لا مفر من مواجهة الحقيقة - مهما كانت مؤلمة و قاسية…

أحمد إدريس
2020 / 3 / 9

"الحقيقة مهما كانت مؤلمة أفضل كثيراً من الوهم. و الجراح تبرأ بعد حين، أما الإستمرار في تجاهل الحقيقة فلا عائد له في النهاية إلاَّ الضياع." (عبد الوهاب مُطاوِع)


يا معشر مَن تُعرفون في دنيا بني البشر تحت إسم المسلمون، و أنا مِنكم و بقلبي و روحي و فكري مَعكم، لا مفر لنا جميعاً مِن مواجهة حقيقة مُرة بدون لفٍ أو دَوَران : دينُنا غدا و صار بُعبُعاً بسبب الذين حَوَّلُوه إلى ماكينة لإنتاج مجرمين و مباركين للجريمة لا يتحرَّجون من إعلانها عملاً صالحاً مُتميِّزاً بإسم هذا الدين. هذا الأخير في الحقيقة هو أَوَّلُ ضحية لهؤلاء. هو منهم براء لأن القرآن الكريم يَعتبِر إزهاقَ نفس واحدة بدون وجه حق كقتل الناس جميعاً. يَجِب علينا التسليم بما يلي : الإرهاب لا دين له إطلاقاً. الإرهاب يبدأ فكراً أُحادياً متطرِّفاً إستئصالياً في الرأس، و يتحوَّل هذا الفكر في النهاية إلى سُلوكٍ على الأرض…

توضيح لا بُد منه : خطأ و ادِّعاء باطل تماماً الزعمُ و إيهام الناس أن التطرُّف و الإرهابَ هما حكر على دين دون غيره أو أيديولوجية مُعيَّنة، كما لا يُمكن إغفال أو التغاضي عن كل ما يُسهم في نشأتِهما و تغذيتِهما من عوامل داخلية نفسية و أخرى ظرفية خارجية.

بالمناسبة التطرف الديني أو السياسي هو اليوم آخذ في الإنتشار شرقاً و غرباً و ليس ميزة حصريَّة لهذه الأمة و هو أحدُ أخطر تحدِّيات العصر… و لن يكفي الحل الأمني في مواجهة هذا التحدي : لأن التطرف فكر و اعتقاد و تصوُّرات ذهنية، قبل أن يصير أفعالاً و سُلوكيَّات على الأرض.

مشكلة صاحب هذا النوع من "الفكر" هي أنه لا يُعطي لعقله فرصة. عقله عاجز عن تقبُّل رأي مُختلف أو مجرَّد النظر فيه، إذ ليس عنده أدنى فضول أو تشوُّق إلى معرفة الجديد. هو غير قادر على التخلي عن أفكاره و آرائه حتى لو بدا خطؤها أو ضَرَرُها و صار أوضح من الشمس في رابعة النهار. صاحب مثل هذا الفكر، مِن حيث لا يشعر، ينتحِل ﻭﻇﻴﻔﺔ إله البشر : يُحاوِل أن يلعب دور الله ! ما كان لِيَقع في هذه المتاهة الخطيرة رغم سخافتها، لو كان حريصاً على لَعِب دوره في الحياة كإنسان.

أمتنا مريضة للغاية و علينا ألاَّ نغفل أو ننسى أن في جسدها مُضغة، إذا صلَحَتْ صلح كِيانها كله، و إذا فسَدَتْ فسد كِيانها كله، يقيناً و دون أدنى شك فهمُها و تصوُّرها العام للدين هو هذه المُضغة.

إننا بِحاجة مُلحة إلى وقفة طويلة و صادقة مع النفس، تُتيح لنا أن نستيقظ و نُفكر بِجِدِّية لِنَجد الحل الصحيح. بحاجة إلى مراجعة حقيقية و جادة على قدْرٍ كبير مِن الشفافية و المصارحة. أُمتُنا مأزومة جداً بل هي مريضة و كَأَيِّ مريض فإنها في حاجة إلى علاج. و بديهي تماماً أن العلاج الناجع لأي مرض لا يتحقق إلاَّ بعد تشخيص جيد لهذا المرض. التشخيص الجيد نصف العلاج. أجَلْ يلزمنا العلاج الذي يُقوِّي جسد هذه الأمة و يُعطيه مناعة دائمة و يحفظ له إنضِباطه، تماسُكَه و ترابُطه و تناسُقه، و يضمن له الوِقاية من العودة إلى المرض أي يُبعد عنه شبح الفوضى و عدم الإستقرار.

"يا مسلمون، استرِدوا دينكم بالوعي الحقيقي و بالإنسانية الحقة." (عدنان إبراهيم)

أرى أن وَصفة علاج الأمراض المُتعدِّدة و المُزمِنة التي تعاني منها هذه الأمة، يَجِب أن يتصدرها تمجيدُ و إشاعة و تفعيلُ ثقافة اللاَّعُنف و التسامح و المحبة. نريد ثقافة لا تُمجِّد الموت بل الحياة بكافة مظاهرها، نريد ثقافة خالية من بَث الكراهية الطائفية أو الدينية.

و هنا لا أجد مناصاً مِن الإعتراف بأن الأمة المحسوبة على الإسلام، تكفيرية جميعُها و بِرُمتِها لأنها - و هي العالة على غيرها ـ تصِم كل مَن سواها بلفظ الكفار، و تُبشر بَرَّهُم و فاجرَهم بالإنتقال مِن عناء هذه الدنيا إلى شقاء الأبد : للأسف أمة صار عندها عبادةً و قُربى إلى الله القدحُ و الطعنُ ليل نهار في الأمم الأخرى. لو يطَّلِع الكثيرون من مختلف الأجناس و المجتمعات على ما هو منشور في بعض ﺍﻟﻤَﻭﺍﻗﻊ الإلكترونية، و بِكُتب توصف بالإسلامية بينما هي مسمومة و مملوءة كراهية و عداوة تُجاه غالِبية عباد الله، فإنني لا أستبعِد أن ترتفع أصوات تُنادي بِطردنا من هذه الأرض و نَفيِنا إلى كَوْكب آخر خارج المجرة ! لسنا مركز الكون و جلِي تماماً أننا ـ منذ عقود بل قرون ـ لسنا أفضل أُمة على وجه الأرض. الأمة تمشي على رأسها و الفسادُ قد عم أرجاءَها و طال كل شيء فيها، و مع ذلك فهي لا تكُف عن إعطاء دروس في الأخلاق لِغَيْرها من الأمم.

إستعلاء ديني ممجوج و زائد على اللُّزوم، يصحبُه لدى نِسبة ليست هينة في أوساطنا فكر عِدائي مُنغلق إقصائي - الذي في نهاية المطاف يُؤدي بالبعض إلى الإرهاب و العنف الدموي -، تلك سِمَتُنا و شارتُنا اليوم بين أمم الأرض. فلقد رأينا من بعض الحاملين لراية الإسلام العَجب فَهُم يمارسون أفظع أنواع الشر، و مع ذلك لا يبدو من خلال تصرفاتهم أنهم يعرفون شيئاً إسمه أَلَمُ أو وَخْز الضمير. لقد نسوا أن المسلم الحق لا يمكن إلاَّ أنْ يسعى في هذه الحياة ليكون رحمة للعالَمين. يعتبرون ما يمارسونه خدمة جليلة يُقدمونها لأمة لم تطلُب منهم شيئاً و هي في غِنى عنهم لِتحيا وَفق التعاليم الحقة للإسلام. شر هؤلاء لم يتوقَّف بل تفاقم لأنه لا رادع إطلاقاً للقوم. تراهم يُعربدون بلا هوادة و لا يكاد يُفارق ألسنتَهم لفظُ الجلالة - و لسنا ندري أي إله يعبد مَن آدمِيتُه هي مَوْضِعُ تساؤل و ريبة. قوم تمردوا على هدايات السماء، داسوا جميع أعراف سكان الأرض بعد أن أداروا ظهورَهم لأقدس تعليمات الله، و ذلك بهدف الذَّوْد عن الإسلام ! غاية هذا الأخير هي تحبيب الخالق إلى خلقه و ما هكذا تتحقق هذه الغاية. هذا ما رسَّخه في أذهانهم المُتحجِّرة المُغلَقة فكر ظلامي حَوَّلهم في النهاية إلى وحوش في هيئة بشر…

هؤلاء المسعورون الذين يعتدون على كرامة الإنسان و لا تُظهر تصرُّفاتُهم أي احترام للحياة، أكيداً هم خير حليف لِمَن يسعون بِمكر لِرَبط ديننا بالإرهاب، و قد نجحوا في الواقع فصار هذا الأخير ميزة للإسلام لا فِكاك له منها و كأنه عدو لدود للحياة. نجحوا بسبب أشرار و فُجار نبذوا كل المبادئ التي يُعلي شأنَها الدين و التي يُمليها العقل و الحِس السليم و احترامُ الآخرين. لقد نجحت بِبَساطة قوى تسعى للسيطرة على البشر كافة في ترويضهم و توظيفهم من أجل تحقيق مصالحها و خدمةِ أهدافها و تنفيذ مشاريعها. و هم الآن مُنهمِكون في تدمير بُلدانهم على نَحْوٍ مُمَنهجٍ بسبب عملية البرمجة و غسل الدماغ الجماعي التي حَوَّلتهُم إلى مُرتزِقة أوفياء للعدو…

و من ناحية أخرى أُؤكد أني لست غافلاً عن حقيقة المصدر الحقيقي لمعظم ما يُدرج تحت عبارة الإرهاب الدولي… "و إن كان مَكْرُهم لِتَزولَ مِنه الجبال" : هذا المقطع من القرآن يقصد أرباب التّآمُر و الغدر و البغيِ الساعين لِلسَّيطرة على الناس، سواءً كانوا مُنتمين صورِياً لِدين ما أم لا فالعِبرة فقط بالمُمارسات الواقعية في عالَم الناس. أربابُ التآمُر الذين أشرتُ إليهم هم دون أدنى ريب مُهندِسو ما يُسمى الإرهاب الدولي و رُعاته الكبار - أغلبُ بل كل العمليات الإرهابية التي طالت في السنوات الأخيرة بلداناً غربية عديدة مشبوهةُ المصدر.

صحيح جداً أن الخطر الأكبر و التهديد الأعظم يَكمُن في تآمُر العرب على أنفسهم، هذا يحصل باستمرار، إلاَّ أنه من الضروري أن أقول شيئاً في غاية الأهمية بِشأن التآمُر الخارجي عليهم : التآمُر الذي تتعرَّض له الأمة من طرف أعدائها التقليديين لا يُمكن نفيُه بأي حال، هو أمر مألوف و إن كانت هناك محطة تاريخية فاصلة في مُسلسل المكائد الخارجية ألا و هي حادثة سبتمبر الشهيرة - الأحرار الواعون في الغرب دحضوا تماماً و نسفوا روايتها الرسمية و أغبياء الشرق لا زالوا يعتقدون بأكذوبة القرن -، التآمُر علينا إذاً حقيقة لا سبيل إلى إنكارها إلاَّ من المُنخرطين فيه بشكل أو بآخر. و هنا أنا أقصد على وجه التحديد "النخبة" التي لا تُطيق سماع كلمة مؤامرة.

"التاريخ ليس مؤامرة، لكن المؤامرات جزء مِن التاريخ." (محيي الدين عميمور)

هذا الكلام لن يُعجب خصوم "نظرية المؤامرة" و لهؤلاء أقول بدون مواربة : لا يستنكر أو يستفظع مصطلح المؤامرة، إلاَّ الضالعون و المنتفعون من المؤامرة. يُضاف إليهم بعض مُغيَّبي الوعي، و ما أكثرهم في بلاد العرب اليوم : يُعْزى ذلك بالدرجة الأولى إلى انحسار القراءة الرصينة الجادة المُمحِّصة المتأنِّية و المنفتِحة الموضوعية المُقارِنة بين ظَهْرَانَيْ هؤلاء بشكل رهيب و مذهل في الفترات الأخيرة، مِما جعل القنوات الفضائية تصبح المرجع الذي يصوغ الرؤية الجماعية و العاملَ الأبرز في صناعة الرأي و التوَجُّه الفكري و السياسي للأغلبية الساحقة من أبناء الأمة العربية. فللأسف يبدو أن غالبية أفراد هذه الأمة بما فيهم المُثقَّفين لا يُدرِكون من الأمور إلاَّ قشورها.

لستُ مهووساً بتلك النظرية و لكني أيضاً لستُ بالذي يُغمض ناظِرَتَيْه أمام الحقائق… لا عجب إذن إن رأينا في كل بلاد الدنيا فيالِق عُملاء و أذناب و وُكلاء القوى المُتسلِّطة على رقاب العباد بالكذب و المكر و الإرهاب، من سياسيين و اقتصاديين و أصحاب مصالح و إعلاميين و جامعيين، يُحذرون باستمرار و بشدة و بإلحاح المُواطنين المخدوعين المُنَوَّمين من "التفسير المؤامرتي" للأحداث الهائلة و الغريبة التي أوصلتنا إلى حالة تُنذر حقاً بِشَر مستطير، و هُمْ بكل تأكيد مُحِقون و مشكورون أيضاً على هذا التَّوجيه السديد، إذ لا هَمَّ و لا شُغل لِزُعماء و كُبراء العالَم سوى السعي لإيجاد مخرج للإنسانية من المأزق الذي تتخبط فيه و إنقاذِها من خطر الإرهاب : بالطبع هذا كذب و ضحك على العباد.

و فيما يتعلَّق بالحادثة المذكورة لا بُد من السعي الحثيث لِفتح مِلفها من جديد، إذ أصبح واجباً حتمياً علينا تعريةُ الأسطورة المُؤسِّسة للسياسة الدولية منذ حوالي عقدين و فضحُ صانعي الإرهاب و حاضني الإرهاب الحقيقيين في هذا العالَم و هم أصحابُ الأجندات التي لا تَمُت بأية صلة للديمقراطية و لا إلى القيم الإنسانية، حتى لا يستمر استعباد و إذلالُ أمتنا و العدوانُ المُتكرر عليها إلى يوم الدين.

قطعاً الخطر الأكبر يَكمُن في تآمر العرب على بعضهم البعض و هذه الأمة أشد بأساً على نفسها من ألدِّ أعدائها. أعداءُ أمتنا الساذجة اكتفوا بالضغط على زِر يعرفون جيداً أنه نقطةُ ضعفها الأبرز، تلك الخاصِّية التي سَتُودي بنا إلى هلاكٍ أكيدٍ مُحقَّق إن لم تُضبَط بلجام العقل، و هي الإنجراف المُفرِط مع العواطف و الإنسياق بسهولة مُلفتة وراء تجار الأوهام. هؤلاء القوم لهم عقول و استعمالُها يُمكِّنهم من تخطي و تجاوُزِ خلافاتهم و التعامل معها بأسلوب ذكي و بالتالي غيرِ همجي بَيْنما خلافاتُنا نحن سَيْطرت علينا و أنهكتنا و أوهنتنا و جعلتنا أشتاتاً ضائعة. لقد نجحت قوى الظلام و التآمر على البشر ببساطة غريبة في إيقاعنا في فخ رهيب، و يَحِق للعالَم بأسره أن يرى فينا معـشر العرب أغبى مَن في الأرض على الإطلاق. فبينما نحن غارقون في التناحُر و الشِّقاق و التقاتُل فيما بيننا دون انقطاع، هي ماضية بخطى سريعة نحو تحقيق حلمها المنشود و هدفها النهائي، و هو بَسطُ و فرضُ سيطرة كاملة مطلقة شاملة على كافة سكان الأرض.

هل نُخب الأمة و لا سِيَّما رجال الفكر و مشايخ الدين غيرُ مدركة لخطورة و أبعاد ما يجري، هل بقي فيها مَن لم يَعِ بَعْدُ أن الأمور تَتِم وَفق خطَّة مدبَّرة قد اتضحت معالمُها لِكُل ذي بصر ؟ بالطبع أحداث جِسام و تجري على المِنْوَال الذي نرى و نشهد أستبعِدُ أن تكون وليدة صدفة تاريخية عابرة، كان هذا واضحاً بِما فيه الكفاية مُنذ البدء، لِذوي الوعي اليَقِظ النافذ و القلب المُتحرر مِن الأهواء و المصالح الهابطة التي عادة ما تُعطِّل ضمائر الناس، و لأصحاب البصيرة الروحانية الشفَّافة. الدُّوَل التي اجتاحها ما سُمي اعتباطاً بالربيع العربي، هي اليوم تغُص بِسماسِرة و مُحترفي صناعة الفوضى و الخراب ؛ لأن أمنها القومي تمَّ اختراقُه بِصورة مَهولة، و باتت مرتعاً لِجماعات الشر و الجريمة المنظمة و لِكافة مخابرات العالَم. في الحقيقة لقد بلغ السَّيْل الزُّبى : الأمة اليوم هي في حالة تعيسة جداً و مُقرِفة للغاية أيضاً فأبناؤُها منشغلون بتدمير بل إبادة بعضهم البعض بأسلحة يُوَفِّرُها المستفيدون مِن اقتِتَالهم الدامي و تُسدِّد ثمنَها دول ثرِية محسوبة على الأمة. إنه تدمير و إفساد بل نَسْف مِن الأساس لِحاضر و مستقبل هذه الأمة - الضائعة الهائمة - و مع ذلك ما زال البعض يتحدَّث و بلا خجل عن ربيع مبارك للأمة.

أوطاننا العربية المكلومة الحزينة عَطْشى إلى أمطار الحب، الأرض كُلها من شرقها إلى غربها ظَمْأى إلى أمطار الحب. البشرية الآن تَقِف في مُفترق طُرُق و سلوكُها الجماعي أصبح يُهدِّد بِمَحوِها من الكون، فُقدانُها البُوصلة أَوْصَلها إلى مُنعطف خطير للغاية، منطق المسؤولية التاريخية يَسْتَوْجِب علينا إذاً أن نسمع بسرعة نداء بل صرخة الكون : إصطلحوا مع الحب، قبل أن يفوت الأوان…


"خلاص الإنسان أن يذوب في الإنسانية جمعاء. أن يُضمِّدَ جراحه بتضميد جراح الآخرين، يُكفْكِفَ دموعه بمسح دموع الآخرين. هذا، في نهاية المطاف، هو الحب الحقيقي : أن تُحِب الخالق و تحب الخليقة." (غازي القصيبي)



https://www.facebook.com/ahmed.dris.528/posts/151071002741692


---------------------------------------


(مَن عنده رغبة جادَّة و صادقة في إنقاذ أمتنا المسكينة، مِن عُمق آلامي أدعوه إلى الإسهام في نشر هذه المقالة).