أزمة سد النهضة: رؤية الأحزاب والخبراء

محمد السعدنى
2020 / 3 / 7

"إذا انخفض منسوب النهر
فليهرع كل الجنود ولا يعودون
إلا بعد تحرير النيل مما يقيد جريانه".
عبارة منقوشة على جدران مقياس النيل بالمنيل،
شكلت كلماتها عقيدة المصريين، ولعلها الرسالة الخالدة لأقدم دولة عرفها التاريخ، فالدولة المصرية قامت بالأساس للحفاظ على حدود مصر وجغرافيتها، ولتنظيم تدفقات النهر الخالد وتصريف أعمال الرى والزراعة والعمران والحضارة حول ضفافة. وهذا ما دفع "هيرودوت" المؤرخ الإغريقى اليونانى ليطلق من مقدونيا القديمة مقولته الشهيرة "مصر هبة النيل". والنيل اليوم أصبح مهدداً فى تدفقه، ومصر كلها مهددة فى وجودها قبل مصالح شعبها بسبب تعنت الإثيوبيين وإصرارهم على حرمان المصريين من شريان حياتهم، وإذا كانت إثيوبيا ترى فى مياه النيل هدفاً للتنمية، فلا ينبغى أن تتعامى عن أنه بالنسبة لمصر قضية حياة أو موت، والفارق هنا كبير.
والتعنت الإثيوبى والتسويف والمماطلة والضرب بالقانون الدولى والمعاهدات الدولية بشأن استخدامات الأنهار فى غير أغراض الملاحة وتجاوز الحقوق التاريخة المصرية والسودانية فى مياه النيل كدول مصب، كلها أعمال صبغت التصرفات الإثيوبية على مدار المفاوضات التى استمرت لأكثر من سبع سنوات، وصولاً لتنصلها من التوقيع على ماتوصلت إليه جلسات المفاوضات الأخيرة فى واشنطون وإصرارها على العودة إلى المربع صفر، فإنما تشير من طرف واضح على نيتها الإضرار بمصر حتى لو تحدت كل الأعراف الدولية وتجاوزت كل المحاولات السلمية. ولم يعد مقبولاً أن يستخدم النظام الحاكم فى إثيوبيا الإضرار الجسيم بالمصالح المصرية فى ورقة الانتخابات الداخلية، أو محاولات حل التناقضات العرقية والإثنية والقبلية فى المجتمع الإثيوبى، أو غيرها من إيعاذات لتحالفات دولية صاحبة مصلحة بالإضرار بمصر وتعطيل مسيرتها وتهديد استقرارها ورهن قرارها، دون رد مصرى حاسم وواضح. ولقد مارست مصر سياسة ضبط النفس والصبر الطويل وتقديم حسن النوايا، ما فضح السياسات والتصرفات الإثيوبية وكشف سوء نوايا حكومتها، ما يمهد لمصر أمام العالم أن تضع كل الخيارات على الطاولة. من هنا جاء تأكيد وزارتا الخارجية والموارد المائية والري المصريتين، رفضهما التام لما ورد في البيان الإثيوبي من إشارة إلى اعتزام إثيوبيا المضي في ملء خزان سد النهضة، على التوازي مع الأعمال الانشائية للسد، وهو ما ينطوي على مخالفة صريحة للقانون والأعراف الدولية وكذلك لاتفاق إعلان المبادئ المبرم في ٢٣ مارس ٢٠١٥ والذي نص فى المادة الخامسة على ضرورة الاتفاق على قواعد ملء وتشغيل السد قبل البدء فى الملء، وهو الاتفاق الذي وقعته إثيوبيا ويفرض عليها الالتزام باجراءات محددة لتأكيد عدم الإضرار بدول المصب.
فى إجتماع دعى له "حزب المحافظين" فى أعقاب رفض أثيوبيا التوقيع على مخرجات اجتماعات واشنطون الثلاثاء الماضى، وفى حضور الخبراء ونواب برلمانيون وأساتذة الجامعات والقانونيون وقيادات حزب المحافظين وقيادات عمالية دولية وإعلاميين وباحثين، شارك فيه رؤساء أحزاب الإصلاح والتنمية والكرامة والعدل، قدم فيه د. هانى رسلان ملخصاً لمفاوضات وإشكاليات سد النهضة، وما توصل إليه المفاوض المصرى من نتائج عرت الدعاوى الإثيوبية وكشفت سوء نيتها، وقدم الحاضرون رؤيتهم لمبادرات لازمة ومحاور حركة عاجلة يتوجب القيام بها.
ولعل رئيس حزب المحافظين "أكمل قرطام" لخصها فى كلمته فى نقاط محددة: أولها أن هذا الاجتماع لا يتوجه بالنقاش لمسار المفاوضات السابقة وماذا كان يتوجب عمله، بقدر إعلان استعدادنا للمشاركة الإيجابية والشعبية مع الحكومة في تحديد ومساندة اختيار المسارات المستقبلية انطلاقا من دورنا الوطنى. ثانيها دعوة كل الأحزاب السياسية موالاة ومعارضة وكل القوى الوطنية والشعبية للمشاركة فى تجييش كل القدرات والتحركات محلياً ودولياً على كل المسارات القانونية والبرلمانية ومخاطبة المنظمات الدولية، الإتحاد الأفريقى ومجلس الأمن والسفراء الأجانب داخل مصر، وسفاراتنا فى الخارج لتحذير المجتمع الدولى من كافة المخاطر المحتملة نتيجة تعنت إثيوبيا ومخالفتها للقانون الدولى، مع شرح كيف يمكن لقلة موارد مصر المائية ان تؤدي إلى هلاك قطاعات كبيرة من الشعب المصري، ثالثها التوجه للاتحاد الأوروبي للتدخل المباشر بقوة بناء على مخرجات واشنطن، ليكون شريكا ومساندا لمصر فى قضيتها العادلة من حيث حقها التاريخي فى مياه النيل شريان الحياة للمصريين وبما يحفظ الاستقرار في المنطقة والعالم، فأى قلاقل أوعدم استقرار في مصر سيؤدي الي طوفان من الهجرة غير الشرعية لأوروبا، ومصر كان لها دور كبير حتى الآن في إيقاف الهجرة غير الشرعية وحفظ الاستقرار في المنطقة خصوصاً أنها تستضيف إعدادا كبيرا من اللاجئين، رابعاً أن تمهد الإدارة المصرية لدور أكبر للمجتمع المدنى وقوى مصر الناعمة بأداء دورها المؤثر داخل وخارج مصر كورقة ضغط، خامساً ضرورة إلغاء إعلان المبادئ الموقع في ٢٠١٥، خاصة أنه لم يُعرض على البرلمان، وبدى أنه يقيد مصر ولا تعتد به إثيوبيا. سادساً أن الأحزاب المجتمعة والحضور يدعمون وبموقف وطنى موحد كل الخيارات التى ستكون مطروحة على مائدة القيادة السياسية فى حال الوصول لطريق مسدود مع الجانب الاثيوبى.
وفى هذا مايؤكد إصطفاف كل القوى المصرية والوطنية أمام ما يفرض على الوطن من تحديات.