سيرورة ظاهرة الاختفاء القسري بالمغرب

عبد السلام أديب
2020 / 3 / 11

يمكن تقسيم مراحل ممارسة الدولة للاختفاء القسري في المغرب الى ستة مراحل، تتمثل الأولى في الفترة الانتقالية التي تلت مباشرة ابرام اتفاقية الاستقلال الشكلي والتي اتسمت بتصفية انوية المقاومة كالهلال الأسود وجيش التحرير والمعارضة الريفية المتمردة (1956 – 1960)، ثم مرحلة الستينات والتي انطلقت مع انقلاب ابيض على حكومة عبد الله إبراهيم وضد التوافق السابق ومحاولة تصفية المعارضة الاتحادية والمعارضة الشعبية (1960 – 1970). ثم مرحلة السبعينيات التي طبعت بالمعارضة الماركسية اللينينية ومحاولات النظام اجتثات هذه المعارضة وكل الأشكال الأخرى للمعارضة (1970 – 1980). ثم مرحلة الثمانينات وهي المرحلة التي اشتد فيها الصراع الطبقي نتيجة تعمق الأزمتين الاقتصادية والسياسية وحيث تعمقت ظاهرة الاختفاء القسري (1980 – 1990). ثم مرحلة التسعينيات حيث شكلت مرحلة تراجع واضحة للدولة عن ممارسة الاختفاء القسري بسبب مرض الملك الحسن الثاني وتحضير انتقال الحكم الى ولي العهد (1990 – 2000). ثم أخيرا مرحلة العقد الأول من الألفية الثالثة والتي اتسمت بخطاب سياسي يحاول الإيحاء بطي صفحة الماضي لكن مع ممارسة الاختفاء القسري بشكل قوي سواء في مواجهة الحركة السياسية الإسلامية أو المعارضة اليسارية أو الناشطين الصحراويين.

تخللت هذه المراحل الستة انتفاضات شعبية عنيفة سنوات 1965 و1981 و1984 و1990 وهي انتفاضات حدثت نتيجة تعمق الأزمات الاقتصادية والسياسية والتي أدت الى إحداث الآلاف من القتلى وحالات الاختفاء القسري بالاضافة الى الاعتقالات وحالات التعذيب الوحشية. ورغم اخماد جدوة الانتفاضات الشعبية الكبرى عبر التفاف الأحزاب والمركزيات النقابية وتواطؤها، الا أن الاحتجاجات "المتوحشة" (المقصود هنا الانتفاضات العفوية المنفلتة من الهيمنة الحزبية والنقابية) ضلت مشتعلة خاصة في المناطق المهمشة كالريف وجرادة ووارزازات وزاكورة ... والتي ستعاني هي الأخرى من الاختطافات والتعذيب وقرون من الاحكام السجنية.

إذن فأصل الممارسة المكثفة للاختفاء القسري في المغرب يعود الى محاولة القصر تثبيت حكمه على حساب تصفية حركة المقاومة وجيش التحرير الرافضة للاستقلال الشكلي من جهة أولى ثم من جهة ثانية الاستناد على البرجوازية التقليدية المساندة للقصر لتصفية الجناح الليبرالي من هذه البرجوازية التي كانت تتطلع الى حكم ديمقراطي يسود فيها الملك ولا يحكم، ثم من جهة ثالثة اجتثات المعارضة الماركسية اللينينية الثورية المعبرة على صوت الكادحين المستغلين النازحين من البوادي الى المدن. ولبلوغ هذه النتائج كان القصر يخول سلطات واسعة لاجهزة المخابرات والبوليس والجنرالات وهي الأجهزة التي مارست قمعا بوليسيا أسودا لمختلف أشكال المعارضة والتي ذهب ضحيتها الآلاف من الأبرياء، كما ساهمت في حركتين انقلابيتين فاشلتين سنتي 1971 و1972.

لقد كان الانقلاب الأبيض الذي باشره الحسن الثاني وهو لايزال وليا للعهد على حكومة الاتحادي عبد الله ابراهيم سنة 1960 يشكل أحد خلفيات الاختيار الثوري الذي اعتمده المؤتمر الثاني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1962 والذي كان يقوده المعارض المغربي الذي سيتم اختطافه وتصفيته في سرية تامة سنة 1965 المهدي بنبركة. وقد شكل هذا الاختيار بداية انطلاق ممارسات قمعية قوية للاجهزة البوليسية والمخابراتية لهذا الحزب الذي كان يحض بشعبية واسعة ويهدد بواسطة الإضرابات النقابية الواسعة شرعية النظام. فشكلت فترة الستينات بذلك مرحلة سوداء من الاختطاف والإعدامات السرية طالت الحركة الاتحادية ومجموعة شيخ العرب التي كانت ترفض الاستسلام لتوافقات الاستقلال الشكلي.

كما أن ردود الفعل الشعبية على اشتداد الاستغلال والغلاء والبطالة وحدوث العديد من الاختلاسات ونهب الأراضي المسترجعة من المعمرين والجرائم الاقتصادية داخل القطاع العمومي والإدارة والتي كانت الحركة الماركسية اللينينية المغربية الناشئة وراء فضحها وتنظيم المقاومة الشعبية ضدها. إضافة الى استغلال اجنحة من داخل الجيش ظروف تعمق الأزمة الاقتصادية والسياسية وتحلل المجتمع للقيام بمحاولتين انقلابيتين فاشلتين سنتي 1971 و1972. وقد شكل كل ذلك ذريعة أساسية لامعان النظام في ممارسة الاختفاء القسري والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

خلفيات مرحلة التراجع والاعتراف والمعالجة

شكل الهجوم العنيف للنظام السياسي القائم بالمغرب على كل أشكال المعارضة اليسارية التي كانت تقاوم جرائمه الاقتصادية والسياسية فراغا في الساحة السياسية المغربية وحيث لجئت الاقلية اليسارية خارج السجون والتي لم تتعرض للاختفاء القسري، إلى النضال الحقوقي عبر تأسيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان سنة 1979 والعمل على مواجهة النظام بمنظومة حقوق الإنسان الكونية التي يدعي احترامه لها. ومن جملة ما قام به النظام لاجتثاث المعارضة الماركسية اللينينية العمل على الغاء تدريس الفلسفة وعلم الاجتماع من المدارس والجامعات لتدجين العقل المغربي حتى يتوقف تغذية المد اليساري المتصاعد وتم تعويض ذلك بتقوية الفكر والفلسفة الإسلاميتين ومنظومة الحلال والحرام والتكفير، لتعميق الجهل والتخلف الشعبي. وقد شكل الفراغ الحاصل وتكريس تدريس الفكر الإسلامي أرضية خصبة لتقوية الحركات الإسلامية بشكل خجول أولا خلال عقد الثمانينات ثم بشكل قوي خلال عقد التسعينات. وأمام هذا المد الإسلامي السياسي الجديد سيشحد النظام وسائله القانونية عبر اعتماد قانون الإرهاب لمواجهة المد الأصولي وكذا المعارضة الماركسية اللينينية الجذرية خاصة داخل الجامعات فتبدأ سلسلة جديدة من الاختفاء القسري والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان خاصة منذ سنة 2003، ثم منذ انطلاق ما يسمى تغليطا بالربيع العربي سنة 2011.

لقد شكل مرض الحسن الثاني وتطلعه لضمان انتقال سلس للسلطة إلى خلفه ومراهنته على تناوب توافقي مع المعارضة الاتحادية خلال محطة اولى سنة 1992 لم تنجح ومحطة ثانية سنة 1998 نجحت في توريط هذه المعارضة في السلطة، أحد أسباب تراجع مؤقت للنظام عن ممارسات الاختفاء القسري وعن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان خلال عقد التسعينات وحيث لم تسجل خلال هذا العقد أية اختفاءات قسرية ما عدا الممارسات القمعية الشائعة ضد الحركات الاحتجاجية والمعطلين حاملي الشهادات وضد الانتفاضات الشعبية المحلية "المتوحشة" بسبب تدهور أوضاعها المعيشية والفقر والتهميش أو التزوير الانتخابي. كما كان هناك مناخ حقوقي عالمي ساعد على تراجع النظام قليلا عن ممارساته السابقة.

وفي ظل هذا المناخ الجديد تم الإفراج عن العديد من المعتقلين السياسيين اليساريين لعقدي السبعينات والثمانينات، سنتي 1991 و1994 كما تم إنشاء المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان للالتفاف على الحركة الحقوقية المطالبة بالكشف عن انتهاكات الماضي ومصير المختفين ومحاسبة الجلادين عن ممارسات الاختفاء القسري والقتل والتعذيب وبالتالي تقديم تعويضات لبعض عائلات الضحايا التي اختارت هذه الصيغة من الحلول الجزئية.

ورغم المطالب الحقوقية للجمعية المغربية لحقوق الإنسان بمحاكمة الجلادين والمسؤولين عن انتهاكات الماضي وتقديمها للائحة أولية مكونة من 45 شخصية سنة 2000 حيث ظلت هذه الشخصيات تتحمل مهام كبرى في اجهزة الدولة، إلا أن هذه الأخيرة رفضت بل وحاولت إخراس صوت الجمعية عبر القمع القوي. والمنع من تنظيم الأنشطة ورفض تسليم وصولات إيداع مكاتبها المحلية.

كما رفضت الدولة تقديم الاعتذار لضحايا الاختفاء القسري والتي تقدمت بها الحركة الحقوقية كدليل على حسن نية الدولة وعدم عودتها لممارسات الماضي.

ورغم تأسيس هيئة الانصاف والمصالحة الرامية إلى طي صفحة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان سنة 2004 والتي لم تدم سوى سنة ونصف، الا انها حصرت فترة هذه الانتهاكات في مرحلة 1960 – 1999 وهي فترة حكم الحسن الثاني. وأغفلت التطرق للعديد من الحالات المتعلقة بتصفية حركة المقاومة وجيش التحرير وأحداث اوكوفيون في الصحراء وأحداث الريف سنة 1958. ولم تتطرق للانتهاكات الجسيمة الجديدة التي انطلقت سنة 2003 ولا زالت مستمرة لحد الآن.

الاستمرارية في ظل خطاب التراجع

إذن فالنظام السياسي أصبح يلعب على حبلين، حيث أنه من جهة يحاول طي صفحة ما يسمى بسنوات الرصاص التي سادت خلال عهد الحسن الثاني، ومن جهة ثانية يزاول نفس ممارسات وانتهاكات الماضي ضد المعارضة الإسلامية واليسارية والناشطين الصحراويين خصوصا منذ سن قانون الإرهاب على خلفية أحداث الدار البيضاء سنة 2003. وتعميق الانتهاكات الجسيمة اتجاه الحراك الشعبي بالريف وضد مطالب ارامل وايتام عمال مناجم جرادة وخاصة عمال الساندريات العشوائية.

كخلاصة عامة شكل النضال الحقوقي في المغرب إحدى واجهات النضال ضد الاختفاء القسري والخروقات الجسيمة لحقوق الإنسان، إلا أن المدافعين عن حقوق الإنسان لا زالوا يتعرضون للقمع ومضايقات السلطات العمومية.

ولا زالت الحركة الحقوقية تطالب الى اليوم بتنفيذ كافة توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة للحد من عودة ممارسات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. كما تطالب بمحاسبة المسؤولين عن الاختفاء القسري والكشف عن مصير جميع المختفين. ومن بين أهم مطالب الحركة الحقوقية تصديق الدولة المغربية على اتفاقية تحريم الاختفاء القسري.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي