البستان

حسين محمود التلاوي
2020 / 3 / 3

عندما استيقظ من منامه، اقتحمت أنفه رائحة عطرية قوية. كانت الرائحة قوية، لكن ذهنه المشوش من أثر النوم لم يجد تفسيرًا سوى أن بعض الجيران رشوا أحد معطرات الجو في منزلهم؛ فتسللت الرائحة إلى منزله. لكنه عندما أزاح الغطاء من فوق رأسه مبعثر الشعر، انتفض جالسًا من فوره على الفراش في انتفاضة لم يعرفها جسده ربما منذ سنوات.
لقد وجد نفسه وفراشه وسط بستان من الزهور.
بالفعل كان الفراش وسط بستان زهور يمتلئ بمختلف أنواع الزهور التي كانت تنتشر من حوله على مد بصره حتى لتكاد تحجب السماء من فوقه. نهض من الفراش؛ وهو يبحث عن خفه المنزلي ليجده بجوار فراشه كما اعتاد أن يتركه كل ليلة. ولكنه في تلك المرة لم يكن مثلما اعتاد أن يراه كل صباح؛ فقد كان يكاد يختفي أسفل الأوراق المتساقطة من الأزهار المحيطة بالفراش، والتي تملأ المكان بأنواع مختلفة منها ما لم يره في حياته من قبل.
في البداية تردد في أن يسير ليستكشف المكان؛ فقد خشي من حدوث مكروه لم يكن حتى في استطاعته أن يتخيله لكنه كان يتوقعه. وبعد فترة قال في نفسه: "لعله حلم، وسوف أستيقظ منه قريبًا"، لكن الأزهار، وروائحها النفاذة، وضوء الشمس المتألق فوق أوراق الأزهار المختلفة، ولون السماء، وكل شيء حوله أقنعه بأن الأمر ليس حلمًا. ماذا إذن؟!
لم يكن أمامه حل سوى أن يتجول في المكان لكي يكتشف سر الأمر. لكنه لم يخط عدة خطوات إلا ولاحت له أفعى هائلة الحجم فاغرة فاها الذي كان يتسع لحمل صغير. حاول أن يختبئ خلف الأزهار، لكن حفيفًا من خلفه أوضح له أن الأفعى على درجة من الطول جعلتها تحيط به إحاطة كاملة؛ فتوقف عن المحاولة، وأغمض عينيه، ونطق بالشهادتين مستسلمًا لمصيره.
لكن لحظات مرت دون أن يحدث شيء... لم تهجم الأفعى... لم تعتصره... لم تلتهمه... لم تفعل شيئًا. وبينما كان يفكر في أن يعيد فتح عينيه، سمع صوت ضحك بشري. عندها فتح عينيه بسرعة ليرى من يكلمه، لكنه لم يجد أحدا...
راح يتلفت حوله، والأفعى تنظر إليه بعد أن أغلقت فمها، لكنه لم ير أحدًا؛ فنظر إلى الأفعى بشكل لا إرادي، وكأنه يبحث لديها عن جواب، ويبدو أن الأفعى لم تشأ أن تخيب ظنه؛ فلذهوله، ضحكت بطريقة بشرية، وبصوت مشابه للصوت الذي سمعه، وهو مغلق العينين؛ فراح يحدق فيها بذهول دون أن يستطيع أن يتفوه بحرف واحد.
لكن الأفعى لم تتوقف عن الضحك، بل وجدها تقول في صوت أنثوي: "هل اعتقدت أنني سوف أفترسك؟!"، ثم عادت للضحك ثانيةً وكأنها لا تنتظر منه ردًّا، أو لا تأبه لسماع رده؛ فقال هو في حنق: "وما الذي يمكن للمرء أن ينتظره من أفعى مثلك؟!".
هنا قطبت الأفعى ما بدا أنه جبينها، وقالت في شيء من الضيق: "لا تبادر بأن تخطئ. لاحظ أنني لم أفعل بك أي سوء... ولو بكلمة".
انتبه إلى أن ما تقول صحيح؛ فقال في شيء من الاعتذار: "حسنًا... لا مشكلة"، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يتابع قائلًا: "أين أنا؟! وكيف أتيت إلى هنا؟!".
قالت الأفعى في هدوء: "رائع... لقد بدأت تستعيد رشدك... لذلك أقول لك: حاول أن تعرف بنفسك".
هنا انفجرت كل مشاعر التوتر والغضب الكامنة في أعماقه؛ فقال في ثورة: "كيف؟! كيف أعرف؟! كيف أعرف وأنت تحيطين بي، وتستطيعين خنقي في لحظة واحدة؟!"، ثم اختنقت الكلمات في حلقه من فرط الثورة قبل أن يتمالك نفسه قليلًا، وهو يضيف: "ثم... أنا أخاطب أفعى! هل تستطيعين أن تفهمي؟! كيف؟! أقصد... كيف أسيطر على أعصابي في مثل هذا الموقف؟! ثم..."، وراح يلوح بيديه مشيرًا إلى كل ما يحيط به قائلًا في ارتباك حقيقي: "ثم... ما كل هذه الأزهار؟! أعني... ما... ما كل هذه الأزهار؟! ما...؟!".
قاطعته الأفعى قائلةً في تساؤل: "هل تكره الأزهار؟!".
أجابها قائلًا: "لا، ولكن..."، ثم غرق في التفكير لثوانٍ لم تقاطعه خلالها الأفعى قبل أن يقول: "ولكن الإنسان عدو ما يجهل".
فقالت على الفور: "وصديق ما يرغب"، وتابعت دون أن تنتظر تعليقًا منه: "ألا ترغب في أن تعيش إلى الأبد في مكان مثل هذا؟!"، وراحت تتلفت يمنة ويسرى وكأنها تشير إلى المكان من حولها، وهي تتابع: "أزهار في كل مكان... سماء نقية... شمس ساطعة...".
قاطعها في عصبية قائلًا: "وكيف أعيش فيه؟! أين الطعام؟!"، وتابع في ارتباك حانق: "ولماذا؟! لماذا أترك عالمي من الأساس؟! لماذا...؟!".
سألته في هدوء بدا عجيبًا في مقابل عصبيته: "ولماذا لا تتركه؟!".
نظر إليها في غضب، لم يلبث أن تحول إلى استفسار، ثم استنكار ظهر في سؤاله لها: "ولماذا أتركه؟! لماذا؟! عالمي... فيه كل ما أعرف ومن أعرف...".
عادت لتسأله: "وهل تحبه؟!".
أجابها في سرعة: "ربما لا أحبه، ولكنني أألفه".
فقالت: "وربما تألف هذا العالم أيضًا".
فقال في ألم: "ولماذا يتعين عليَّ أن أترك عالمي؟! لماذا؟!".
أجابته الأفعى: "لأنك لا تحبه... لأنك تعيش فيه فقط؛ لأنك تألفه... لمجرد الألفة تترك كل هذا الجمال".
فكر في كلامها قليلًا قبل أن يجلس في مكانه على الأرض الزهرية، وفجأة قال لها: "ومن أدراني أنك لا تخدعينني؟!".
فقالت في هدوء متسائلة: "ولماذا أخدعك؟!".
قال: "لأنك أفعى!".
قالت في صوت تسلل إليه بعض القسوة: "لو كنت أريد أن أفعل بك مكروهًا، لكنت قد فعلت من اللحظة الأولى... بل ربما حتى قبل أن تنتبه".
عاد يقول في حيرة: "ربما... ربما..."، قبل أن يقول في انتصار، وكأنه وجد الإجابة: "ربما تريدين مني أن أفعل لك شيئًا لا تستطيعين فعله".
سألته في ثبات: "مثل ماذا؟!".
قال في سرعة: "تحتاجين دم إنسان".
انطلق صوت الضحك منها عاليًا، قبل أن ترفع ذيلها وتهوي به إلى الأرض ثانية محدثة ضوضاء هائلة وناثرة أوراق الأزهار في كل مكان، قبل أن تقول: "أرأيت قوتي؟! لو كنت أريد بك مكروهًا، لفعلت. لو كنت أريد دمك، لحصلت عليه... لو كنت أريد أي شيء لحصلت عليه. يتعين عليك أن تكون متأكدًا من ذلك".
أطرق برأسه في استسلام، قبل أن يقول: "أريد أن أتناول قدحًا من القهوة".
لم يكد ينتهي من طلبه حتى وجد دخان قهوة ساخنة ينبعث أمامه من قدح فاخر استقر على صينية لا تقل فخامة. تشمم دخان القهوة قبل أن يقول: "بالطبع من النوع الذي أفضله".
قالت الأفعى مبتسمة: "بالطبع".
فسألها وهو يحتسي أول رشفة: "هل مت، ودخلت الجنة؟!".
قالت الأفعى في هدوء: "كلا".
وساد الصمت بينهما لفترة تعالى خلاله صوت حفيف الأزهار، ورشفات القهوة، قبل أن تقول الأفعى: "ألم تخش أنني وضعت لك شيئًا سحريًّا في الفنجان؟!".
تأمل الفنجان في يده في قلق قبل أن يقول: "لو كنت تريدين أن تفعلي بي مكروهًا، لكنت قد فعلت!".
قالت الأفعى ضاحكة: "لقد بدأت في استيعاب منطق الأمور هنا".
نظر إليها مليًّا، قبل أن يسألها: "هنا؟! ماذا هنا؟!".
قالت، وهي تبعد ذيلها عن طريقه في حركة مهيبة: "استكشف المكان".
سار عدة خطوات ليفاجأ بمشهد لم يكن يتخيل أنه موجود...
كان المكان يبدو بالفعل كالجنة كما تخيلها...
أنهار تتدفق من جبال خضراء وحمراء ومن كل الألوان، وسماء صافية، وشمس حنون تسكب أضواءها على الأنهار فتتألق المياه كآلاف الشموس الجارية...
والأشجار... كانت الأشجار تتناثر في كل مكان حاملة ما لذ وطاب من الفواكه والخضروات التي يعلم أسماءها والتي لا يعلم أسماءها...
فقال في انبهار: "لا ريب أنها الجنة".
فقالت الأفعى: "أؤكد لك أنك لم تمت بعد، ولم تدخل الجنة"، ثم سألته بعد صمت: "ولماذا تعتقد أنك إذا مت، سوف تدخل الجنة؟!".
فاجأه السؤال، لكنه قال دون أن يخلو صوته من تلعثم: "حسنًا... ربما لم أؤذ أحدًا... ربما...".
قاطعته قائلة: "حقًّا؟!".
هنا سألها في حدة: "ماذا تريدين؟!".
قالت له في هدوء: "لا أريد شيئًا من هذا السؤال... ولكنني أريد منك إجابة على سؤال آخر... هل سوف تمكث هنا؟! أم تعود من حيث أتيت؟!"، وأضافت الجزء الأخير من السؤال بطريقة ذات مغزى.
فكر قليلًا قبل أن يقول: "سوف أعود".
عادت تقول في اللهجة نفسها: "لكنك سوف تخسر فرصة العودة إلى هنا إلى الأبد".
سألها في عصبية بالغة: "وماذا هذا الـ"هنا"؟! أين أنا؟!".
أجابته في ثبات قائلة: "أنت في نصفك الآخر!".
هبطت عليه الإجابة كالقنبلة؛ فنظر إليها في ذهول استمر لنحو نصف دقيقة، قبل أن يسألها في صوت مبحوح من فرط الذهول: "داخل نفسي؟!".
أجابته قائلة: "نعم".
فتح فمه ليقول شيئًا، لكنه أطبقه مرة أخرى، وراح يتمتم بعبارات لم تسمعها الأفعى، قبل أن يقول في الصوت المبحوح ذاته: "إذن... إذن أنا إنسان رائع".
ابتسمت في سخرية وإشفاق قائلة: "الأمر لا يتعلق بالصلاح من عدمه"، وأضافت بعدما رأت الحيرة تتدفق مع عينيه في أنهار من الدموع: "سوف أشرح لك".
بدا عليه الإنصات، وهي تقول: "لكل إنسان جانبه الخير وجانبه الشرير. عندما يتعامل الإنسان مع الآخرين ومع ظروف الحياة يبدأ في الكشف عن نوازعه الخيرة والشريرة. ولكن لما كانت ظروف الحياة ضاغطة، تبدأ النوازع الخيرة في التراجع لتسود النوازع الشريرة، أو على الأقل لتصبح متحكمة بشكل كبير"، وسألته وهي تنظر إلى حيرته: "هل تفهم ما أقول؟!".
أومأ برأسه إيجابا؛ فعادت تتابع: "الآن أنت داخل نفسك قبل أن تتلوث... داخل نفسك النقية... هل تريد أن تبقى نقي النفس؟!".
بدت على وجهه ملامح التفكير، قبل أن يقول: "هذا يعني أنني سوف أعيش هنا منفردًا؟ لا ناس... لا علاقات... لا تعاملات... لا ضغوط... لا إيجابيات ولا سلبيات... أنا فقط ونفسي الطيبة".
أجابته قائلة: "بالضبط... لقد استوعبت الأمر سريعًا وجيدًا. هناك آخرون لم يفهموا الأمر، وظلوا هائمين على وجوههم في الحد الفاصل بين العالمين".
سألها في اهتمام: "وهل جاء إلى هنا آخرون غيري؟!".
أجابته قائلة في ابتسام: "كلا بالطبع؛ فأنت داخل نفسك... الآخرون أتوا إلى داخل نفوسهم".
أومأ برأسه علامة الفهم، وأطرق برأسه إلى الأرض مفكرًا.
ولما طال تفكيره، قالت له: "ماذا قررت؟!".
فنظر إليها بملامح مرهقة قبل أن يقول: "دعيني أفكر".

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار