الإمبريالية الإستعمارية و حركات التحرر الوطنى (الحلقة الثامنة)

عمرو إمام عمر
2020 / 3 / 10

البورجوازية و الإستعمار

مدخل
للتعرف على أهداف الموجات الاستعمارية البورجوازية الأوروبية للعالم يجب أولا أن نتعرف أحد الميادين المهمة فى عالم السياسة و هى الجغرافيا السياسية و الأقتصادية ، فالجغرافيا بصورة عامة هى دراسة المعلومات و المحددات الخاصة بتوزيع و تنظيم المظاهر الطبيعية و البشرية على سطح الأرض ، و دراسة علاقات و تفاعلات النشاط البشرى و التوزيع السكانى و النمط المناخى ، أما الجغرافيا الاقتصادية فالتحولات بها تتبع التطورات التكنولوجيا التى يمر بها الجنس البشرى على الأرض ، فبسبب تطور وسائل الأتصال و المواصلات اصبح العالم الذى نعيش فيه ينكمش مكانياً ، و ترتب على ذلك قصر الزمن الذى يستغرقه الإنتقال من مكان إلى آخر ، و مع دخولنا عصر ثورة المعلومات أصبح ما يحدث فى أى منطقة فى العالم له صداه فى مناطق آخرى ، كذلك هذا التطور أسفر عن ربط العالم بشبكة تبادل تجارى تزداد كثافة يوما بعد آخر ، كذلك التخصص الأنتاجى فى أقاليم معينة و هو أحد روافد التقدم الصناعى و التكنولوجى أعطى دولا ميزة أستراتيجية على المستوى الأقتصادى و السياسى ، تطور كبير حدث فى علم الجغرافيا الأقتصادية التى أوكشت أن تكون علما مستقلا بذاته عن الجغرافيا الطبيعية و الجغرافيا البشرية ، و قد أهتم العلماء السوفيت بالجغرافيا الأقتصادية و تميزوا بإدماج موضوعات الجغرافيا البشرية على أعتبار إن إن النشاط الأقتصادى عامل ضرورى لفهم و تحليل الظواهر السكانية و العمرانية و التنظيمات السياسية على سطح الأرض ، فالجغرافيا الأقتصادية تمثل فى مجالها العام كافة اشكال إقامة الحياة و مشكلاتها ، فهى تدرس كل ما هو مرتبط بحصول الإنسان على الغذاء و ضرورات الحياة و كماليتها من أجل إشباع حاجة السكان الحياتية أو خاصتهم الطبقية ...

على هذا فإن الجغرافيا الأقتصادية تسعى فى دراستها إلى تنظيم و تحليل المعلومات الخاصة بالنقاط التالية : -
1) استخدام الإنسان لمصادر الثروة الطبيعة
2) إنتاج السلع فى كافة اشكالها
3) عمليات النقل المختلفة للسلع المنتجة إلى اسواق الأستهلاك
4) الخدمات و التجارة مثل الأعمال البنكية و التمويل كعنصر متحكم فى عمليات استخدام الأرض و الأستهلاك

الدولة القومية و الموجة الإستعمارية الأولى
أدت الكشوف الجغرافية فى جنوب و شرق آسيا ، و السواحل الأفريقية إلى نظرة الطبقة البورجوازية الجديدة للتوسع خارج القارة خاصة مع تنامى التجارة مع تلك المناطق فضلا عن الأراضى الجديدة – الأمريكتين - ليبدأ عصر أمبراطوريات وراء البحار ، و التى بسببها عرفت أوروبا ما اطلق عليه ”المبدأ التجارى“ Mercantile System …

تأسس هذا المبدأ على اساس إن الثروة هى القوة ، و إن الذهب يستطيع شراء أى شىء فهو المقياس الحقيقى لثروة و قوة البلاد ، و من ثم يجب على الدول تصدير أكثر ما يمكن من السلع و استيراد أقل ما يمكن من سلع البلدان الأخرى ، كذلك يجب أن تحتكر الدولة تجارة المستعمرات و تحتكر سفنها نقل البضائع ، و لا ينبغى على المستعمرة أن تنتج أو تبيع ما تنتجه الدولة المستعمرة ، ظل هذا المبدأ هو اساس سياسات الدول القومية الإستعمارية حتى أواخر القرن الثامن عشر …

ساهمت الطبقة البورجوازية الصاعدة فى نشأة الدول القومية الجديدة و إن كانت حافظت على النظم الملكية ، فالبورجوازية رأت إن التخلص من الطبقة الارستقراطية الإقطاعية لا يعنى بالضرورة القضاء على الحكم الملكى ، فقط أرادت أن تأخذ لها مكان داخل المنظومة و أن تزيح الطبقة الأرستقراطية لتحتل مرتبة أدنى منها ، كما استغلت البورجوازية دوافع العزة و التعصب القومى لصالح أطماعها التى كانت أساس الحروب الأوروبية فى إيطاليا التى اشرت إليها فى الحلقة السابقة ، و عندما إنتهت تلك الحروب بلا منتصر حقيقى بدأ الأهتمام بالتوسع فيما وراء البحار ، فالنشاط الأقتصادى الذى كانت تمارسه تلك الطبقة هو التجارة ، لذا فهى فى حاجة دائما إلى منتجات و أسواق تلك هى الأسباب التى حملت خطوات حركة الكشوف الجغرافية ثم حركة الإستعمار …

لذا فإن نظرية العنصر المتفوق الشمالى و شعوب الجنوب المتخلفة كما يدعى بعض المحللين البورجوازيين أنها السبب الرئيسى للحركة الإستعمارية ليست دقيقة أو بالأحرى غير صحيحة ، لكن السبب الحقيقى هو التطور الذى حدث للطبقة البورجوازية و تصاعد قوتها و رغبتها فى تملك مزيد من الثروات كان هو العامل الأساسى لتحولها إلى مرحلة الإستعمار ، و يتضح ذلك إذا تتبعنا حركة التجارة الأوروبية سنجدها مواكبة للموجات الإستعمارية ، فقد كانت أوروبا خلال العصور الوسطى فى حالة أكتفاء ذاتى إلا من بعض السلع نظرا لعدم صلاحية المناخ لزراعتها مثل القطن و التوابل التى كانت من أهم السلع فى تلك الفترة فقد كان يتم استخدامها لحفظ اللحوم المذبوحة فى فصل الشتاء و جعلها مقبولة الطعم ، و كان المصدر الوحيد لتلك التوابل هى جزر الهند الشرقية …

خلال العصر التجارى أحتكرت البورجوازية الأيطالية و معها البورجوازية العربية هذه التجارة فحركة النقل كانت إما من خلال الخليج العربى ثم نقلها إلى الموانى السورية عن طريق البر أو من خلال البحر الأحمر و منه إلى النيل ثم إلى الاسكندرية و دمياط و من هنا جاء الصراع الذى أخذ لباسا دينيا ، فالبورجوازيات الأوروبية الأخرى أرادت الأستيلاء على تلك التجارة التى تبيض ذهبا كل يوم ، لتبدأ كل من البورجوازية الأسبانية و البرتغالية فى البحث عن طريق يلتف حول أفريقيا للوصول إلى جزر الهنـد الشرقية لتجنب المرور بالأراضى العربية ، أستخدمت البورجوازية الأوروبية فى هذا الصراع التجارى العامل الدينى لشحذ همم العامة و يتضح ذلك فى خطاب البوكريرك الذى ألقاه على جنوده فى ملقا Malacca ”إن إبعاد العرب عن تجارة التوابل هو الوسيلة التى نرجو منها إضعاف قوة الإسلام“ ، فى هذا الخطاب تتضح مهارة البورجوازية فى المزج ما بين مصالحها الخاصة و العامل الدينى ، فالحديث فقط عن انهاء احتكار العرب لتجارة التوابل لن يلهب الحماس إلا فى صدور التجار أصحاب المصلحة الحقيقية ، أما شعار إضعاف الإسلام لنصرة الصليب فأنه يشعل حماس العامة و الدهماء و استغلال العاطفة الدينية لديهم …

فى تلك الفترة ما بين أعوام 1500 و 1800 ميلادياً كانت المركانتيلية هى المذهب الأقتصادى السائد الذى يعبر عن المجتمعات الأوروبية الحديثة و هى التى مكنت الدولة القومية الحديثة التى ظهرت فى أعقاب القرون الوسطى لتحقيق وحدتها و قوتها ؛ إلا إن تلك الدولة تختلف تماما فى نظامها عن الممالك القديمة ، فهى أمتازت بسلطة مركزية و إدارة متعددة المهام و جيوش و اساطيل مما أستلزم ذلك أموال طائلة ، و كان الحصول على تلك الأموال أهم مشكلات الدول ، فالمال يعنى القدرة على تعبئة الجيوش و اعدادها ، لذا فإن أغنى الدول كانت من ثم أقواها ، و تستطيع بقدرتها المالية على حشد الجيوش و الأساطيل أن تحكم العالم …

كما أحدث أكتشاف القارة الأمريكية و مناجم الذهب فى بيرو ، و إنتقال التجارة من البحر المتوسط و بحر البلطيق إلى المحيط الأطلنطى تغيرا كبيرا فى نمو البورجوازية بكل من اسبانيا ، البرتغال ، هولندا ، و أنجلترا ، و بما إن الذهب و الفضة كانوا مقياس الثورة فى تلك الفترة فقد ذهبت آراء الأقتصاديين إن أساس القوة الأقتصادية يحسب بقدر ما تحتفظ به الدولة فى خزائنها من الذهب و الفضة ، و لكى يكون للدولة فائض من تلك المعادن النفيسة يجب أن يكون ميزانها التجارى فى صالحها ، أى ان تزيد من صادرتها و تقلل من الواردات و بناء على ذلك قامت السياسة الأقتصادية الأوروبية على الآتى : -
1) فرض ضرائب عالية على الواردات الصناعية و تشجيع إنتاجها محليا ، بما يقتضيه ذلك من تدخل الدولة.
2) الأهتمام بالتجراة الخارجية ، و تفضيلها على التجارة المحلية و نقل الأرباح دائما إلى الوطن الأم.
3) الأهتمام بالفتوح الإستعمارية لأحتكار التجارة ، و أجتلاب كبر قدر من الربح.
4) فرض القيود على تصدير المعادن النفيسة
5) الأهتمام بأستغلال المناجم داخل الدولة لأستخراج الذهب و الفضة
6) الأتجاه على الحصول على ممتلكات فى الخارج بها مناجم ذهب و فضة
7) توفير أسطول تجارى كبير لخدمة هذه السياسة ، العمل على أعتماد البلاد التى تسورد بضائع أوروبية على هذا الأسطول.
8) استخدام جهود الدولة و تدخلها و نفوذها لتحقيق هذه الأغراض

من كل ما سبق نجد إن السياسة الأقتصادية الأوروببية لم تكن تعمل لصالح مجمل شعوبها و لكن لصالح الطبقة البورجوازية التى وجدت فى الدولة الوطنية المركزية أداتها للحصول على مزيد من الثروات ، فجيوش الدولة تستطيع حماية تجارتها ، و من خلال قوتها السياسية و الدبلوماسية تستطيع فتح اسواق جديدة ، كذلك السيطرة على مصادر المواد الأولية اللازمة للتصنيع ، فى نفس الوقت كانت الدولة المركزية فى حاجة دائما إلى الأموال التى كانت متوفرة مع الطبقة البورجوازية خاصة مع إنتشار أنظمة المصارف المالية و التى سيطر عليها شريحة هامة من البورجوازية و كانت مهمتهم الأولى اقراض الدولة بما تحتاجه من أموال و فى المقابل كانت الدولة تحمى مصالح تلك الطبقة و تعمل عليها …

من هنا سنجد إن التطور الذى حدث للتنظيم الاقتصادى المالى هو نتيجة لصعود الطبقة البورجوازية و أطماعها الدائمة ، كذلك التطور العلمى ، كذلك سنجد إن الأقتصاد المالى الرأسمالى وثيق الأرتباط بالتركيبة الأجتماعية فهو يحدد هيكلية الؤسسات و العلاقات المالية فيما بينها ، و بهذا يؤثر بشكل مباشر على أنماط الأنتاج و وسائل النقل ، مما يتيح له التأثير على شكل العلاقات الأجتماعية و الكثافة السكانية و توزيعاتها داخل الدولة و مستوى الدخل للأفراد و قدرتهم الأستهلاكية ، فالمجتمع فى النظم الرأسمالية خاضع للعملية الأساسية للنظام و هى تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح لصالح المؤسسات ، و هذه الأرباح تنتج عن الفوارق بين مجموع تكاليف الأستثمار من جهة – كاستهلاك رأس المال الموظف فى البدأ و التكاليف السنوية للصيانة و تجديد و تحديث أدوات الإنتاج ، بالإضافة إلى كلفة المواد الأولية و الأجور و الطاقة – و من جهة أخرى مجموع المبيعات …

إلا إن البيع مرتبط بالقدرة على الشراء لدى المستهلكين المرتبطة بأجور العاملين كافة القطاعات الأقتصادية و الخدمية ، فى نفس الوقت من مردودات النظام الرأسمالى إن المؤسسات الكبيرة التى تجنى أكبر الأرباح تزيح المؤسسات الأصغر من السوق إما بإلغائها أو بابتلاعها ، فهذا التطور الطبيعى لعمل السوق الرأسمالى يؤدى إلى التناقص المستمر لعدد المؤسسات ، و مع ذلك فإن عملية إنشاء المؤسسات لا تتوقف ، لكن فى المقابل تنكمش قدرة النظام على إستيعاب العمالة المتوفرة نظرا للتنافس الشديد بين المؤسسات و رغبتها الدائمة فى تخفيض الكلفة الإنتاجية و تعظيم الربح ، فيجعلها دائما راغبة فى تطوير العملية الانتاجية للتخلص من العمالة البشرية فهم أكثر كلفة من الآلة …

كذلك فإن هذا التطور يجعل الأسواق غير كافية و صغيرة على إستيعاب الإنتاج مما أوجد ظاهرة زيادة أو فائض الإنتاج ”الركود الأقتصادى“ ، مما أوجد صراع اقتصادى / سياسى بين الدول الرأسمالية ظهر جلياً من القرن السابع عشر للحصول على مناطق نفوذ تشكل أسواقا واسعة لمنتاجاتها و يتضح هذا الصراع فى الفترة ما بين 1880 إلى 1900 ، بدأ هذا الصراع داخل القارة الأوروبية الذى تطور و أنتج عنه الحرب العالمية الأولى و التى كانت من ضمن نتائجها تقسيم مناطق النفوذ العالمية بين الدول المنتصرة ، فنمو الصناعة الأوروبية لا يمكن فصله عن سياسة التوسع الإستعمارى ، و يتضح هذا فى الأمبراطورية البريطانية التى كانت بمثابة نموذج للسياسة الأقتصادية الأستعمارية و التى حاولت الكثير من الدول الأوروبية المضى على نفس خطاها ، فالمبدأ الأساسى التى سارت عليه البورجوازية الأوروبية لتنظيم السوق هو تركيز عملية التصنيع فى الوطن الأم بأوروبا ، و السيطرة على مناطق إنتاج المواد الأولية ، فى نفس الوقت تكون تكون المستعمرات و مناطق النفوذ بمثابة السوق الموسع للمنتجات بجانب الأسواق المحلية ، هذا المبدأ قسم العالم إلى قسمين ، الأول هو قسم البلدان الصناعية الأمبريالية أوروبا الغربية ، و القسم الثانى هى المستعمرات المشكلة من مجموعة البلدان التى لم تتطور بها أنماط الإنتاج لتواكب ما وصلت إليه أوروبا و لم تتبلور فيها الدولة القومية المركزية فى كثير منها مما ساعد الدول الأوروبية على السيطرة عليها اقتصاديا و سياسيا و انتهت بالأستعمار السياسى ، و من هنا نجد إن العالم أنقسم قسم يمثل البلدان الصناعية الأستعمارية فى أوروبا الغربية ، و قسم يمثل المستعمرات السياسية و الأستيطانية …

المستعمرات السياسية المستثمرة
تمثل المستعمرات المستثمرة الدول ذات السكان الأصليين إلا أنها لا تمتلك تراكيب اقتصادية و أجتماعية و سياسية متقدمة مثل أوروبا ، تقدم تلك المستعمرات المواد الخام الزراعية و المنجمية إلى البلد المستعمر ، كذلك تمثل السوق المكملة لسوقها المحلية بالرغم من محدودية القدرة الشرائية لشعوب تلك المستعمرات ، لذا يتم صناعة منتجات بكميات كبيرة مخفضة السعر لصالح بلدان تلك المستعمرات حتى تظل ماكينة الأنتاج الرأسمالية مستمرة ، و قد عملت الدول المستعمرة على الأستثمار فى تحسين وسائل الرى و اقامة المزارع الكبيرة و الطرق و المواصلات و من أكبر الأمثلة فى ذلك أهتمام الأمبراطورية البريطانية بتطوير أنظمة الرى فى مصر و هناك دراسات أوضحت عن كيفية أستعباد مصر من خلال مشروعات الرى ، كذلك تجهيز الموانى و المدن الساحلية ، إلا إن كل تلك الأستثمارات و إن تمتع بها سكان المستعمرات جزئيا إلا أنها فى الغالب لم تكن إلا لمصلحة رؤس أموال الدول الأوروبية الاستعمارية ، بل كان فى الغالب تنشأ موانى لم يكن للمواطن المحلى أو رأس المال المحلى حق استخدامها كما حدث فى الهند ، أو يتم فرض السيطرة الأدارية و المالية عليها و من أشهر الأمثلة على ذلك قناة السويس فى مصر …

هذا التنظيم الأقتصادى الأستعمارى أخذ الصفة الشبه القانونية فى الحياة السياسية الدولية فى تلك الفترة و لا نستطيع القول أنها قانونية لوجود عامل القوة و لصدوره من قبل طرف واحد ، كان هذا المبدأ بمثابة المرحلة الأولى و التى أنتهت مع أوائل القرن العشرين ، لتبدأ مرحلة جديد من منتصف القرن و التى شهدت نمو الروح القومية فى دول المستعمرات السياسية ، و اصبح الصراع أكثر تحديدا ، فالأسبقية للتوسع الأقتصادى ازاحت التوسع السياسى الأستعمارى و الذى مثل من خلال القسر الطابع القانونى ، و يتمثل هذا فى علاقة الولايات المتحدة الأمريكية حاليا مع بلدان النفط الخليجية و بعض بلدان أوروبا الغربية و الشرقية ، و جنوب شرق آسيا ، و فرض ضغوط سياسية و اقتصادية متواصلة على البلدان التى تملك تاريخ فى حركة التحرر القومى مثل مصر و سوريا و الجزائر خوفا من صعود تلك الحركات مرة أخرى و لتأمين المصالح الأقتصادية للولايات المتحدة ، لذا فإن الجوهر الاستعمارى أصبح لا يعنى للأستعمار السياسى أهمية كبيرة فهو من خلال الأقتصاد و تحكمه فى العلاقات الأقتصادية بين الدول يستطيع فرض قوته السياسية عليها و أصبج هذا النموذج يمثل المرحلة الثانية و التى أطلق عليها الأمبريالية و هذا ما عبر عنه فلاديمير لينين بقوله ”إن نموذج هذا العصر ليس فقط مجموعتى البلدان الرئيسيتين المستعمرة و المستعمرة ، و إنما ايضا اشكال البلدان التابعة المستقلة سياسيا شكلاً ، لأنها فى واقع الحال محاطة بشبكة من التبعية المالية و السياسية“1 ، و بالتالى فرض الأستعمار الأستثمارى زيادة التفاوت فى التطور التقنى و الأقتصادى بين الدول الصناعية و الغير صناعية ، و التى أصبحت تمون أوروبا فقط بالمواد الخام لصناعتها و تشترى منها فائض الأنتاج الذى لا تمتصه الأسواق الأوروبية ، و الأقتصاد الأستثمارى يفرض على الدول المستعمرة الحفاظ على التركيبة الأجتماعية القديمة القائمة على أقتصاد و ثقافة ريفية – زراعية ، و بالتالى فإن كل تطور أجتماعى يدفع بطبقة مسيطرة جديدة تملك شعارات تحرر وطنى تطالب بمكتسابات أقتصادية يعرض هذا النظام إلى الخطر …

المستعمرات الأستيطانية
تختلف المستعمرات الأستيطانية فى تطورها عن المستعمرات السياسية أو المستثمرة و التى تمثل كل من الولايات المتحدة الأمريكية ، استراليا ، جنوب أفريقيا ، البرازيل ، الأرجنتين ، و كندا ، جزء من تلك الدول تطورت بما يحاكى التطور الأوروبى ، أى نحو نموذج أقتصاد صناعى متنوع عالى التقنية ، و زراعة مرتفعة الإنتاجية و توظيف للمنتجات إلى الأسواق العالمية ، تأتى الولايات المتحدة على قمة تلك المجموعة و بعدها كل من أستراليا و كندا ، أما جنوب أفريقيا فكان لها طابع خاصا نظرا لأزدواجية العرق السكانى و الذى تضمن عنصر التمييز العرقى التوحشى ، أما المجموعة الثانية فأكثرها تمثيلا الأرجنتين و البرازيل ، لم تستطع أن تلحق بالمجموعة الأولى بسبب عدم قدرتها على تأمين الأموال اللازمة لبناء أقتصاد و مجتمع متطور بدون العون الخارجى و بالتالى خضعت لقانون المستعمرات السكانية القديمة الأنجلوسكسونية ، كذلك لا يمكن أغفال ظروف استثنائية ساعدت على تطور أقتصادى للولايات المتحدة الأمريكية كالأراضى الشاسعة المجانية و مصادر الطاقة المتنوعة و الوفيرة بالأضافة إلى قوة العمل المتجددة المهاجرة من أوروبا إليها و التى كانت تحمل معها الخبرات المتراكمة و التى أمنت للمؤسسات الرأسمالية تجدد مستمر لقوة العمل الأمر الذى أدى ألى خفض كلفة الأنتاج ، فالتقنية الأمريكية هى ثمرة عقود عدة من البحث العلمى فى أوروبا ، و قد أدت كل من الحرب العالمية الأولى و الثانية إلى أنعدام لمنتجات الأوروبية و خراب شبه كلى للمؤسسات ،و إلى نزيف للتراكمات المالية للكومنولث البريطانى و أوروبا الغربية بشكل عام ، أنتهى كل هذا إلى جعل الأقتصاد الأمريكى أقوى اقتصاد راسمالى فى العالم …

بالرغم من كل هذا إلا أن الأقتصاد الرأسمالى الامريكى العملاق قد أهتز هزات كبيرة كان فيها على حافة الأنهيار الكامل ، فبالرغم من قوة السوق المحلية الواسعة النطاق إلا أن الأقتصاد الأمريكى فى حاجة ماسة إلى بيع جزء كبير من إنتاجه إلى الخارج دون شراء مقابل (أكرر دون شراء مقابل) نظرا لحجم الإنتاج لضخم ، و قد كانت أزمة الأنهيار المالى فى وول ستريت و التى أدت إلى بطالة أكثر من 14 مليون إنسان ، كانت تلك الأزمة بمثابة الدرس القاسى للرأسمالية الأمريكية جعلها تنتبه لمؤشرات أحتقان الأقتصاد الدورية و قد وجدت إن الحل لتلافى تلك الأزمة هو فى إنتاج السلاح و بيعه ، و إن صناعة الحرب يجب هى القلعة الحامية للرأسمالية الأمريكية ، لذا فلم يكن غريبا أن نعرف أن الممول الرئيسى للنازية الألمانية كانت الشركات الأمريكية بكافة أنواعها بدأ من شركات الأعمال الميكانيكية كشركة آى بى أم – IBM – أو حتى شركات تصنيع المشروبات الغازية و التى أنتجت مشروب خاص يحمل شعارات النازية الألمانية مثل مشروب ميراندا الشهير ، أو شركات صناعة السيارات و الطائرات كشركة جنرال موتورز و التى قامت بتأسيس الصناعة العسكرية الألمانية فى فترة قبل الحرب مما مكن أدولف هتلر فى تجهيز جيش غزا به أوروبا فى فترة زمنية قصيرة على الرغم أن المانيا كانت محاصرة أقتصاديا بعد الحرب العالمية الأولى و لم يكن مسموحا لشركات الصناعات العسكرية العمل بها أو بيع أنتاجها إلا بعد موافقة الدول المنتصرة فى تلك الحرب …

أيضا من العوامل المؤثرة الأنقاب الجيوماتيكى ببروز أهمية المحيط الأطلنطى ، فقد أزيح المحيط المتوسطى من صدارة المشهد السياسى و ضاعت أهمية البحار الداخلية و برزت أهمية البحار المحيطية ، و كما أشرت فى مقال سابق من تلك السلسلة أصبحت الدول التى تطل على المحيط لها ميزة كبرى و تجنى حصادها الثرى …

من كل هذا يتضح إن تحول البورجوازية من صراعها الداخلى مع الارستقراطية الأقطاعية لم يكن إلا بداية لسلسلة من الصراعات القادمة ، كما أنها أستغلت نمو الشعور القومى لدى الشعوب لمصالحهاالخاصة ، و هذا ما سنتعرف عليه مع الثورات الأوروبية التى تعتبر مهد الحركة القومية ليس فقط فى القارة و لكن فى العالم …



_____________________________________

المصادر
* محمد رياض ، كوثر عبد الرسول الجغرافيا الأقتصاديةو جغرافيا الإنتاج الحيوى ، مؤسسة هنداوى للتعليم و الثقافة ، الطبعة الرابعة 2012
* د. عاطف علبى ، الجغرافيا الأقتصادية و السياسية و السكانية و الجيوبولتيكيا ، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع – بيروت – الطبعة الأولى 1989
* د. جمال حمدان ، أستراتيجية الأستعمار و التحرير ، دار الشروق ، الطبعة الأولى 1983
* د. نزور الدين حاطوم ، تاريخ الحركات القومية (الجزء الأول– يقظة القوميات الأوروبية) ، دار الفكر الطبعة الثانية 1979
* جون كينيث جالبرت ، تاريخ الفكر الأقتصادى ، ترجمة أحمد فؤاد بلبع ، سلسلة عالم المعرفة العدد 261 سبتمبر 2000
* محمد قاسم ، حسين حسنى ، تاريخ القرن التاسع عشر فى أوروبا منذ عهد الثورة الفرنسية حتى نهاية الحرب العظمى ، مطبعة دار الكتب المصرية ، الطبعة السادسة 1929
* فلاديمير لينين ، المختارات ، المجلد الرابع 1915/1908 ، ترجمة الياس شاهين ، دار التقدم موسكو 1978

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول