الحراك الشعبي في عامه الأول (الجزءالثالث) -عوائقه وكيفية تجاوزها-

رابح لونيسي
2020 / 3 / 6

الحراك الشعبي في عامه الأول
-عوائقه وكيفية تجاوزها-


ساد ولازال يسود نقاش حاد داخل الحراك الشعبي حول ثلاث قضايا يراها البعض أنها عوائق معرقلة للحراك يجب إيجاد حل لها، لكن هناك من يراها ليست عوائق، بل تدخل في طبيعة الحراك ذاته، ومن أبرز هذه القضايا نجد قضايا التمثيل والتنظيم والهيكلة، وكذلك هل السلمية كافية كسلاح للوصول إلى الهدف أم يجب القيام بعملية تصعيد بوسائل أخرى مع الحفاظ على السلمية؟، وتتمثل القضية الأخرى في مختلف التناقضات وعدم الإنسجام الموجودة داخل الحراك وكيفية تسييرها كي لاتكون سببا في إضعافه وتفتيته. سنحاول تناول هذه القضايا في هذا الجزء الثالث من سلسلة هذه المقالات المعنونة ب"الحراك الشعبي في عامه الأول"، وذلك قبل تناولنا مستقبل هذا الحراك في الجزء الرابع والأخير منها.

أولا- التنظيم والهيكلة
سبق لنا أن نبهنا إلى هذه المسألة، بل دعونا إلى التنظيم والهيكلة في جبهة وطنية واسعة في الإيام الأولى للحراك الشعبي، وذلك في عدة حوارات ومقالات، خاصة في يومية الخبر، وقد طرحت هذه المسألة اليوم بقوة كما طرحناها آنذاك، لكن في ظروف مختلفة تماما، فهناك تفاوت وإختلاف كبير بين بدايات الحراك واليوم، فلنعترف أنه عندما كانت الثورة في أوج قوتها، كان بالإمكان أن ينتظم الشعب بشكل عفوي في شكل لجان في كل الأحياء والمداشر والقرى وأماكن العمل، فتتشكل ما سميتها آنذاك"جبهة وطنية واسعة" تضم الأمة كلها بمختلف أطيافها وشرائحها وتوجهاتها الأيديولوجية والثقافية وغيرها، مما سيفرز نخبا جديدة إنطلاقا من القاعدة حتى القمة، ويسمح لها بالتفاوض فيما بينها داخل هذه الجبهة الوطنية التي ستعرف نقاشا واسعا وحرا، مما سينتج عقدا وطنيا فيما بينها، ويمكن حتى بروز تأسيسية تصيغ دستورا توافقيا بطرق متفق عليها فيما بينهم، ولا يقصي أي أحد، ويتم ذلك كله وفق العقد الوطني بين كل أطياف وتوجهات المجتمع، وستكون هذه الجبهة الوطنية الممثل الوحيد للأمة، وستتفاوض مع السلطة حول آليات النظام الجديد مادام أنها وضعت أرضية سياسية وعقد وطني ودستور توافقي تبنى على أساسه الجزائر الجديدة، ولن يبق لتجسيد ذلك إلا التفاوض حول آليات تحقيق ذلك بمراحل دقيقة بالإتفاق مع السلطة، لكن تحقيق ذلك يتطلب مواصلة الضغط الشعبي بواسطة االمسيرات السلمية وأساليب سلمية أخرى التي ماهي إلا أداة ضغط حتى تتحقق كل عمليات بناء الجزائر الجديدة، لكن غلبت آنذاك كثرة المبادرات والطروحات، فميعت كل الأفكار الجادة المطروحة في إطار الكم الكبير منها للأسف الشديد، فلنعترف ان الأفكار الجادة والبناءة والعقلانية عادة ما تضيع في وسط الصخب والصراخ والخطب الحماسية التي كثيرا ما يكون وراءها أناس يريدون الظهور بدغدغة المشاعر وتخوين كل من يرونه منافسا لهم، وقد روجت السلطة لعملية التخوين بواسطة مواقع التواصل الإجتماعي ضد فاعلين في الحراك وضد مناضلين قدماء تمرسوا على النضال، ويعرفون أساليب السلطة جيدا، مما يتطلب إبعادهم لصالح أناس لايمتلكون تجربة نضالية، ويريدون الصعود لاغير.
كما طغت فكرة عدم تمثيل الحراك لسببين موضوعيين وهما: خشية تفتيت الحراك بفعل الصراع حول التمثيل وخوفا كذلك من سرقة الحراك عبر شراء ذمم مثليه، وقد كان للتجربة التاريخية تأثير كبير في هذا الموقف، خاصة ما وقع للعروش في 2001، لكن نعتقد أن الفرصة لم تضع بعد لإعادة تنظيم الحراك، وذلك بإبداع أساليب جديدة وغير مألوفة وفعالة، وتتماشى مع الأوضاع الجديدة التي جاءت بعد إنتخاب الرئيس تبون.

ثانيا- السلمية وقلب موازين القوى
تبنى الحراك الشعبي السلمية الذي يعد سلاحا فعالا بعد ما ثبت فشل كل الأساليب القديمة خاصة العنفية منها التي تعطي ذريعة للسلطة لقمع الشعب ويسمح لها بتقوية نفسها وكسب شرائح واسعة من الشعب لصالحها، وقد ثبتت التجارب مدى فعالية سلاح السلمية، ومنها مثلا تحرير الهند بالسلمية وباللاعنف بقيادة الماهاتما غاندي، فأي خروج عن السلمية هو نهاية الحراك وموته، وهذا هو ما تبحث عنه بعض العناصر من السلطة التي تريد إبقاء الوضع على ما هو عليه.
نعتقد انه ليست السلمية هي العاجزة عن تشكيل ميزان قوى لمواجهة السلطة كما يعتقد البعض، بل عدم التنظيم الفعال كما سبق وأن قلناه من قبل، فلنتصور لو تشكلت جبهة وطنية واسعة جدا ومنظمة لتصبح كقوة بديلة للنظام، وتتفاوض من موقع قوة بمشروع بديل واضح المعالم وبضغط شعبي قوي جدا، فماذا سيقع؟.
كما علينا الإشارة أيضا إلى عدم القدرة على القراءة الصحيحة لتناقضات النظام التي تتطلب عدم إضعاف أطراف تريد الخير للبلاد، وتريد تلبية مطالب الحراك ولو نسبيا مما سيخدم الأطراف المحافظة المعرقلة لذلك، فلايجب على الحراك التعامل مع النظام كأنه شخص واحد، فليضع في ذهنه أن النظام يحتوي على تناقضات بإمكان الحراك إستغلالها لصالح أهدافه، فالنظام يضم لوبيات ومصالح وأجنحة ووطنيين وغير وطنيين، كما يوجد بداخله من يريد إنقاذ الدولة بنظام ديمقراطي كما يطالب الحراك، ويحتاج هؤلاء إلى مساعدة ذكية من الحراك كي يتمكنوا من البروز والإعلان عن أنفسهم. كما يجب على الحراك أيضا قراءة سليمة للوضع الدولي، فالمشكلة لاتكمن فقط في تغيير آليات عمل نظام، بل هي أعقد من ذلك بكثير، فنحن نعيش اليوم في عالم معقد تتحكم فيه قوى أمبرطورية، فقد تعرضت شعوبنا لإستعمار مباشر نتيجة للثورة الصناعية ورغبة الرأسمالية إنقاذ نفسها بعد ما دخلت في أول أزمة دورية لها في النصف الأول من القرن19، فحلت أزمتها آنذاك بإستعمار بلداننا بحثا عن مواد أولية وتوسيعا لأسواقها كي تسوق فائض سلعها، إضافة إلى البحث عن مناطق للإستثمار، صحيح تمكنت شعوبنا من طرد المستعمر التقليدي لكنه تحول إلى إستعمار ناعم، ورغم ذلك تمكننا من إستغلال الحرب الباردة لتحقيق مكاسب إجتماعية وإقتصادية والتحرر نسبيا بالإستناد على المعسكر الشيوعي وبتطبيق ذكي وفعال لمبدأ الحياد الإيجابي، لكن عادت القوى الرأسمالية بقوة بعد نهاية الحرب الباردة، وفقدت بلداننا إستقلالها دون أن يظهر ذلك بجلاء، فهذه القوى الراسمالية العالمية هي التي تضغط اليوم، وتؤيد في هذه الأنظمة، فلايكفي لك تغيير آليات نظام محلي، بل أيضا يجب علينا التحرر من نظام أسميه بإستعمار رأسمالي ناعم يخدم مصالح شركاته ورأسمالييه بواسطة الأنظمة السائدة والمتحالفة مع رجال مال مصالحهم مرتبطة بهذه المراكز الرأسمالية، وتخدم ضد مصالح شعوبها. نعتقد أن كل هذه الحراكات الواقعة في دول عدة في المنطقة لها علاقة بالإستغلال الرأسمالي العالمي دون أن يتم الإفصاح عن ذلك بشكل واضح، فمن الطبيعي أن تقف هذه القوى الرأسمالية إلى جانب الأنظمة السائدة في بلداننا وضد قيام أي نظام ديمقراطي فعلي في بلداننا، وإلا كيف نفسر الصمت الإعلامي العالمي عن الحراك في الجزائر؟، فلندرك أن الغرب هو أول عدو للديمقراطية في بلداننا لأنها ستمس بمصالحه، وستخدم مصالح الشعوب، فإن كانت القوى الرأسمالية الإستغلالية وتوابعها في بلداننا تتعاون وتنسق فيما بينها، فإن القوى الرافضة لها لاتنسق فيما بينها، ويعمل كل طرف على حدى معتقدا أن تغيير النظام كفيل بتحقيق مكاسب إجتماعية وإقتصادية، فهي لا تعي أصلا ان عمق الصراع هو ذلك، أي له بعد دولي، فمثلا نأخذ تونس التي نجح فيها نوعا ما الإنتقال الديمقراطي، لكنها عاجزة عن حل مشاكلها الإجتماعية والإقتصادية والتنموية دون أن تعي الشعوب لماذا، فتحمل المسؤولية للسلطة المنتخبة ديمقراطيا، وهو ما من شأنه الإنقلاب على هذه الديمقراطية الناشئة بسبب عدم معرفة لب وجوهر الصراع، ولهذا دائما نتحدث عن ضرورة فك الإرتباط بمراكز الرأسمالية العالمية، وطرحنا حلولا لذلك بدفع المستوردين المرتبطين بمصانع هذه القوى مثلا إلى الإقتصاد المنتج لخلق إقتصاد مستقل، ومنها أيضا ضرورة التعاون والتنسيق مع القوى المعادية للعولمة الرأسمالية، وكذلك الإستفادة من تناقضات النظام العالمي وصراعاتها بشكل إيجابي دون الإنخراط في تلك الصراعات، طبعا هذا موضوع طويل جدا يحتاج إلى تعمق أكبر، ولايمكن تفصيله في هذا الحوار .


ثالثا- التناقضات وعدم الإنسجام
فلنضع في الأذهان أن الحراك هو حركة شعبية تتميز بتنظيم أفقي، ومجرد أداة ضغط على السلطة، وليس حزبا أو تنظيما سياسيا، ولهذا يستحيل أن يكون هناك إنسجاما سياسيا وأيديولوجيا بداخله بإستثناء الإتفاق على الهدف الإستراتيجي، وهو تغيير آليات عمل النظام وضروة الإتفاق حول هذه الآليات في شكل عقد وطني ومراحل تحقيقها كما سبق أن أشرنا إلى ذلك آنفا، وللأسف لازال الحراك لم يتمكن من بلورة أرضية مشتركة على الأقل بالنسبة للآليات ومراحل تحقيقها.
أن لهذا التنظيم الأفقي للحراك دور يمكن إعتباره سلبيا من البعض، لأنه كلما برزت شخصية، وحاولت أخذ القيادة يتم حرقها سواء من الحراكيين أنفسهم أو من بعض عناصر السلطة ذاتها بتشويهها بواسطة أدواتها الإعلامية، وعلى رأسها وسائط التواصل الإجتماعي، خاصة إن كانت السلطة تعرف أنها غير قادرة على توظيف هذه الشخصيات لصالحها.
أن الحراك الشعبي ليس حزبا، فهو حركة شعبية ضاغطة على السلطة، وتضم كل التيارات الأيديولوجية والثقافية والمناطق والأطياف السياسية وتعددية الرؤى والمشارب وغيرها، فهو تعبير عن أمة بكل تناقضاتها السياسية والأيديولوجية والطبقية والثقافية وغيرها، وهي تناقضات طبيعية موجودة في كل أمم الأرض، لكن الفرق فقط هناك أنظمة رفضت حل هذه التناقضات ديمقراطيا مثل بلدنا نظرا لعدم إدراك البعض للأسف سواء في السلطة أو في المجتمع المفهوم الحقيقي للديمقراطية، فلنعترف بوجود البعض يعتقدونها أنها دين أو أيديولوجية في مواجهة أيديولوجية أخرى، فليعلم هؤلاء انه ليس كذلك على الإطلاق، فالديمقراطية هو الحل السلمي لمختلف التناقضات السياسية والأيديولوجية والثقافية والإجتماعية وغيرها الموجودة في كل مجتمع وأمة، وإن كانت تعتمد الإنتخابات في كل المستويات، لكن ليس معنى ذلك فرض الفائزة في الإنتخابات أي الأغلبية السياسية ما تريده على الجميع، لأن هذه الأغلبية السياسية اليوم يمكن أن تصبح أقلية غدا، فالديمقراطية مرتبطة أيضا بمجموعة مباديء يجب على الجميع الإلتزام بها ومنها: إحترام كل الحريات دون أي تمييز كان والتداول السلمي على السلطة بواسطة إنتخابات دورية والتوازن بين السلطات كي لاتطغى أي سلطة على الأخرى، وكذلك إستقلالية القضاء المكفول بمنع أي وصاية عليه، ويتم تسييره عبر مجلس أعلى للقضاء ينتخب بكل حرية من رجال العدالة لمدة محددة مع ضمان شروط الترشح إلي هذا المجلس، ومن أهم مباديء الديمقراطية مبدأ المواطنة الذي هو هام جدا لمجتمعنا، ويجب الترويج له بقوة في إطار عملية البناء الديمقراطي، فلا يقصد فقط بمبدأ المواطنة كما يعتقد البعض المساواة في الحقوق والواجبات، بل يقصد به أيضا إحترام كل مواطن للآخر في معتقداته وآرائه وفي كل ما يعتقده ويراه حول أصله أو دينه أو هويته وغيرها، لكن مع منعه من تعميمها إلى أي كان، أي تبقى هذه المسائل قضايا فردية، وبتعبير آخر نشترك كلنا في الإنتماء للجزائر وخدمتها والولاء لها، لكن مسائل الهوية والأصول والمعتقدات وغيرها تتحول إلى مسألة شخصية فقط، وبذلك فقط يمكننا الحفاظ على الوحدة الوطنية المهددة اليوم بصراعات هوياتية خطيرة، فما يجعلنا نبتهج ببعض مكاسب الحراك هو التطبيق العملي والميداني بداخله في كل المسيرات، حيث نجد كل مواطن يحترم الآخر، حتى ولو أختلف عنه، وهو مايعتبر بعض بوادر النظام الديمقراطي القادم.
أن أكبر سؤال مطروح على الساحة اليوم هو حول مستقبل الحراك وهل للسلطة خطط للقضاء عليه؟، فإن كانت موجودة، فمما تمثل وكيف سيتم مواجهتها؟، هل يمكن للحراك تحقيق أهدافه كاملة أم جزئيا؟، فهل ستسعى أطراف من داخل النظام لتجسيد أهداف الحراك إقتناعا منها بضرورة إنقاذ الدولة الوطنية من الإنهيار؟، هذه القضايا وغيرها هي التي سنتناولها في الجزء القادم والأخير من هذه السلسلة من المقالات.

يتبع بالجزء الرابع وألأخير