المديونية الخارجية لمصر...إدمان الاقتراض

احمد البهائي
2020 / 3 / 4

في احد اللقاءات قال وزير المالية المصري محمد معيط: "للأسف الشديد، نستدين من أجل سداد أعباء الديون، والرئيس عبد الفتاح السيسي أعطى لموضوع الديون أولوية، عن طريق وضع إستراتيجية لتخفيض الدين والسيطرة عليها"، ثم أعقبه بتصريح آخر، قال فيه "إن مصر تهدف طرح إصدار سندات بالعملة الأجنبية على مراحل في الفترات القادمة " ،هذا ما حدث بالفعل، حيث تم طرح سندات دولية بأكثر من 6 مليارات دولار، خلال العام المالي 2018-2019 ، والان ، بدأت وزارة المالية، الإجراءات التمهيدية لطرح ما يسمى سندات حكومية دولية خضراء .

بعد أن تسلمت مصر الشريحة الخامسة بقيمة ملياري دولار من صندوق النقد الدولي، وقيمة الإصدارات الاخيرة من السندات الدولية والتي تقدر 6.250 مليار دولار(4 مليارات حصيلة بيع السندات الدولية بالدولار، بالإضافة إلى ملياري يورو اي 2.250 مليار دولار)، إرتفع الدين الخارجي ليتعدى 109 مليار دولار،بتلك الزيادة قفز الدين الخارجي للدولة المصرية بنسبة 150% خلال السنوات الخمس الماضية ، التي منها ثلاث سنوات هي سنوات برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تم الاتفاق عليه مع صندوق النقد الدولي، فقد زاد الدين الخارجي في مصر بمعدل 17٪ خلال عام 2018، بينما زاد الدين الخارجي للبلاد20.4 % على أساس سنوي في عام 2019 ما جعل مصر أسرع دول المنطقة نموا من حيث الدين الخارجي، أي أكثر من ثلاثة أضعاف النمو في الناتج المحلي ، حيث اصبح الدين الخارجي يعادل مرتين ونصف ضعف الاحتياطيات من العملات الأجنبية ، وأربع أمثال الصادرات المصرية ، ناهيك عن دين اخر يقدر بحوالي 25.5 مليار دولار،يمكن ان يضاف اليه ، هو ما يعرف باستثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية وقيمة أذون الخزانة (الأموال الساخنة) التي اشتراها الأجانب وذلك وفقا لبيانات مارس 2019 ، وقد يشكل ذلك عبئا ثقيلا على الاقتصاد المصري الذي يعاني عجزاً في الموارد الدولارية .

رغم ذلك ، تجد هناك من يردد أن نسبة رصيد الدين الخارجي إلى الناتج المحلي ما زالت في حدودها الآمنة، على الرغم من أنها اقتربت من 50%، متناسين أن الإعتماد على هذا المؤشر يتطلب إقتصاداً متوازناً، بمعنى مساهمة الناتج المحلي الإجمـالي بالنـصيب الأكبر في حجم الإنفاق القومي، بشقيه الإستهلاكي والإستثماري، كذلك تناسوا أن الإقتصاد المصري يعاني من عيوب هيكلية، وأن الإفراط في الإقتراض من الخارج من أجل سد الفجوة التمويلية، وحل أزمة نقص العملة الصعبة في السوق، زادت من أعباء خدمة الديون المستحقة (فوائد القروض وأقساطها)، ما ساهم في اقتطاع جزء كبير من إجمالي النـاتج المحلـي للوفـاء بالتزامـات المديونية الخارجية، بل واللجوء الى الإقتراض من جديد من أجل الوفاء بتلك الإلتزامات على حساب تمويل الواردات. ونتيجة عدم قدرة الحكومة على تمويل الواردات من السلع، ساهم فـي حـدوث انخفاض في حجم العرض الكلي من السلع والخدمات، مع تزايد حجم الطلب الكلي، الأمر الـذي مازال يـدفع الأسـعار نحو الارتفاع، وبالتالي ساهم في زيادة عجز الموزانة وعجز الحساب الجاري .

مؤشر رصيد المديونية الخارجية إلى الصادرات يعتبر الأمثل في معرفة ما إذا كانت الديون الخارجية لمصر في حدودها الأمنه أم لا ، وفي أي خانة تقع ، حيث توصف مديونية البلد بأنها معتدلة إذا كانت نسبة رصيد المديونيـة الخارجيـة إلـى إجمالي الصادرات أقل من 200% في حين توصف مديونية البلد بأنها مرتفعة إذا كان رصيد مديونيته الخارجية تشكل ما بين 200 -%350%من إجمالي الصادرات، غير أن ارتفاع رصيد المديونية الخارجيـة عـن 350 %يصف مديونية البلد بأنها متفاقمة.
بتطبيق ذلك المؤشرعلى مصر ،ومعرفة في أي خانة تقع ،لتوصيف المديونية الخارجية ، نجد ان 2016 كانت توصف المديونية الخارجية لمصر بأنها مديونية مرتفعة (256 %)،بينما في 2019 توصف مديونية مصر الخارجية بالمديوتية المتفاقمة (426%) ،والتي يمكن الحصول عليها من خلال قسمة المديونية الخارجية على الصادرات الخارجية مضروبة في مائة ، وخاصة إذا علمنا ان 2016 و2019 ، كانت المديونية الخارجية (55.764 و108.7 )مليار دولار، وقيمة الصادرات (21.7 و25.5 )مليار دولار.
معروف ان حصيلة الصادرات من النقد الأجنبي، تمثل المصدر الرئيسي لسداد أعباء الديون وتمويل الواردات ، فالزيادة في حجم المديونية الخارجية ساهمت في زيادة الأعباء المترتبـة عليهـا من أقساط وفوائد ، تلك الأعباء تستقطع الجزء الأكبر من النقد الأجنبي لسدادها ، مما ساهم في ظل محدودية موارد النقـد الأجنبـي إلـى زيـادة الـضغوط التضخمية ، نتيجة عجز الحكومة عن تمويل وارداتها مـن الـسلع والخـدمات ، وقد ترتب على إرتفاع أعباء خدمة المديونية الخارجية المسددة (فوائد وأقساط الديون تناهز نحو 800 مليار جنيه اي ما يعادل 45.2 مليار دولار)، انخفاض القدرة الاستيرادية للاقتصاد الـمصري المعتمدة على المصادر الحقيقية للنقد الأجنبي من 24% عام 2016 الى 18% عام 2019 ، والتي يمكن الحصول عليها من قسمة الرصيد المتبقي من صافي الصادرات ( طرح خدمة أعباء الدين الخارجي من قيمة الصادرات)على قيمة الواردات مضروب في مائة ، وخاصة إذا علمنا ان في 2016 و2019 كانت قيمة الصادرات(21.7 و25.5)مليار دولار ،وأعباء خدمة الدين الخارجي( 5.2،13.4 ) مليار دولار ،وقيمة الواردات(68 و66 )مليار دولار،كذلك في نفس الوقت إرتفعت العمليات الإستيرادية الممولة بالقروض الخارجية من 76% عام 2016 الى 82% عام 2019 ،التي يمكن الحصول عليها من خلال طرح المقدرة الاستيرادية للاقتصاد لكل عام من مائة .
أي دولة مهما تدنى تصنيفها الإئتماني يمكنها الإقتراض من الخارج، ومن الملاحظ أن مصر زاد اعتمادها على القروض الخارجية في السنوات الأخيرة بشكل تحول من الإفراط الى الإدمان ، ليس لتمويل الواردات المحلية فقط، بل لسداد اعباء خدمة الدين ، وتوجيه بعض متحصلات تلك القروض نحو مشروعاتٍ ذات طبيعة غير اسـتثمارية واستخدامها وتوظيفها في تمويل مشروعات منخفضة الإنتاجية ، إنخفاض عوائد تلك المشروعات وعجزها عن الوفاء بالالتزامات الناشئة عـن تلـك القروض، وفي ظل محدودية موارد الدولة من النقد الأجنبي، وارتفاع معدلات الفائدة على القـروض الخارجيـة، أدى ذلك إلى ارتفاع تكلفة الاقتراض الخارجي، وبالتالي زيادة أعباء الدين الخارجي، ما جعل الاقتصاد عرضة لمشكلات مالية وإقتـصادية كبيرة، حيث توصف المديونية الخارجية لمصر بأنها متفاقمة لإرتفـاع متوسـط نسبتها إلى إجمالي قيمة الصادرات عن 350%، ليؤكد لنا فشل السياسات النقدية والمالية في اعتمادها على القروض الخارجية وعلاج الإختلالات الناجمة عن الزيادة في المديونية الخارجية، حيث انتقلت الحكومة من مرحلة التوسع والإفراط في الإقتراض من الخارج إلى مرحلة الإدمان، وهذا ما يؤكّده تصريح محافظ البنك المركزي، طارق عامر، إذ قال: "ليس لدينا أي قلق من مستوى الدين الخارجي، وقدراتنا أكثر بكثير، ونتحمل دينا خارجيا أكثر بكثير من ذلك". هنا الخطورة، فقد سلطت مؤسسات اقتصادية دولية عديدة الضوء على ديون مصر الخارجية، ووضعها ضمن سبع دول ناشئة معرّضة لمخاطر عالية، بسبب إرتفاع تكلفة الديون وسعر الفائدة، على الرغم من وصول الإحتياطي النقدي المصري إلى مستوى مرتفع، إلا أنه يوصف بالهش الضعيف، بسبب التزام مصر على المدى القريب والمتوسط بسداد أقساط وفوائد ديون خارجية وودائع من دول أجنبية، خصوصا أنه تم بناؤه في الأساس من الحصول على قروض خارجية، وقد يسبّب ذلك ضغوطا سلبية على تصنيف مصر الإئتماني، ويضعف المقدرة على السداد في الآجال المحددة.
ما نخشاه أن يتكرر المشهد الأرجنتيني عام 2002، وهنا سيكون أشد ضراوة في مصر عنها في الأرجنتين، أو تكرار السيناريو الذي تعرّضت له مصر خلال حكم الخديوي إسماعيل عام 1882 عند إنشاء قناة السويس.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية