المجتمع المصرى والسياسة: مشاهد تنذر بالخطر

محمد السعدنى
2020 / 3 / 4

فى تاريخ العمران والممالك والدول لم تكن السياسة ونظم الحكم والعسكرية والاقتصاد وحدها انعكاساً لصورة المجتمع، إذ شاركها فى هذا تطور العلم والفن والرياضة والأدب، حيث عبرت جميعها عن قوة الدولة وتماسكها إذا ما تكاملت وتواكبت نجاحاتها، أو جاءت تعبيراً عن الضعف والتخلف إذا ما تناظرت وتناثرت عطاءاتها وتعثرت هنا أو هناك. فالمجتمع أى مجتمع يتكون من طبقات وفصائل مختلفة من الناس فكراً وثقافة وسلوكاً واعتقاداً. وحتى يكون المجتمع قوياً فلابد أن تجتمع كل مكوناته وتنتظم فى سياق من القانون يحكم حركتها، وفكرة قومية تجمع إرادتها وتحفزها للتقدم والنهضة، فى إطار من سياسات تعمل لصالح الكل المتماسك بما يشكل صورة عامة أشبه ماتكون بفسيفساء فنية اجتمعت عناصرها وتراصت وتماسكت رغم اختلاف مصادرها وأنواعها. هنا تأتى الصورة والواجهة التى لاتسمح بتهميش أو تغييب أو حجب أى مكون من المجتمع حتى لا يتعطل عمله أو تأتى نواتجه منقوصة فيها من التعتيم والالتباس ما يدعوا للحيرة والانقسام والقعود والتردد.
والفسيفساء فن تشكيلى تتكون فيه الصورة من لصق قطع مختلفة الحجم واللون من الرخام أو الزجاج أو القرميد أو البلور أو الصدف، تبدعها يد الفنان فى تناسق وتناغم، وإبداع تجاوز حدوده وانطق الحجر فجمل المساجد والقصور والمآذن والقباب والنوافير والمتاحف. شاهد على ذلك الجامع الأموى فى دمشق وقبة الصخرة فى القدس وقصر الخليفة هشام بن عبد الملك فى أريحا- فلسطين.
ومن أسف فإن الفسيفساء السياسية والفكرية والثقافية والفنية وحتى الرياضية فى بلادنا جاءت صورتها باهتة معتمة، يعتريها كثير من الضعف والهزال والإفلاس رغم محاولات حثيثة هنا وهناك تعلن عنها الدولة، ويخزلها كثيرون ممن يفتقدون تقدير مسئولياتهم أمام المجتمع والتاريخ.
ودعنى أسوق لك بعضاً من نماذج تشوه فسيفسائنا وتسئ إلى تجربتنا المصرية وتنتقص من صورتنا، بما يوحى بعدم إكتمال الرؤية وفقدان الوعى وإضطراب الضمير الجمعى لهذه الأمة التى فاجأتنا بعدد من المشاهد لا تتفق مع صورة بلادنا التى نريدها. وأنظر إلى مشهد محافظ القاهرة وهو يقف بين مجموعة محدودة من العمال البسطاء يحاولون السيطرة على سيل الأمطار الجارف بالمكانس البدائية، وكان لديه قبلها الوقت للتخطيط والدراسة والاستعداد ولم يفعل، وسبق لرئيس الجمهورية أن نبهه إلى ضرورة الإلمام بإمكانات ومشكلات القاهرة أكثر من مرة، واتضح من إجاباته أنه آخر من يعلم عن موازنة محافظته ومشروعاتها، ورغم مرور أزمة الأمطار على القاهرة فى عهده أكثر من مرة، إلا أنه مثل نموذجاً للفشل وسوء الإدارة وضعف الإمكانات وغياب الرؤية. وسبق أن خاطبناه هنا مرتين عن النظافة والطرق والمخالفات الجسيمة فى الشارع والتجاوز فى حق البيئة ومصالح المواطنين وشرحنا له المطلوب، ولم يحر جواباً ولم يقم بأى عمل، هذه صورة لمسئول يسئ إلى الدولة، ولابد من محاسبته هو وأمثاله الذين تسببوا لإحراج مصر كلها بتقاعسه وعدم كفاءته.
وأنظر إلى الصحفى الكبير رئيس الهيئة الوطنية للإعلام إذ خرج علينا الأسبوع الماضى ليقول "حرية الرأي في مصر منقوصة، وهناك تكميم للأفواه، والتخويف واضح ضد التعبير عن الرأى، وأن الصحف تصدر لقارئ وحيد هو الرئيس"، بينما كانت آراؤه المعلنة قبل تعيين أسامة هيكل وزيراً للإعلام عكس ذلك تماماً، ترى هى صلاة مودع أم تار بايت؟. وأنا لا أناقش صحة ماقال لكنى أتساءل مع غيرى ماذا عساه يفعل وما دوافعه؟.
وأنظر إلى رئيس إحدى مؤسساتنا الثقافية العالمية الكبرى الذى يتباهى علناً بعدد الساعات الثمينة التى حصل عليها ورهط من زملاء له إبان حكم مبارك فى رحلاتهم لدول الخليج، وياله من عار. ثم أنظر إلى حال الرياضة وكيف يتلاعب بصورتها ويحطم قيمها شخص تجاوزت تصرفاته كل معقول أو مقبول. ثم أنظر كيف كان تصرف المجتمع حيال وفاة وجنازة الرئيس الأسبق حسنى مبارك، لترى مدى التشوه الذى أصاب وعى الناس، فإذا كان قديساً فلماذا قاموا بالثورة عليه، وإذا كان ظالماً فلماذا راحوا ينعونه ويتباكون على أيامه؟.
هذه صور تشى بأننا أمام مجتمع تضعضعت فسيفساؤه، ومسئولين افتقدوا للحس السياسى والأخلاقى، وجماهير ضلت طريقها فخرجت من الصورة وغاب عنها الوعى، وجميعها مشاهد تنذر بالخطر.