نطاق الرقابة الدستورية في ضوء أحكام القضاء الدستوري العراقي

سالم روضان الموسوي
2020 / 3 / 7

نطاق الرقابة الدستورية

في ضوء أحكام القضاء الدستوري العراقي

إن مفهوم الرقابة الدستورية على القوانين مفهوم أصبح له وجود دستوري مفروض في العراق بعد أن أكدت الدساتير العراقية على وجود قضاء دستوري يتولى الرقابة على دستورية القوانين النافذة ، وان كان القضاء الدستوري في العراق لم يرى النور بشكل حقيقي إلا بعد تشكيل المحكمة الاتحادية العليا بموجب القانون رقم 30 لسنة 2005 الذي صدر في 24/2/2005 ونشر في الوقائع العراقية العدد 3996 بتاريخ 17/3/2005 ويجمع الفقه الدستوري على إن وجود الرقابة على دستورية القوانين هي أفضل وسيلة لحماية الحقوق الواردة في الدستور وتعطي هذه الرقابة نتيجة حتمية لسمو الدستور وجموده[1] وتعرف الرقابة على دستورية القانونين بأنها الوسيلة لمعرفة مطابقة القانون للمعيار الأساسي ومطابقته للمبادئ الدستورية[2]، لكن تشير الكثير من الدراسات عن القضاء الدستوري في جميع البلدان إلى قيام صورة من صدور الصدام بين المحاكم الدستورية والسلطات الحاكمة وتتدرج من التوتر إلى النقد ثم إلى الصراع الخفي وأحيانا إلى الصراع الصريح[3] ، ويكاد يكون ما حصل للمحكمة الاتحادية العليا في العراق هو الأحدث في عالم الصراع مع القضاء الدستوري، ويرى احد الكتاب ان الأدوار في الخصومة يتبادلها أطراف الصراع تارة من السياسيين وتارة أخرى من غيرهم وحتى من الجهات الحقوقية، وتتخذ بعض الجهات السياسية مواقف عدائية معلنة ضد القضاء الدستوري ، وتلجأ أحيانا إلى نفوذها في تغيير الاختصاص للقضاء الدستوري او للتأثير على آليات تشكيلها وتكوينها ونوعية الاعضاء وطرق التعيين والترشيح وذلك من اجل تفادي أثار الأحكام التي تصدرها محاكم القضاء الدستوري ويذكر إن الصراع المعلن بين الرئيس الأمريكي روزفلت والمحكمة العليا حول سياسته الإصلاحية (The New Deal) وموقف المحكمة المناوئ لتلك الإصلاحات يعد من ابرز صور الصراع حيث سعى الرئيس الأمريكي إلى محاولة تعديل نظام المحكمة العليا لكن فشل في ذلك، وعادة ما تزداد حدة الصراع في الدول ذات الأنظمة القضائية الدستورية المركزية، نتيجة لما تتمتع به أحكام تلك المحاكم من صفة الإلزام مما يضفي عليها حجية مطلقة، واثر تلك الأحكام لا يقتصر على أطراف الخصومة وإنما إلى الكافة وإذا قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية قانون ما فان نتيجة ذلك إلغاء نفوذ النص القانوني وسقوط التشريع وتعطيله وقد يؤدي إلى إعادة تشكيل المراكز والحقوق المترتبة على سقوط النص القانوني وقد يؤثر في تشكيل النظام السياسي بأكمله بما لا يتفق وتصورات السلطة او الطبقة السياسية القابضة على مقاليد الأمور وما حصل في العراق في الماضي القريب جداً والوقت الحاضر لذلك نرى بين الحين والأخر يظهر السياسيون سعيهم للتدخل أو التأثير على العمل القضائي، إما عبر التصريحات أو عبر استغلال مواقعهم الوظيفية، لكن جميع محاولاتهم فشلت وخابت وستبقى غير قادرة على تحقيق مرادها لان القضاء بمنظومته التي تنظم أعماله وبقضاته الذين اقسموا على أن يكون عملهم حيادي ومستقل ومهني، لأنهم يدركون إن القضاء لم يكن يوماً امتيازاً لشخص أو جماعة بعينها، وإنما القضاء هو حق الإنسان وحاجة المجتمع ، لذلك ولتجاوز هذا الاحتكاك بين المحاكم الدستورية والسلطات السياسية عادة ما تلجأ تلك المحاكم إلى وضع معايير وضوابط للعمل والالتزام بدورها القضائي، دون أن تتعداه إلى دور سياسي وذلك من خلال حصر الرقابة القضائية في نطاقها الضيق الأصيل ولا تتعداه إلى التعرض لسلطات الدولة الأخرى وهذه الضوابط التي استقر العمل بموجبها في اغلب المحاكم الدستورية في العالم هي (1- التقييد الذاتي للرقابة 2- قرينة دستورية التشريع 3- عدم امتداد الرقابة إلى بواعث التشريع واو ملائمته 4- عدم التعرض لأعمال السيادة) وللوقوف على هذا الضوابط التي تعد النطاق الذي تدور في فلكه سلطة المحاكم الدستورية وصلاحيتها سأعرض للموضوع على وفق الآتي :

الفرع الأول

التقييد الذاتي للرقابة القضائية الدستورية

إن فكرة التقييد الذاتي للرقابة كان أصلها قاعدة أساسية رسختها المحكمة العليا في أمريكا بقولها (إذا كان بالإمكان الفصل في الدعوى عن غير طريق الدعوى الدستورية فلا يجوز للمحكمة الدستورية الخوض فيها)[4]بمعنى ان ليس للمحكمة الدستورية ان تتصدى للنظر في عدم دستورية القانون الا عند الضرورة القصوى ولهذا القيد على حدود عمل القضاء الدستوري قد تاسس على عدة مبادئ منها الآتي :

1. عدم جواز النظر في دستورية القانون إلا عند الضرورة القصوى والحتمية التي توجب الفصل في الموضوع وذلك من خلال وجود نزاع حقيقي يجب البت فيه وان يكون النظر في ذو جدوى حقيقية بعيداً عن تقديم الاستشارة وتعتبر القيود الذاتية أساليب فنية تستطيع المحكمة ان تتحكم بواسطتها في نطاق رقابتها[5] وفي تطبيقات القضاء الدستوري في العراق نجد ان المحكمة الاتحادية العليا كثيراً ما كانت تنئ بنفسها عن إبداء الرأي في طلبات الاستشارة التي قدمتها عدة جهات رسمية إذا كانت في مآلها تشكل نزاع بين طرفين ومنها قرارها العدد 80/اتحادية/2016 في 27/9/2016 الذي قضى برد طلب وزارة الداخلية حول بيان الرأي في قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (120) لسنة 1994 وأوضحت المحكمة بان هذا الطلب هو بمثابة منازعة يستوجب الفصل فيها بدعوى أصولية[6] ، ويذكر ان القرار أعلاه قد تم الطعن بعدم دستوريته لاحقاً بعد أن أقيمت دعوى من احد المتضررين منه بموجب الحكم الصادر بالعدد 57/اتحادية/2017 في 3/8/2017 وفي تطبيقات القضاء الدستوري المصري ما جاء في قرار المحكمة الدستورية العليا بقرارها العدد 35 لسنة القضائية الدستورية 11 في جلسة 1/2/1992الذي قضى بان ولا تفصل المحكمة الدستوریة في الدعوى الدستوریة إلا إذا كان من شأن الحكم فیھا أن یؤثر في الدعوى الموضوعیة

2. تتقيد المحكمة الدستورية بما يعرض عليها من وقائع و لا يجوز لها أن تقضي إلى تقرير أحكام دستورية تكون خارج نطاق الوقائع المعروضة[7] وفي تطبيقات القضاء الدستوري في العراق نجد ان المحكمة الاتحادية العليا قد قضت بعدم دستورية المواد (3 و 4) من قانون مجلس النواب العراقي رقم 50 لسنة 2007 وانها لم تنظر بسائر المواد القانونية لان المدعي لم يطلب الطعن فيها وانها مقيدة بطلباته وعلى وفق ما جاء في قرارها العدد 86/اتحادية/2013 في 26/10/2013 الذي جاء في فقرته الحكمية الآتي (للأسباب المتقدمة تكون دعوى المدعي لها سند من الدستور وتكون المادتين (3) و (4) من قانون مجلس النواب رقم (50) لسنة 2007 مخالفة للدستور بقدر تعلق الأمر بالرواتب التقاعدية لرئيس مجلس النواب ونائبيه ولأعضاء مجلس النواب لذا قررت المحكمة الاتحادية العليا الحكم بعدم دستورية المادتين (3و 4) من القانون رقم (50) لسنة 2007 بخصوص ما ورد فيهما من الأحكام المتعلقة بالرواتب التقاعدية لرئيس مجلس النواب ولنائبيه ولأعضاء مجلس النواب لمخالفتهما للمادة (60/أولاً) من الدستور وهذا ما حصر المدعي دعواه به دون الحقوق والامتيازات الأخرى وتحميل المدعى عليه إضافة لوظيفته مصاريف الدعوى وأتعاب المحاماة لوكيل المدعي المحامي ( م.ق إل ) مبلغا مقداره مائة ألف دينار وصدر القرار باتا استنادا لأحكام المادة (5/ثانيا) من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم (30) لسنة 2005 و المادة (94) من الدستور وبالاتفاق وافهم علنا في 23/10/2013.)[8]

3. التأكيد على وجود مصلحة للمدعي (الطاعن) في الدعوى الدستورية عند الفصل في النزاع المعروض عليها وجاء في المادة (6) من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم 1 لسنة 2005 شرط يتعلق بتوفر المصلحة للمدعي في الدعوى على وفق النص الآتي (أن تكون للمدعي في موضوع الدعوى مصلحة حالّة ومباشـرة ومؤثرة في مركزه القانوني أو المالي أو الاجتماعي) وهذا النص مستل من نص المادة (6) من قانون المرافعات المدنية[9]، ويقصد بالمصلحة بشكل عام الفائدة العملية التي تعود على رافع الدعوى لان لا يمكن تصور وجود دعوى دون أن تكون لرافعها مصلحة في ذلك وتعد المصلحة مناط الدعوى فإذا انتفت أصبحت الدعوى غير ذات جدوى وفي الدعوى الدستورية يكون معناها أكثر اتساعاً من فكرة المصلحة في الدعاوى المدنية التي ينظرها القضاء الاعتيادي وذلك بسبب طبيعة الدعوى الدستورية التي يرتب حكمها بعدم الدستورية أما إلى إلغاء النص الدستوري او تعطيله بما يشبه تماما الإلغاء وبذلك أحيانا لا يشترط لتحقق المصلحة ان تكون ذاتية للمدعي وإنما من الممكن أن تتحقق المصلحة إذا مس القانون المطعون فيه حالة قانونية خاصة به تؤدي إلى توفر المصلحة الذاتية[10] والمحكمة الاتحادية أكدت هذا الاتجاه في ما يتعلق بتوفر شرط المصلحة في المدعي حيث قبلت الدعوى من الناحية الشكلية التي أقامها احد المحامين للطعن بقرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 180 لسنة 1977 الذي قضى بجواز إعادة انتخاب نقيب المحامين او الرئيس في النقابات والاتحادات المهنية لعدة مرات متتالية واعتبرت المحكمة الاتحادية العليا إن المصلحة متوفرة في المدعي وان كان القرار المطعون فيه لم يصيب المدعي بضرر مباشر وإنما من الممكن إن يودي إلى إلحاق الضرر به لأنه يمنح نقيب المحامين فرصة للترشح لأكثر من دورة مما يعدم فرصه ترشح المدعي مستقبلاً إلى منصب النقيب وعلى وفق ما جاء في قرار المحكمة الاتحادية العليا العدد 11/اتحادية/2016 في 23/8/2016 ، وفي قرار آخر من المحكمة الاتحادية العليا العدد 38/اتحادية/2019 في 21/5/2019 حيث اعتبرت المصلحة متوفرة في المحامي الذي طعن في المادة (3) من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم 30 لسنة 2005 وردت المحكمة على طلب الخصم (رئيس مجلس القضاء الأعلى إضافة لوظيفته) برد الدعوى لانتفاء المصلحة فان المحكمة قد أوضحت في القرار أعلاه إن الطعن يتعلق بعدم مشروعية نص قانوني يتعلق بشأن من شؤون العدالة وحيث ان العدالة هاجس كل مواطن لذلك من حق المواطن (المدعي ) ان يتخذ من الوسائل القانونية ما يرسخها ويحميها[11]

4. لا يجوز للمحكمة أن تنظر في النزاع إذا كان بالإمكان حسمه عن طريق آخر[12]

5. أن يكون الحكم متعلق بالنص القانوني المطعون فيه فإذا كان نص مادة من القانون فلا يجوز التعدي إلى سائر مواد القانون إلا إذا كانت بقية أجزاء القانون مرتبطة بها ولا تقوم بغيرها فيحق للمحكمة الدستورية أن تصدر حكماً بعدم دستورية التشريع بأكمله[13]

ويرى بعض الكتاب في القانون الدستوري إن المحكمة الدستورية يجب ان لا تتنصل عن اختصاصها الذي تقرر لها على وفق الدستور والقانون لان إنكارها لولايتها في فض النزاع الدستوري غير مبرر، لكن ذلك الوجوب الدستوري بممارسة اختصاصها يجب أن لا يدفعها إلى أفاق تتجاوز حدودها الدستورية وإنما يكون على وفق محددات جلية واضحة الأسس والمناهج وان تمارس تلك الاختصاصات في إطار مجموعة من الضوابط التي تضعها الهيئة القضائية للمحكمة الدستورية ذاتها ولا تفرض عليها من سلطة أعلى لتحد من حركتها أو تقلص من صلاحياتها[14] ، وكانت المحكمة الاتحادية العليا في العراق قد أوضحت في قرارها العدد 37/اتحادية/2010 في 14/4/2010 بان المادة (1) من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم 30 لسنة 2005 قد جاء فيها الآتي (تنشأ محكمة تسمى المحكمة الاتحادية العليا ويكون مقرها في بغداد تمارس مهامها شكل مستقل لا سلطان عليها لغير القانون) وان عبارة المهام مطلقة ولا يحددها نص المادة (4) من ذلك القانون وإنما جميع المهام التي وردت في المادة (93) من الدستور لان العبارة الواردة في المادة (1) من القانون وبذلك قطعت الطريق على من حاول تعطيل عملها لغايات سياسية.

الفرع الثاني

قرينة دستورية التشريع

ان المقصود بقرينة دستورية التشريع يتمثل بان كل ما يصدر عن السلطة التشريعية من تشريعات هي دستورية، وهذه قرينة لا يمكن نقضها إلا إذا توفر الدليل على ان ذلك النص القانوني قد صدر على خلاف الدستور أما من الناحية الشكلية أو من الناحية الموضوعية[15]ويرى بعض الكتاب ان قرينة دستورية التشريع لم يكن لها وجود واضح في الفقه والقضاء العربي وإنما كان الاهتمام بها في الفقه والقضاء الغربي ويعزى السبب في ذلك بان الفقه والقضاء العربي تعامل مع هذا القيد (قرينة دستورية التشريع) بأفكار القانون والقضاء الإداري الذي سبق القضاء الدستوري فيها بمراحل حيث إن معظم محتويات تلك القرينة تضمنتها فكرة السلطة التقديرية التي عمل بها وطورها القانون الإداري وكذلك القضاء الإداري ومن ثم تم نقلها إلى القضاء الدستوري بعنوان السلطة التقديرية للمشرع[16]كما يرى بعض الكتاب بان قيد قرينة التشريع لم يكن قيد ذاتي من القضاء الدستوري على نفسه مثلما درج البعض على توصيفه ، وإنما جاء هذا القيد استجابة لمقتضيات الدستور ومصدر هذه القرينة هو الدستور ذاته وليس القضاء الدستوري ويستدل على هذا الرأي بان بعض المحاكم الدستورية عند امتناعها عن إعطاء الآراء الاستشارية بدون وجود نزاع مطروح ممنوع عليها دستورياً وهذا ما صرحت به المحكمة العليا في أمريكا بمعنى آخر انه لم يكن قيد من صنع المحكمة ذاتها وكذلك بضرورة وجود ارتباط بدعوى أصلية أو وجود المصلحة ووجود الضرر الفعلي فإنها عند استنادها في قرارها تستند إلى مواد دستورية[17] وما تعنيه قرينة دستورية التشريع هو سلامة النص القانوني الصادر عن السلطة التشريعية وهذا المعنى رتب آثار مهمة منها الآتي :

1. إن المحكمة الدستورية لا تقضي بعدم الدستورية إلا إذا كان ذلك واضحاً وقطعياً ولا يثير الشك والمحاكم الدستورية كثيراً ما تحترم السلطة التشريعية في خيارتها وتمتنع عن النظر في التشريعات الصادرة عنها إلا إذا كانت مخالفة وبشكل صريح للمبادئ الدستورية ، لان السلطة التشريعية كما يراها البعض بأنها أكثر اتصالاً بآمال مواطنيها وتعبر عن احتياجاتهم وأولوياتهم[18]، ومصطلح الخيار التشريعي عرفه بعض المختصين بالقانون الدستوري بأنها حرية الاختيار الممنوحة للسلطة التشريعية في ممارسة اختصاصها بقسط من من حرية التقدير عند ممارستها لذلك الاختصاص التشريعي[19]، كما ورد تعريف للسلطة التقديرية ( الخيار التشريعي) في قرار للمحكمة الدستورية العليا في مصر على وفق الآتي (كان الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق، أنها سلطة تقديرية مطلقة، لا يقيدها إلا ضوابط محددة يقررها الدستور وتعد تخوما لها لا يجوز اقتحامها أو تخطيها. ويتمثل جوهر هذه السلطة - على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - في المفاضلة بين بدائل متعددة تتزاحم فيما بينها وفق تقديره لتنظيم موضوع محدد، فلا يختار من بينها إلا ما يكون منها عنده مناسبا أكثر من غيره لتحقيق الأغراض التي يتوخاها، أو ما يراه أكفل لتحقيق المصالح المشروعة التي قصد إلى حمايتها)[20] وفي تطبيقات القضاء الدستوري العراقي ما جاء في قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم 32/اتحادية/2018 في 5/3/2018 الذي قضت فيه بدستورية نص الفقرة (رابعا) من المادة (8) من قانون انتخابات مجلس النواب رقم 45 لسنة 2013 المعدل التي جاء فيها الآتي (رابعاً: أ. أن يكون حاصلاً على شهادة البكالوريوس أو ما يعادلها. ب . للقوائم الانتخابية تخصيص نسبة لا تزيد عن (20%) من عدد المرشحين لشرائح المجتمع من حملة الشهادة الإعدادية أو ما يعادلها. حيث اعتبر ذلك من الخيارات المتاحة للمشرع العراقي حتى وان عدل عن رأيه لأنه في قانون سابق اصدر مجلس النواب تعديل لقانون الانتخابات عدل فيه شرط حصول المرشح على شهادة البكالوريوس بدلا من شهادة الإعدادية بموجب قانون التعديل الأول رقم (1) لسنة 2018 ثم عاد ورجع إلى قبول ترشح حملة شهادة الإعدادية مرة أخرى بموجب قانون التعديل الثاني والقانون الأول كان محل نظر من قبل المحكمة الاتحادية العليا عندما قضت بان للمشرع الخيار في تحديد شرط الشهادة وذلك بموجب قرارها التفسيري رقم 15/ اتحادية/2018 وأوضحت في كلا القرارين للمشرع أن يمارس خياره التشريعي باختيار البدائل والحلول ولا رقابة عليه في هذا الجانب طالما لم يتقاطع مع أي قيد دستوري ويعد هذا الأمر جوهر العمل بمبدأ الفصل بين السلطات[21] للمشرع العراقي فهو من يختار أفضل البدائل والحلول طالما لم تخالف المبادئ الدستورية المقيدة لسلطته التقديرية ففي عام 2013 عندما لم يمنح المشرع مقعد نيابي على وفق نظام الكوتا اعتبرته المحكمة خيارا تشريعيا وكذلك عندما منح الكرد الفيلية مقعداً واحداً في محافظة واسط وليس على مستوى العراق أيضا اعتبره خياراً تشريعياً لا معقب عليه من المحكمة الاتحادية العليا[22].

2. تتوخى المحكمة الدستورية عند حكمها بعدم دستورية النص القانوني اختيار التفسير الاكثر اتفاقاً مع أحكام الدستور[23] وحينما تولت المحكمة الاتحادية العليا هذه المهمة في تفسير النصوص الدستورية، ولأنها هيئة قضائية وليس مجلس دستوري أو هيئة سياسية، فإنها اتبعت السبل المتاحة لعمل المحاكم بوصفها محكمة قضاء دستوري[24] على وفق المادة (92) من الدستور العراق لعام 2005 ويكون تفسيرها هو التفسير القضائي لان للتفسير عدة طرق (التفسير التشريعي، التفسير القضائي، التفسير الفقهي، والتفسير الإداري)[25]، وفي تطبيقات المحكمة الاتحادية العليا نجد عشرات القرارات التفسيرية المتعلقة بدستورية النصوص القانونية ومنها قرارها العدد 61/اتحادية/2017 في 6/5/2018 الذي قضت فيه برد دعوى المدعي وأكدت على دستورية نظام المراسم رقم (4) لسنة 2016 واتبعت فيه أسلوب التفسير اللفظي ، في قرار آخر اتبعت أسلوب مفهوم النص وأساليب متعددة حسب طبيعة الدعوى الدستوري والنص المطعون فيه والمقاربة مع النص الدستوري[26] .

لكن قرينة دستورية التشريع تتضاءل وتتلاشى وتتحول إلى قرينة عكسية إذا كان التشريع يسعى إلى تقييد الحريات والمثال على ذلك في الدستور العراقي الذي منع سن أي قانون يتعارض مع المبادئ الواردة في المادة (2) من دستور العراق لعام 2005 وقد يكون هذا القيد زمني المتمثل في نص الفقرة (ثانياً) من المادة (126) من الدستور التي جاء فيها الآتي(لا يجوز تعديل المبادئ الأساسية الواردة في الباب الأول، والحقوق والحريات الواردة في الباب الثاني من الدستور، إلا بعد دورتين انتخابيتين متعاقبتين) حيث اشترط لهذا النوع من التعديل انقضاء ثمان سنوات وهي المدة تعادل عمر الدورتين الانتخابيتين واعتبارا من تاريخ أول دورة انتخابية التي انعقدت في عام 2006 وهذا يسمى بالمحظور التشريعي الزمني اي عدم جواز إصدار أو سن أي تشريع يعدل تلك المواد الدستورية المشار اليها خلال تلك المدة كذلك هناك محظور موضوعي وهو القيد الذي وضعه الدستور على تعديل النصوص التي تتعلق بصلاحيات الأقاليم حيث لم يجعلها بذات الآلية المتبعة في التعديلات وإنما اقرن ذلك التعديل بموافقة السلطة التشريعية في الإقليم فقط وموافقة أغلبية سكانه وباستفتاء عام، والسبب في ذلك إن هذا التعديل لا يؤثر في حقوق سائر الشعب وإنما يؤثر فقط في حقوق سكان الإقليم ولابد من موافقتهم عليه، وبذلك تم إبعاد تصويت الشعب بأكمله على هذا النوع من التعديل وعلى وفق ما ورد في الفقرة (رابعاً) من المادة (126) من الدستور التي جاء فيها الآتي (لا يجوز إجراء أي تعديل على مواد الدستور، من شأنه ان ينتقص من صلاحيات الأقاليم التي لا تكون داخلةً ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، إلا بموافقة السلطة التشريعية في الإقليم المعني، موافقة أغلبية سكانه باستفتاءٍ عام) وإنما حصر التصويت والاستفتاء بسكان الإقليم فقط. وفي قرار المحكمة الاتحادية العليا العدد 45/اتحادية/2017 في 20/6/2017 الذي قضى بعدم دستورية الفقرة (4) من المادة (87) من قانون المحاماة رقم 113 لسنة 1965 المعدل وذلك لتعارضه مع المبادئ الواردة في المادة (2/أولا/ج) من الدستور التي كفلت حرية التعبير[27]

الفرع الثالث

عدم امتداد الرقابة إلى بواعث التشريع وغاياته

وهذا الضابط في نطاق الرقابة على دستورية القوانين يقصد به عدم جواز بحث غايات المشرع او نواياه عند إصدار التشريع وإنما يكون البحث في الحكم الظاهر من النص واهتم القضاء الدستوري كثيرا بهذا القيد على حدود الرقابة القضائية على دستورية القوانين حيث قصرت بحث العيب أو العوار الذي يصيب النص القانوني فقط في شكلية إصداره التي يجب أن تكون على وفق الأسس التي رسمها الدستور وكذلك عن عدم مخالفته للمبادئ الدستورية وليس للمحكمة الدستورية ان تبحث عن نية المشرع او ما هي الغاية من سن هذا التشريع كما لا يجوز لها ان تبحث عن الأفضل بين الحلول او ايجاد نص تشريعي هو اكثر ملائمة لان ذلك من الاختصاص الحصري للسلطة التشريعية لان لها الخيار في اختيار اي النصوص التي تمثل معالجة للمشكلة التي تصدى لها القانون ، وفي تطبيقات القضاء الدستوري في العراق ما جاء في قرار المحكمة الاتحادية العليا التفسيري العدد 25/اتحادية/2010 في 25/3/2010 حينما فسرت معنى الكتلة النيابية الأكبر وعند ذاك ضجت الأحزاب والفئات التي لم يكن التفسير منسجماً مع طموحها السياسي والسلطوي، وأصدرت البيانات والاعتراضات الاحتجاجية، لأنها ترغب في تفسير على وفق ما تشتهي، وكانت بمجملها انطباعاً وليس تفسيراً يرتب حكماً ملزماً وهذه الانطباعات كانت تميل إلى نقد القرار التفسيري في حينه، وكان احد السياسيين قد صرح بان ما كان يقصده واضع النص هو غير ما فسرته المحكمة وكان عليها السؤال منه بوصفه احد المساهمين في كتابة ذلك النص ، لذلك فان المحكمة غير معنية بنوايا وغايات المشرع طالما ظاهر النص واضح ولا حاجة للبحث في غاياته وأسبابه ، ومعيار عدم جواز امتداد الرقابة إلى غايات التشريع أو مدى ملائمته يتضمن ثلاث قواعد أساسية كما يراها الفقه الدستوري وهي على وفق الآتي :

1. إن المحكمة عندما تنظر في دستورية النص القانوني المطعون فيه، إنما يكون عملها فني ذو طابع قانوني خالص وهذا الأمر يقيدها ولا يسمح لها بالتطرق إلى ابعد من ذلك في مناقشة البواعث والغايات التي دفعت المشرع الى سن القانون وإصداره والأصل بان المشرع يعرف غاياته وما هي المصلحة الاجتماعية أو الاقتصادية التي يتوخاها وانه اختار أفضل الحلول لها وهذا القيد له جذور تاريخية في قضاء المحكمة العليا في أمريكا في عام 1810عندما قضت بان التشريع اذا كان مستوفياً لكافة الشروط والأشكال القانونية فان المحكمة لا تستطيع أن تستجيب للمدعي في طعنه بحجة إن ذلك القانون صدر لبواعث غير شريفة[28] وفي تطبيقات القضاء الدستوري في العراق ما جاء في قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم 2/اتحادية/2016 في 16/8/2016 عندما قضت برد دعوى المدعي الذي طعن ببعض مواد قانون المفوضية العليا المستقلة للانتخابات وكذلك في النظام الداخلي لمجلس الوزراء حيث نعى عليها بان الغاية من إصدارها هو تكريس (المحاصصة العرقية والمذهبية والسياسية) وليس كما ورد فيها بالتوازن بين المكونات الا ان المحكمة الاتحادية وجدت ان ذلك غير وارد وقضت برد الدعوى لان تلك النصوص صاغها المشرع على وفق النصوص الدستورية وليس لها ان تبحث في غايات تشريعها والخلل قد يكون في التطبيق بحرف الإجراءات التنفيذية عن مسارها ومساقها الطبيعي وهذا يخرج عن اختصاص المحكمة الاتحادية العليا[29]

2. إن القضاء الدستوري لا يناقش ضرورة صدور التشريع من عدمه لان السلطة التشريعية لها كامل الحق في تقدير الضرورة بما لديها من سلطة تقديرية لكن يرى بعض الكتاب ان القضاء الدستوري ضيق من نطاق هذه القاعدة حيث راقب الغلط البين والواضح في التشريع كما بسط رقابته أحيانا فيما هو مناسب للتشريع[30] ويذكر ان القضاء الدستوري في امريكا ومنذ عام 1819 بان تقدير الحاجة الى وجود التشريع من عدمه يعود تقديره للسلطة التشريعية وهذا ما سار عليه القضاء الدستوري في فرنسا ومصر وفي العراق كان المسار مماثل في ما يتعلق بتقدير الضرورة[31]

3. إن القضاء الدستوري ليس له مراقبة ملائمة التشريع او مدى صلاحيته للنظام السياسي والا اعتبر ذلك تدخل من القضاء في عمل السلطة التشريعية وهو ما يتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات وفي قرار للمحكمة الاتحادية العليا في العراق قد قضت فيه برد الدعوى لان ليس من اختصاصها تحديد بعض النسب في قانون الموازنة حيث إن ذلك من الصلاحيات الحصرية للسلطة التشريعية وعلى وفق ما جاء في قرارها[32] العدد 17/اتحادية/2019 في 10/4/2019 حيث انصب ادعاء المدعي على طلب تدخل المحكمة في تعديل نسبة الإيرادات الواردة في المادة (2/أولا/1) من قانون الموازنة الاتحادية رقم (1) لسنة 2019

الفرع الرابع

عدم التعرض لأعمال السيادة

إن أعمال السيادة هي نتاج فقه القانون الإداري والدستوري الفرنسي ثم انتشر بعد ذلك في اغلب البلدان، إلا إن بعض البلدان ومنها الفقه القانوني في أمريكا حيث أطلق عليها تسمية "الأعمال السياسية" وفي الفقه الانكليزي تسمى "بأعمال الدولة" ودون الالتفات إلى التسمية فإنها متماثلة من حيث المعنى، إلا إن الفقه القانوني لم يعرفها لصعوبة ذلك وإنما حاول توصيف طائفة الأعمال التي تباشرها سلطة الحكم في الدول من أجل الحفاظ على كيان الدولة من أرض وشعب وسلطة بمواجهة أخطار خارجية أو مواجهات داخلية عامة، كتنظيم سلطات الدولة وتحديد نظام الحكم، والعلاقة بين السلطات[33]وكان القضاء الدستوري قد ساعد في وضع قائمة بالاعمال السياسية وفي القضاء الدستوري الامريكي نجد ان المحكمة العليا قد استندت الى الفقرة الثانية من المادة الثالثة من الدستور في استبعاد الاعمال السياسية من نطاق رقابتها اما في القضاء الدستوري الفرنسي فان المجلس الدستوري لم يكن صريح تجاه اعمال السيادة مع ان اصل هذه النظرية هو الفقه الفرنسي ويعزى السبب بذلك الى ان رقابة المجلس الدستوري الفرنسي تكون على اعمال البرلمان فقط دون السلطة التنفيذية وان مناط أعمال السيادة يكون في عمل السلطة التنفيذية[34]، أما في القضاء الدستوري المصري فانه أيضا منع امتداد رقابته على أعمال السيادة وأصدرت المحكمة الدستورية العليا في مصر عدة قرارات بهذا الصدد وإنها قد ضيقت أحيانا من عدد تلك الإعمال لغرض إبعادها عن الحظر في رقابتها عليها[35]، وفي العراق نجد إن نظرية أعمال السيادة كانت حاضرة في التشريع وفي التطبيق فان بعض التشريعات كانت تنص بشكل صريح عليها، ومنها الفقرة (خامساً) من المادة (7) من قانون مجلس شورى الدولة رقم 65 لسنة 1979 المعدل التي كانت تنص على ما ياتي (خامسا: لا تختص محكمة القضاء الإداري بالنظر في الطعون المتعلقة بما يأتي: ا‌- أعمال السيادة، وتعتبر من أعمال السيادة المراسيم والقرارات التي يصدرها رئيس الجمهورية) إلا أن ذلك الحظر تم إلغائه بموجب قانون تعديل قانون مجلس شورى الدولة رقم 17 لسنة 2013 وبذلك فان القضاء الإداري الذي ينضوي تحت طائلة مجلس الدولة قد تحرر من هذا القيد وأصبح بإمكانه أن ينظر في مشروعية قرارات وأوامر الإدارة بكل مسمياتها بما فيها رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء وغيرها، لان القيد الذي كان يمنع القضاء الإداري من ذلك قد انتهى، لكن في القضاء الاعتيادي ما زال القضاء يرزح تحت نير هذا القيد وعلى وفق نص المادة (10) من قانون التنظيم القضائي رقم 160 لسنة 1979 المعدل التي جاء فيها الآتي (لا ينظر القضاء في كل ما يعتبر من أعمال السيادة) وهذا القيد يمنع القضاء من النظر في بعض الأمور التي قد يعتبرها القضاء من أعمال السيادة أو يتمسك بها الخصوم أثناء نظر الدعوى للهروب من المسؤولية، ومع تطور مفهوم الحقوق ودور الرقابة على أعمال الدولة والتمسك بمبدأ المشروعية حاول القضاء في عدة بلدان ومثله الفقه القانوني إلى تقليص عدد هذه الأعمال إلى الحد الأدنى قدر الإمكان، ومنها ما جاء في قضاء المحكمة الدستورية العليا في مصر التي ضيقت نطاق هذه الأعمال وجعلتها في أمرين فقط هما "علاقة الحكومة بالبرلمان وعلاقة الحكومة بالسلطات الأجنبية أي العلاقات الخارجية"[36] وعلى وفق ما جاء في قرارها العدد 10 سنة قضائية 14 في 19 يونيو/حزيران 1993، بينما في القضاء العراقي نجد إن محكمة التمييز الاتحادية توسعت بها عندما وصفتها بالعموم دون التحديد وعلى وفق ما جاء في قرارها العدد 39/هيئة عامة/1992 في 30/5/1992 الذي جاء فيه الآتي (أعمال السيادة هي الأعمال التي تصدر من الحكومة بوصفها سلطة حكم لا سلطة إدارية) كما جاء فيه (ويعرف فقهاء القانون الإداري أعمال السيادة بأنه عمل يصدر من السلطة التنفيذية وتحيطه اعتبارات خاصة بسلامة الدولة وأمنها الداخلي أو الخارجي ويخرج عن رقابة المحاكم من قرر القضاء له هذه الصفة) وهذا الحكم له ما يبرره لأنه صدر في ظل دستور عام 1970 الملغى والذي كانت فلسفة كتابته قد تأسست على هيمنة السلطة وجعل القضاء وظيفة لا سلطة وتقييده قدر ما استطاعت بالاستثناءات التي أوجدتها على ولايته العامة وقد يكون له ما يبرره في حينه، أما بعد صدور دستور عام 2005 والذي فلسفته قائمة على المشروعية الدستورية وجعل جميع قرارات الدولة ومؤسساتها الإدارية خاضعة للرقابة والمحاسبة القضائية وكان هذا واضح بشكل صريح في نص المادة (100) من دستور عام 2005 التي جاء فيها الآتي (يحظر النص في القوانين على تحصين أي عمل أو قرار إداري من الطعن ) فان محكمة التمييز الاتحادية ما زالت على نهجها بالعمل بمفهوم "أعمال السيادة" حيث اعتبرت الاختصاص القضائي هو من أعمال السيادة وهو بمثابة توسيع للمفهوم لأنها أضافت نوع جديد إلى طائفة الأعمال التي تدخل في مفهوم أعمال السيادة وعلى وفق ما جاء في قرارها العدد 219/هيئة موسعة/2011 في 21/8/2011 الذي جاء في حيثياته الآتي (وباعتبار إن الاختصاص القضائي يعتبر من أعمال السيادة) وارى بان العبارة في ظاهرها قد توحي إلى إن هذا نوع من أعمال السيادة إنما في مفهومها المتصل بسياق الحكم الذي صدر كانت تقصد به محكمة التمييز بان القضاء هو من أوجه السيادة للدولة وليس من أعمال السيادة ومع ذلك فان وجود هذه العبارة بقرار حكم صادر عن محكمة عليا في تدرج القضاء الاعتيادي يعد مصدر لاعتماده في مواضع أخرى، أما على مستوى القضاء الدستوري في العراق فان المحكمة الاتحادية العليا قد تصدت لهذا الأمر وقضت بعدم دستورية عدة مواد ونصوص قانونية كانت تحصن بعض أعمال الحكومة من الطعن فيها وأسست أحكامها على أساس المادة (100) من الدستور النافذ ، لكن جاء في قرار تفسيري بالعدد 4/اتحادية/2007 في 9/1/2013 حول مفهوم المناصب السيادية التي لا يجوز توليها من مزدوجي الجنسية وعلى وفق المنع الوارد في نص المادة (18/رابعاً) من الدستور التي جاء فيها الآتي (يجوز تعدد الجنسية للعراقي، وعلى من يتولى منصباً سيادياً أو امنياً رفيعاً، التخلي عن أية جنسيةٍ أخرى مكتسبة، وينظم ذلك بقانون) وجاء في حيثيات القرار التفسيري للمحكمة الاتحادية العليا المذكور آنفا الآتي (إن موضوع التخلي عن الجنسية الأجنبية من قبل العراقي الذي يتبوأ منصباً سيادياً أو امنياً رفيعاَ قد نصت علية المادة (18/رابعاً) من الدستور والمادة (9/رابعاً) من قانون الجنسية العراقية رقم (26) لسنة 2009 وان إنزال حكم المادتين المذكورتين يتطلب بيان مفاهيم ودلالات المناصب السيادية والأمنية الرفيعة ذلك ان تحديدها مناط بالتوجيهات السياسية في العراق بعد صدور الدستور) وبعض الكتاب اعتبر ذلك من قبيل اخذ المحكمة الاتحادية بمبدأ أعمال السيادة وإنها امتنعت عن توصيفها وحقيقة الأمر ليس كما ورد، لان المحكمة الاتحادية العليا لم تتصدى للقانون الذي ينظم مواصفات وماهية المناصب السيادية والأمنية الرفيعة، لان ذلك يدخل في الخيارات التشريعية للسلطتين التشريعية والتنفيذية وهي من تحددها بموجب قانون وعندما يصدر ذلك فانه سيخضع لرقابة القضاء الدستوري والبحث في مدى دستوريته دون أن تمتنع المحكمة الاتحادية العليا من النظر فيه، لذلك فان الاتجاه القضائي العراقي يسير نحو إلغاء فكرة "أعمال السيادة" وجعل جميع أعمال الإدارات الحكومية بكل مسمياتها خاضعة للرقابة القضائية سواء في القضاء الدستوري أو القضاء الإداري، باستثناء القضاء الاعتيادي الذي مازال مكبل بالقيد والحظر المفروض عليه بموجب المادة (10) من قانون التنظيم القضائي رقم 160 لسنة 1979 المعدل ونأمل من المشرع أن يلتفت إلى هذه النقطة حتى يستقيم العمل على وفق المبادئ الدستورية الواردة في الدستور العراقي النافذ وفي المواد (19 و 87 و 88) ويذكر إن قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 المعدل قد اعتبر ولاية القضاء ولاية عامة على وفق أحكام المادة (29) التي جاء فيها الآتي (تسري ولاية المحاكم المدنية على جميع الأشخاص الطبيعية والمعنوية بما في ذلك الحكومة وتختص بالفصل في كافة المنازعات الا ما استثنى بنص خاص)

الخاتمة

من خلال العرض المتقدم لنطاق الدعوى الدستورية نجد إن القضاء الدستوري كان قد حدد نطاق ولايته تجاه التشريعات ووضع لعمله ضوابط من تلقاء نفسه وذلك إعمالا لمبدأ الفصل بين السلطات وان هذا الأمر ما زال في مد وجزر حيث نرى تارة يتم التضييق على هذا النطاق بأضيق الحدود وفي تارة أخرى نجد إن القضاء الدستوري في اغلب البلدان ينفتح تجاه بسط الولاية على اغلب تلك الأعمال حينما يرى إنها تتعارض مع المبادئ الدستورية ويبقى ذلك خاضع لاجتهاد المحكمة الدستورية لعدم وجود ضوابط تشريعية او دستورية باستثناء الحضر الدستوري الوارد في بعض المواد ومنها ما جاء في دستور العراق النافذ لعام 2005 المتعلق بالمحظور الزمني او الموضوعي والذي تمت الإشارة إليه في مفردات البحث كما وجدنا أن المحكمة الاتحادية العليا قد راعت هذا النطاق بشكل حرفي وموضوعي بما يتلائم وطبيعة التشريع في العراق والظروف التي تحيط به واثر التقلبات والأزمات السياسية والاجتماعية على عملية سن القوانين وكانت لها بصمتها المميزة والتي التفت إليها أكثر من باحث في العراق والوطن العربي وكان بعضهم يثمن هذا الدور الذي أرسى دعائم القضاء الدستوري في العراق على الرغم من حداثته وقصر عمره النسبي.

القاضي

سالم روضان الموسوي

المصادر
====================

الكتب--------------

1. الدكتور ابراهيم محمد صالح الشرفاني ـ رقابة المحكمة الدستورية على السلطة التقديرية المشرع ـ منشورات الحلبي الحقوقية ـ الطبعة الاولى عام 2016

2. اوليفيه دوهاميل و ايف ميني ـ المعجم الدستوري ـ ترجمة منصور القاضي ـ منشورات المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر ـ طبعة بيروت الاولى عام 1996

3. الدكتور حافظ هريدي ـ أعمال السيادة في القانون المصري المقارن ـ طبعة القاهرة الأولى عام 1952

4. الدكتور حسين جبر حسين الشويلي ـ قرينة دستورية التشريع دراسة مقارنة ـ منشورات الحلبي الحقوقية ـ طبعة بيروت الأولى عام 2018 ـ

5. القاضي سالم روضان الموسوي ـ حجية أحكام المحكمة الاتحادية العليا وأثرها الملزم دراسة تطبيقية مقارنة ـ منشورات مكتبة صباح ـ ط 1 عام 2017

6. القاضي سالم روضان الموسوي ـ دراسات في القضاء الدستوري العراقي ـ منشورات مكتبة صباح ـ طبعة بغداد الاولى عام 2019

7. الدكتور عبدالمنصف عبدالفتاح محمد إدريس ـ رقابة الملاءمة في القضاء الدستوري دراسة مقارنة ـ منشورات مكتبة النهضة العربية في القاهرة الطبعة الثانية عام 2016

8. القاضي الدكتور علي رشيد ابوحجيلة ـ الرقابة على دستورية القوانين في الأردن ـ مطابع الدستور التجارية عمان ـ الطبعة الأولى عام 2004

9. الدكتور محمد رفعت عبدالوهاب ـ القضاء الإداري الكتاب الثاني ـ منشورات الحلبي الحقوقية ـ الطبعة الأولى عام 2005

10. الدكتور المستشار محمد علي سويلم ـ القضاء الدستوري دراسة مقارنة ـ توزيع الدار المصرية للنشر والتوزيع ـ الطبعة الأولى عام 2019

المواقع الالكترونية---------------------

1. موقع المحكمة الاتحادية العليا على الرابط الآتي

2. الموقع الالكتروني للمحكمة الدستورية العليا في مصر

3. الموقع الالكتروني لجامعة مينسوتا

القوانين-------------------

1. الدستور العراقي لعام 2005

2. قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969

3. قانون مجلس شورى الدولة رقم 65 لسنة 1979 المعدل

4. قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم 30 لسنة 2005


الهوامش
============================

[1] القاضي الدكتور علي رشيد ابوحجيلة ـ الرقابة على دستورية القوانين في الأردن ـ مطابع الدستور التجارية عمان ـ الطبعة الأولى عام 2004 ـ ص8

[2] اوليفيه دوهاميل و ايف ميني ـ المعجم الدستوري ـ ترجمة منصور القاضي ـ منشورات المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر ـ طبعة بيروت الاولى عام 1996ـ ص683

[3] الدكتور عبدالمنصف عبدالفتاح محمد إدريس ـ رقابة الملاءمة في القضاء الدستوري دراسة مقارنة ـ منشورات مكتبة النهضة العربية في القاهرة الطبعة الثانية عام 2016 ـ ص 175

[4] نقلا ً عن الدكتور عبدالمنصف عبدالفتاح محمد ادريس ـ مرجع سابق ـ ص177

[5] للمزيد انظر الدكتور محمد علي سويلم ـ مرجع سابق ـ ص196

[6] القرار منشور في موقع المحكمة الاتحادية العليا على الرابط الآتي

https://www.iraqfsc.iq/krarat/2/2016/80_fed_2016.pdf

[7] الدكتور عبدالمنصف عبدالفتاح محمد ادريس ـ مرجع سابق ـ ص177

[8] القرار منشور في الموقع الالكتروني للمحكمة الاتحادية العليا على الرابط الآتي

https://www.iraqfsc.iq/krarat/1/2013/86_fed_2013.pdf

[9] نص المادة (6) من قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 المعدل (يشترط في الدعوى ان يكون المدعى به مصلحة معلومة وحالة وممكنة ومحققة ومع ذلك فالمصلحة المحتملة تكفي ان كان هناك ما يدعو الى التخوف من إلحاق الضرر بذوي الشأن ويجوز كذلك الادعاء بحق مؤجل على ان يراعى الاجل عند الحكم به وفي هذه الحالة يتحمل المدعي مصاريف الدعوى)

[10] للمزيد انظر الدكتور محمد رفعت عبدالوهاب ـ القضاء الإداري الكتاب الثاني ـ منشورات الحلبي الحقوقية ـ الطبعة الأولى عام 2005 ـ ص 39

[11] القرار منشور في الموقع الالكتروني للمحكمة الاتحادية العليا على الرابط الآتي

https://www.iraqfsc.iq/krarat/1/2019/38_fed_2019.pdf

[12] الدكتور المستشار محمد علي سويلم ـ القضاء الدستوري دراسة مقارنة ـ توزيع الدار المصرية للنشر والتوزيع ـ الطبعة الاولى عام 2019 ـ ص196

[13] الدكتور عبدالمنصف عبدالفتاح محمد ادريس ـ مرجع سابق ـ ص178

[14] الدكتور عبدالمنصف عبدالفتاح محمد ادريس ـ مرجع سابق ـ ص179

[15] الدكتور عبدالمنصف عبدالفتاح محمد ادريس ـ مرجع سابق ـ ص180

[16] الدكتور حسين جبر حسين الشويلي ـ قرينة دستورية التشريع دراسة مقارنة ـ منشورات الحلبي الحقوقية ـ طبعة بيروت الأولى عام 2018 ـ ص10

[17] الدكتور حسين جبر حسين الشويلي ـ مرجع سابق ـ ص78

[18] الدكتور محمد علي سويلم ـ مرجع سابق ـ ص197

[19] انظر الدكتور ابراهيم محمد صالح الشرفاني ـ رقابة المحكمة الدستورية على السلطة التقديرية المشرع ـ منشورات الحلبي الحقوقية ـ الطبعة الاولى عام 2016 ـ ص 90

[20] قرار المحكمة الدستورية العليا في مصر رقم 76 لسنة 29 قضائية الصادر بتاريخ 1/10/2007 والمنشور في الموقع الالكتروني لجامعة مينسوتا بتاريخ 4/5/2018

http://hrlibrary.umn.edu/arabic/Egypt-SCC-SC/Egypt-SCC-76-Y29.html

[21] حجية أحكام المحكمة الاتحادية العليا وأثرها الملزم دراسة تطبيقية مقارنة ـ منشورات مكتبة صباح ـ ط 1 عام 2017 ـ ص188

[22] للمزيد انظر القاضي سالم روضان الموسوي ـ دراسات في القضاء الدستوري العراقي ـ منشورات مكتبة صباح ـ طبعة بغداد الاولى عام 2019 ـ ص158

[23] الدكتور عبدالمنصف عبدالفتاح محمد ادريس ـ مرجع سابق ـ ص181

[24] نص المادة (92/أولا) من الدستور العراقي لعام 2005 التي جاء فيها الآتي (أولاً: المحكمة الاتحادية العليا هيئةٌ قضائيةٌ مستقلة مالياً وإدارياً(

[25] للمزيد انظر القاضي سالم روضان الموسوي ـ حجية أحكام المحكمة الاتحادية العليا في العراق وأثرها الملزم دراسة مقارنة ـ مرجع سابق ـ ص 167

[26] للمزيد انظر للمزيد انظر القاضي سالم روضان الموسوي ـ دراسات في القضاء الدستوري العراقي ـ منشورات مكتبة صباح ـ طبعة بغداد الأولى عام 2019 ـ ص 58

[27] القرار منشور في موقع المحكمة الاتحادية العليا على الرابط الآتي

https://www.iraqfsc.iq/krarat/1/2017/45_fed_2017.pdf

[28] الدكتور عبدالمنصف عبدالفتاح محمد ادريس ـ مرجع سابق ـ ص184

[29] القرار منشور في الموقع الالكتروني للمحكمة الاتحادية العليا على الرابط الآتي

https://www.iraqfsc.iq/krarat/1/2016/2_fed_2016.pdf

[30] انظر الدكتور ابراهيم محمد صالح الشرفاني ـ مرجع سابق ـ ص211

[31] انظر الدكتور ابراهيم محمد صالح الشرفاني ـ مرجع سابق ـ ص213

[32] القرار منشور في الموقع الالكتروني للمحكمة الاتحادية العليا على الرابط الاتي

https://www.iraqfsc.iq/krarat/1/2019/17_fed_2019.pdf

[33] للمزيد انظر الدكتور حافظ هريدي ـ اعمال السيادة في القانون المصري المقارن ـ طبعة القاهرة الاولى عام 1952 ـ ص22

[34] انظر الدكتور ابراهيم محمد صالح الشرفاني ـ مرجع سابق ـ ص220

[35] الدكتور عبدالمنصف عبدالفتاح محمد ادريس ـ مرجع سابق ـ ص188

[36] الدكتور محمد علي سويلم ـ مرجع سابق ـ ص 238