لاهوت الشر (كورونا نموذجا ً )

منسى موريس
2020 / 3 / 13

مع ظهور هذا الفيروس بدأت عقلية الشرق الأوسط خاصة المتدينون منهم بتأويل المرض عدة تأويلات منهم من يراه أنه مؤامرة غربية وهؤلاء كل شىء يحدث فى العالم يعتبرونه مؤامرة تحاك ضدهم وكأنهم مركز الوجود والكون كله و بلغوا من التقدم والتطور والقوة مرحلة عالية , مرحلة لم تصل إليها البشرية من قبل , لدرجة أن العالم بأسره يحسدهم ويتمنى لهم الخراب والدمار والفناء والشتات , ومن ينظر إلى واقعهم البائس يجدهم لايحتاجون لمؤامرة كي ينزلقوا إلى قاع التخلف والسقوط والإنحدار بل هم فى القاع بفضل أفكارهم وأيدلوجياتهم ويحبون القاع وعندهم المقدرة للبرهنة على أن القاع هو الفردوس ومع ذلك يعتقدون أن كل الدول تغار منهم على فردوسهم المزعوم وتحاول إخراجهم منه كى تلقى بهم فى الجحيم , وليس موضوع هذا المقال نقد تأويل نظرية المؤامرة التى سيطرة على العقل العربى ولكن نقد " لاهوت الشر " ومن المعروف أن اللاهوت هو مبحث الإلهيات والعقائد التى تقترن بالإله وصفاته وعلاقاته مع الإنسان, وهذا اللاهوت أى " لاهوت الشر "سيطر أيضاً على وعينا بحيث أصبحنا نرد كل الشرور من كوارث وأمراض إلى الله ونعتبرها عقاب وشكل من أشكال العدالة الإلهية حتى أصبحنا لا نرى الله إلا فى الدموع والألم والمرض الموات حتى إستحال الله من مصدر للحب والخير والسعادة إلى مصدر للنقمة والعذاب والخراب .
كانت ولا تزال " مشكلة الشر " تشغل بال الفلاسفة والمفكرين من قديم , من قدم الفكر الفلسفى نفسه فعندما بدأ الفكر الفلسفى فى الظهور بدأ يناقش ويحلل مشكلة الشر فى العالم حتى يومنا هذا , فالشر عبر تاريخ الفكر الإنسانى يمثل " حجة المُلحدين وعفريت الفلاسفة "
" عندما خرج " كورونا " من نطاقة الجغرافى " فى " الصين " وأصبح شبه عالمى كانت معظم ردود الأفعال والتأويلات من رجال الدين والناس العاديين مفاداها أن " كورونا" عقاباً إلهياً وهذا التأويل أعتقد فى صحتة رجال دين مسيحيون وغير مسيحيون فضلاً عن ذلك الناس العاديين البسطاء أيضاً , وهذا التأويل يتضمن أن الله غاضب على البشرية بأكملها ويريد معاقبتها ولكن هل كل البشرية بلغت من الشر ما يجعلها تستحق هذا العقاب؟ ألايوجد أناساً طيبون مؤمنون لا يستحقون هذا العقاب؟
ونبدأ بتحليل ونقد " لاهوت الشر "
أولاً : أدلتهم فى تبرير " لاهوت الشر " يقولون أن الله فى العهد القديم قام بمعاقبة بعض الشعوب بالأمراض والكوراث جراء سلوكهم الشرير فكل كارثة تعم فى العالم بالطبع ستكون عقاب كما حدث فى العهد القديم , لكن هؤلاء لم ينتبهوا إلى أن هذه كانت مواقف محدده وخاصة بزمكان وتاريخ معين وليست عامة فى كل العصور والأزمنة ولاتمثل إرادة الله النهائية فالكتاب المقدس واضح من هذه الناحية ويقول فى (رسالة يعقوب 1: 13) لا يقل أحد إذا جرب: «إني أجرب من قبل الله»، لأن الله غير مجرب بالشرور، وهو لا يجرب أحدا)
فاللإرادة الإلهية ليست من طبيعتها تجريب البشر بالشر بل طبيعة الله هى " الحب " فلايمكننا أن نقول " الله محبة " وفى نفس الوقت ننسب كل هذه الشرور التى تنال من الأبرياء والضعفاء والمساكين إلى " الخالق مصدر الحب " .

ثانيا ً : النموذج الغير علمى : فى القديم قبل ظهور العقل الفلسفى والعلمى كانت الأسطورة تمثل طريقة تفكير الإنسان فالإنسان لم يكن يُفكر بطريقة عقلية تحليلية وكان يرد كل شىء للآلهه فعندما يرى الشر الموجود فى الطبيعة من رعد وبرق وجفاف ومرض وموت للنباتات يفسر كل هذه الأمور على أساس أنها عقاب وغضب من الآلهه وعندما كان يرى العكس تماماً من رخاء و إزدهار وصحة ووفرة يفسر هذا على أساس أن الآلهه راضية عنه وتحبة وتكافئة , للأسف لم نتخلص من هذه النظرة التى تحدد علاقتنا بالله على أسس مادية بحتة منذ أيام أسلافنا القدامى .
فالفكر الدينى اليوم يتبنى نفس التصور والنموذج القديم للعالم فهو لايرد الظواهر الطبيعية إلى أصولها العلمية لكن يردها إلى سبب " ميتافيزيقى " كى يضفى على إيمانه معنى ما من المعانى ليست المشكلة فقط فى هذا بل ينسبون الشر إلى الله ويتجاهلون كل ما هو طبيعبى فى الوجود فكيف نفهم العالم فى ظل هذا التصور الخاطئ؟ كيف يمكن للعقل العلمى أن يعمل ويتقدم إلى الأمام فى ظل هذا النموذج الغير علمى ؟ بالطبع لن يتقدم أبداً مادام كل شىء نعتبره عقوبه إلهية فيكون واجب المرء التسليم للعدالة والقبول بكل كارثة ومصيبة , وكل محاولة لتحجيم وتقليص والقضاء على هذا الشر ستكون محاولة ضد إرادة الله وقضائه وإذا تم القضاء على المصيبة بفضل الجهود العلمية يقولون الله هو السبب وخفف عن البشرية العقاب؟ !.
ثالثاً : صورة إلهية مشوهة . أصحاب " لاهوت الشر " لايرون الله فى الجمال بل فى القبح والصراخ والعويل والزلازل والأعاصير والفيروسات والأوبئة , إن إلههم لايظهر فى القضاء على الألم بل فى نشره , رغم أن السيد المسيح كرس حياته على الأرض لتخفيف ألم الإنسان ولم يكن " يبرر الشرور " بل " يعالجها " كان يجول ويصنع خيراً فمن أين لهؤلاء بناء "لاهوت " مثل هذا لاهوت يقضى على كل ملمح جميل من ملامح الصورة الإلهية ؟ كيف يتحول هذا الإله من هذه الصورة إلى صورة المنتقم الذى لا يعبأ ولايهتم بمعناه الأطفال والمحتاجين والمكلومين ؟
أى عدالة هذه إذا كانت هذه عدالة فما تعريف الظلم والجريمة والشر إذن ؟
كيف يمكن أن نثق فى هذا الإله الذى ينشر الأوبئة والشذوذات الكونية ثم نطلق عليه " المحب الحكيم " ؟
هذا اللاهوت لايمكن أن يقودنا إلى صورة صحيحة عن الإله بل صورة قاتمة سوداء معتمه لانور فيها ولاحياه , هؤلاء يعتقدون أنهم يقدمون خدمة لله وللوحى ولكن لايعلمون أن لاهوتهم هذا يقدم أكبر خدمة للملحدون واللادينيون وكل فكرة تقوض الوجود الإلهى.

رابعاً : مفهومهم عن العدالة لايوجد شىء فيه من العدالة . عندا تظهر أى مصيبة كونية فى رقعة معينة من الأرض عوض أن يقدموا مساعدات لإخوانهم من البشر يقدمون اللعنات والشتائم , يقولون أن هذا عقاباً لأن هؤلاء الناس أشراراً , دائماً يرون المنكوبين المصابون أشراراً عصاه خطاه , ويعتبرون أنفسهم أنقياء أولياء قديسون وإذا نالهم نصيب من هذه المصيبة الكونية لايصمتون لكن يبررون ويقولون أن هذا إبتلاء وإختبار من الله لنا لانه يحبنا ؟! كيف يمكن أن نلصق مفهومهم الممسوخ المهترء عن العداله ونخلعه على الله؟ كيف يمكن أن نلصق هذا المفهوم النفسانى المتعالى المغرور عن العدالة ونقول أن الله أيضاً يتبنى نفس مفهومهم عن العدالة أليس هذا جريمة فى حق الإله مصدر العداله الحقيقية التى تتسم بالحب والرحمة والغفران ؟
خامساً : الشعور بالقيمة . الشعوب التى تفتقد الشعور بالقيمة لعدم مشاركتها فى تقدم وتطور البشرية من الناحية العملية الواقعية وبسبب تخلفها العلمى والثقافى يكون مركزها بين الشعوب ليس له قيمة فتبدأ بصناعة قيم " ميتافيزيقية " لإنفسها وكأن الإله يعمل لصالحها وينفذ عدله فى الأرض لأجلها ويفضلها على البشرية بأكملها نظراً لأنهم يعتقدون أن قيمهم الأخلاقية أفضل من باقى شعوب الأرض , وكأن كل شعوب العالم شريرة وهم فقط أصحاب القيم المتعالية الإلهية , وإذا حلت كارثة للبشرية فهذا لأن البشرية فاسدة وإذا حلت بهم أيضاً نفس الكارثة فيعتقدون بسبب أخلاقياتهم المتعالية وقيمهم الدينية القوية والله يختبرهم لأنه يحبهم ويفضلهم عن البشرية جمعاء
فى النهاية جوهر المسيحية يتعارض مع هذا الفكر لأن المسيح يقول فى(إنجيل يوحنا 10: 10) السارق لا يأتي إلا ليسرق ويذبح ويهلك، وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل)
فرسالة المسيح هى رسالة الحياة والخير وليست رسالة الموت والفناء .