاكرة. وليس من الضروري أن يبنى هذا التقدير على حدث ما أو انتهاك لحقوق الإنسان.
إن ذاكرة الأماكن التي كانت بالأمس ميدانا للمعارك ضد الاحتلال الفرنسي، مصدريد سنة 1931، بوكافر سنة 1933، متصلة بمعارك التحرير، ولا علاقة لها بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. فما حصل أن طالب شعب مُستعمَر مستعمِره باحترام حقوق الإنسان، فالمقاومة لغة غير مسموعة تقول للمستعمر لا مطان لك في هذه الأرض، عليك بالانصراف طوعا أو كرها بالحديد والدم. وما الجبل في حد ذاته إلا تذكارا للشموخ والتحدي، وعنوانا للانتصار والتحرر، فإذا تذكرنا جبال الريف المغربية نتذكر بالضرورة معركة أنوال ضد القوتين الفرنسية والإسبانية، في مطلع عقد العشرينيات من القرن الماضي. ولا تختزل جبال الريف ذاكرة المقاومة ضد الاستعمار الإسباني، فهناك تذكارات أخرى ضمن الأشعار والعبارات الفنية، وإبداع الجماعة الأمازيغية ذات هوية ثقافية ونسق من التقاليد الشفاهية والرموز.
وطالما تحيد الذاكرة عن مواضع الأحداث وما ينشأ حولها من انطباعات وصور وتعابير وتقتحم مجال الوهم. صحيح أن الوهم يتبلور منذ صنع الحدث، ولنتذكر ما ترويه قبيلة أيت حديدو حول المقاوم سيدي ابن أحماد حين خاطب أتباعه قائلا: إنكم تعولون على كرامتي المفترضة لتحقيق الانتصار على المستعمر، وأعول على شجاعتكم المفترضة للغاية ذاته، وكلنا جانب الصواب، وينجر نحو الوهم. فالكرامة ليست إلا وهما صنعه المقاومون. وبالمقابل أنشأ سيدي بن أحماد هالة من وهم الشجاعة حول أتباعه. لكن الوهم الأكبر يستفحل بعد مضي الحدث، كنحو التفسير الخاطئ للطبونيميا، فكان نعت بوكافر الاسم الأمازيغي القح بأبي الكفار. وقد يفيدنا الزيغ الذي يحيق بالذاكرة وجوب الاعتناء بها وإفضاء عناصرها على الوجه.
إن الذاكرة، حينما يغشاها غبار الوهم، تطغى فتلتهم الحقيقة الواقعية. فالوهم يغطي الصواب ويلوثه، كنحو النزوع التلقائي، لطرح السؤال: ما أصل سكان شمال أفريقيا؟ فالسؤال يطرح حينما يصادف الباحث عقدة في الفهم، أو حينما يعترضه إشكال، أو حينما يحب أن يضع فرضية. فالبحث عن الأصل المفترض لسكان شمال أفريقيا يمليه وطر تحقيق الاستيعاب، أي: ربط سكان شمال أفريقيا بالأصل العربي أو الأوروبي.
تضمن برنامج مادة التاريخ في مدارس التعليم الابتدائي بالمغرب، في السبعينيات من القرن الماضي، درسا عنوانه: «سكان المغرب الأولون». نصه «سكان المغرب الأولون هم البربر قدموا من اليمن عن طريق الحبشة ومصر‼». فالهدف من الإقرار بالأصل اليمني تحقيق الاستيعاب، أي: الأصل المشترك للسكان، ووحدة اللغة، ووحدة الدين. وبموازاة ذلك يراد من السؤال المذكور، وقد سلف طرح في الثلاثينيات من القرن الماضي، تبرير الأصل الأوروبي، سؤلا في تبرير استمرار الاستعمار الفرنسي. لقد طرح السؤال بحدة في الثلاثينيات من القرن الماضي أي بعد مرور قرن على استعمار الجزائر ونصف قرن على استعمار تونس. فالسؤال متصل بوطر إدماج الجزائر بفرنسا.
ودون الذهاب بعيدا عن جبال الأطلس المغربية، نلفى بالوسط كهوفا ومغاور كان الجيتوليون الأوائل قد سكنوها، واتخذوها منطلقا لتحرير المغرب من الاستعمار الروماني. لكن الذاكرة المحلية تحب أن تنعت تلك المساكن أنها للبرتغاليين. لقد زاغت الذاكرة، تحت وقع التوجس وثقافة الخوف، إلى أجواء القرنين الخامس عشر والسادس عشر. وصنعت الذاكرة وهما آخر مفاده نسبة موضع قصر زعبل، الذي أشار إليه ليون الأفريقي في كتابه وصف أفريقيا أنه موطن قبائل بني أحس، إلى زعيم فرنسي اسمه، بالباطل، زعبل‼
والذاكرة منظومة من القيم والرموز، وأنماط التفكير والتعبير، لذلك تنطلق من الحدث لتدمجه في الأنساق الثقافية. فما هي القيم التي يمكن استقصاؤها من المقاومة الجبلية بجنوب شرق المغرب؟ وما هي التعابير الواجب توثيقها؟
يمكن حصر أربعة أوعية للقيم اللصيقة بالذاكرة، والمتداخلة فيما بينها، نورد أسماءها بالأمازيغية:
ـ قيمة «تيگورما»: تفيد السلوك المغلف بالتصوف والتبرك والكرامات. وطالما يغلف المقاومون بهذه المواصفات، مولاي أحمد السبعي، سيدي بن أحماد، سيدي محمد العربي الدرقاوي. كرامات يحكيها السكان وتخزن في طيات الذاكرة. قالوا: «أصيب قدي أوزروال برصاصة على مستوى الصرة، اخترقت جسده وخرجت من خلفُ بظهره، وقبض بيده على جرح الرصاصة، ولم يمت وعاش بعد استقلال المغرب‼»
ـ «تيعورما»: تعني الشباب الحامل لقيم الالتزام. وفي الواقع، فالصفة ليست قيمة ثقافية بقدر ما هي شرط من شروط الانخراط في المقاومة.
ـ «تيبيرما»: تعني صفة الجرأة ومواجهة المخاطر. وهي قيمة واجبة في المقاومة,
ـ «تاساست»: إنها الشدة والبسالة، وهي من شروط المقاومة. وطالما يختبر الشاب في بسالته، إن أريد أن تسند له القيادة.
فما العمل إن أردنا أن نكون للذاكرة فاعلين؟
تستدعي الذاكرة جمع التراث الثقافي، أن كان شفاهيا أم كتابيا. ولقد اهتدى اتحاد كتاب المغرب، فرع الرشيدية، إلى جمع التراث الشفاهي وغشي الجمع مواضع الذاكرة بالأطلس الكبير الشرقي وجزء من الأطلس الصغير. صدر المشروع ضمن كتاب سمته «التراث الشفاهي بتافيلالت، الأنماط والمكونات»، سنة 2008، لكنه لم ينزل بساط التسويق في المكتبات إلى غاية شهر دجنبر من سنة 2009 لأسباب ما. ويتكون الكتاب من ثلاثة أجزاء خصص الجزء الثالث للأمازيغية.
وإلى جانب تدوين العبارات، الأشعار والحكايات والأمثال، حسُن الانثناء إلى الاعتناء بالتقاليد الشفاهية. ذلك أن الذاكرة تلمس في المآثر المادية والتقاليد الشفاهية، كطقوس الانتصار والخوف والتحصين، وتستشف أيضا في مظاهر الانغلاق الثقافي والانفتاح. والذاكرة إعمالها منسجم والممارسة المتحفية. هنالك وجب الاستئناس بالندوة الوطنية التي نظمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان يوم السبت 21 من شهر يناير من العام 2012، و22منه بمدينة ورزازات. وباختصار، يتوجب ينع الذاكرة ما يلي:
ـ إحداث جداريات لأسماء شهداء المعركة.
ـ تثبيت يافظات بمواضع الحدث.
ـ إطلاق أسماء المعارك على المؤسسات الاجتماعية.
ـ تكييف الذاكرة لتصبح مادة مصدرية في التاريخ الراهن.
ـ الاعتناء بالممارسة المتحفية وإحداث متاحف تفسيرية تخصص أجزاء منها لمعارك المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي.
ـ الاعتناء بالأرشيف، بإحداث مؤسسات الأرشيف.
ـ جمع صور توثق أحداث الحماية الفرنسية والمقاومة.
ـ إدماج الاعتناء بالذاكرة بأندية التربية على المواطنة وحقوق الإنسان بالمؤسسات التعليمية.
وما الذي يميز الذاكرة عن التاريخ؟
تعتبر الذاتية واحدة من مميزات الذاكرة. فإذا قلت، مثلا: «نحن أبناء جبال صاغرو، ننتمي إلى قبيلة أيت عطا، بجنوب شرق المغرب، حارب أجدادنا المستعمر الفرنسي بغية تحرير أرضنا، جبال صاغرو»، تكون قد عبرت عن موقف ذاتي، وهو عين الذاكرة. وإذا قلت: «واجه المستعمر الفرنسي مقاومة عنيفة في المغرب، من ذلك مقاومة أيت عطا بجبال صاغرو، أهمها معركة بوكافر سنة 1933»، تكون قد صرفت موقفا موضوعيا غير متصل بالذات، أو الأنا. فالذاكرة ذاكرتي، ولك أنت ذاكرتك، وللآخر ذاكرته، لأن من صفتها الملكية والنسبة. ولا يصح أن تنسب التاريخ لنفسك، وتقول إن التاريخ تاريخي، وإن زعمت ذلك فقد لغوت لأن التاريخ عام ولو كان لبعض أحداثه صلة بجماعة معينة أو بطل تاريخي.
وينبغي الاستدراك بالقول، إنه كلما نسب التاريخ لقومية معينة يجوز نعته بالذاكرة التاريخية. وطالما التهمت الذاكرة التاريخ، بعد الحرب العالمية الثانية، وبتنا نسمع شيئا عن تاريخ موريطانيا، وتاريخ بلجيكا. وقد يكون المؤرخ البلجيكي هنري بيرين مؤرخا حينما ألف كتاب «محمد وشارلمان»، وانثنى إلى الذاكرة التاريخية في كتابه «تاريخ بلجيكا».
أريد للذاكرة أن تتصف بالاستمرارية، والامتداد والتغير، وذاك شأنها. فإذا وقفنا عند ذاكرة معركة بوگافر، نصادف أنها حدث يجري تذكره كل سنة، ولقد تأسست جمعية بمركز ألنيف لغاية الحفاظ عن استمرار هذه الذاكرة في الحاضر. واللافت أن الجمعية طرحت في محفل يوم السبت 29 من شهر فبراير من العام 2020، سؤلا حول تنمية المنطقة. ولا أحد ينكر أن منطقة صاغرو تتخبط في أهوال تخلف التنمية، لبروز مؤشرات مخيفة في التعليم والصحة والأمية والزارعة، وتدبير الشأن المحلي. لذلك عرجت الذاكرة وتغيرت فأخذت شعار السياسة السائدة في المغرب، والمتصل بالنموذج التنموي. ويعنينا أنها تطرح السؤال حول مستقبل المنطقة، وذاك هو بيت القصيد. واللافت أنه في محفل الذاكرة بمركز ألنيف في التاريخ المذكور عرجت بنا الذاكرة لنعرج إلى الجذور واستحضار أول وثيقة تؤرخ للتنظيم القبلي، أيت عطا سنة 1409.
إن الذاكرة تيار متدفق يقبل التغيير في شكله وهو آلي ارتدادي في مسارة، يسائل حال المكان ومستقبله، وينبش عواطف الإنسان، ويعري هويته. ولقوة تيار الذاكرة الجارف للعواطف أحيانا، نلفى نزوعها ـ الذاكرةـ نحو النسيان لأنها الماضي في الحاضر. وحسبنا أن فرنسا ذاتها، وما أدراك ما فرنسا؟ تحب أن تتغافل عن تدريس حكومة فيشي، إثر انهزامها أمام ألمانيا النازية، ولم تكف عن التغافل المقصود حتى وقت متأخر. ويجرنا الحديث عن فرنسا لنستحضر حرب التحرير الجزائرية، وهي بالفعل حرب التحرير، لكن ماما فرنسا تعتبر ما حدث جرائم اقترفت ضدها، ولذلك كانت تنعت المقاومين بجبال صاغرو بالمتمردين‼
ذروني أتناول شأن المسكوت عنه في التاريخ لأقول إنه ضمن حقل الذاكرة. وحينما يستفرغ المسكوت، الذي يخفيه جرح الحدث ووجعه، ويفضح يصبح مادة تقبل النخل والتمحيص ليلتقطها المؤرخ. لقد أحسنت هيئة الإنصاف والمصالحة المغربية الصنع بتنظيم جلسات الاستماع لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المغرب، واعتبرت ذلك الصنع ضمن عمل الذاكرة. وجعلت الذاكرة أحد أركان جبر الأضرار الجماعية، في تجربة العدالة الانتقالية المغربية.
إن تمحيص المفضوح ونخله مقدمة لإنشاء الخبر التاريخي الذي يستهوي المؤرخ. فالتاريخ مدعو ليقتات من الذاكرة، والعكس غير صحيح. وتعد المخطوطات قبل تحقيقها ضمن حقل الذاكرة الخصب. وبعد محاججة الحدث وفق مضمون المخطوط، يصير المخطوط واحدا من مصادر التاريخ.
ما علاقة المقاومة الأمازيغية الجبلية بصناعة الذاكرة؟
حينما دخلت الذاكرة صناعتها بساطا غشيته المقاومة المسلحة بالأمس، نشأ وطر قراءة النصوص، واستنطاق المكان، أو الاستماع له، أملا في استقصاء القيم، والانطباعات بعيدا عن ثنائية الذات والموضوع، في الأول. وإنه بالتأمل في النصوص الممكن تناولها، في الحال، مستطرة بأقلام محلية أو أجنبية، أو مقتطفة من روايات شفوية، تبرز قيمتين تفيدان في إحياء الذاكرة، وهما، على سبيل المثال، كالتالي:
ـ حب الأرض وتأسيس القرابة بين الإنسان والأرض.
ـ ري الأرض بدماء تحالف بشري متجانس، في الغالب، في وحدات سوسيومجالية متجانسة، تسع إحياء الذاكرة الجماعية.
وتبقى صناعة الذاكرة مدخلا لتنمية المناطق المهمشة بجنوب شرق المغرب.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار