الثقافة كمنتج اجتماعي، والعوامل التي تؤثر فيها

حسين محمود التلاوي
2020 / 3 / 2

بما أن الثقافة منتج اجتماعي، فإن العوامل التي تؤثر في تطورها هي من العوامل التي تساهم في تطور المجتمع الإنساني، وإن كانت الثقافة قد تتأثر بعوامل أخرى من أهمها العوامل والمؤثرات الداخلية. وبشكل عام فإن من أبرز العوامل التي تسهم في تشكل الثقافة وتؤثر في تطورها:

1. البيئة: نقصد بالبيئة هنا الموقع الجغرافي والظروف المناخية التي تحيط بالمجتمع؛ فعلى سبيل المثال تؤثر المعيشة في الصحراء على طريقة تفكير الفرد؛ مثلًا بإضافة اعتبارات الصبر على طريقة التعامل مع الحياة. كذلك فإن الساكنين في مناطق تعتمد على الصيد تغلب على ألفاظهم مصطلحات معينة، ووسيلة معيشة وإنفاق مختلفة عن غيرها من الأنماط السائدة في المجتمعات الأخرى غير المعتمدة على الصيد.
2. الدين: يؤثر الدين الذى يعتنقه المجتمع بصورة كبيرة على فكر ورؤى الأفراد للحياة الإنسانية وطريقة تعاملهم معها، إلا أن بعض المجتمعات التي تتبنى العلمانية اتجاهًا لها نلحظ نقص التأثير الديني في سلوكيات المجتمع. بيد أنه حتى في هذه المجتمعات العلمانية قد نجد شرائح من الطبقات الوسطى والفقيرة تتبنى الفكر الديني وسيلة أساسية لصياغة فكرها الاجتماعي وكذلك الإنساني.
3. طبيعة المجتمع السياسية: يعتبر شكل الوحدة السياسية التي ارتضاها المجتمع — وذلك في حالة المجتمعات المتقدمة سياسيًّا — من أبرز المؤثرات التي تلعب دورًا في الصياغة الثقافية للمجتمع؛ فالمجتمع الملكي غير المجتمع الجمهوري؛ فكل منهما له فكرة الخاص ومنظومته الثقافية. وقد يقول البعض إن النظام السياسي هو إفراز للثقافة الاجتماعية؛ بمعنى أن المجتمع قد صار ملكيًّا؛ لأنه يتبنى اتجاهًا معينًا في الحياة. وهذه المقولة سليمة إلى حد كبير، إلا أنه في المراحل التالية بالمجتمع تأتى أجيال تعتبر النظام الملكي أو أي نظام سياسي آخر من الموروثات الثقافية؛ مما يساهم في بلورة المنظومة الثقافية لهذا الجيل.
4. المؤثرات الخارجية: تنتعش ثقافة المجتمعات أو تصاب بالركود وفق درجة تأثرها بالأفكار والقيم الوافدة من الخارج. ويتحكم في هذا التأثر عدد من العوامل؛ وهى قوة المؤثر، ومدى تماسك الثقافة، وطبيعة القيم والاتجاهات العامة السائدة في هذه الثقافة؛ فإذا ما كانت الثقافة على مستوى معين وعالٍ من التماسك، فإنها تتأثر وفق الدرجة التي تحددها لنفسها بالمؤثر الوافد من الخارج، وهذا يعتمد على درجة ثقافة المجتمع وأفراده ووعيهم؛ أي أن الثقافة في درجة تأثرها بالوافد من الخارج تكون واقعة تحت سيطرة عامل درجة ثقافة الشعب وقوة تمسكه بالثقافة التي يتبناها.
لذلك إذا ما كانت الثقافة هشة كان الاختراق الخارجي قويًّا ويزيده قوة عدم وجود أي رد فعل قوى من جانب القوى الاجتماعية المتفقة، أو التي تحمل لواء نشر الثقافة في المجتمع، أو المناط بها رسميًا نشر هذه الثقافة، بغض النظر عن كل ما يريب بشأن تولى الجهات الرسمية لمسألة نشر قيم معينة داخل المجتمع. وفى حالة كون الثقافة متماسكة مترابطة العناصر، فإن هذا يزيد من فرص تتصدى المجتمع لأى سلبيات وافدة. أما إذا كان التمسك بالثقافة قويًّا، فإن هذا يضفى المزيد من القوة على درجة المقاومة لكل العوامل الوافدة، ويعمل على تحويلها إلى نقاط قوة، أو على الأقل تفادى سلبياتها إلى أقصى الدرجات.
ويمكننا أن نطلق تعبير "الهزيمة الثقافية" على الخضوع الثقافي للمجتمع للقيم الوافدة وكذلك يمكننا — في الاتجاه المعاكس — أن نطلق تعبير "النص الثقافي" على قدرة المجتمع على التصدي لأية قيم دخيلة. وفى الغالب فإن المعارك الثقافية تكون قبل المعارك العسكرية، وتسهم بدرجة كبيرة في تحديد نتائجها، كما أن المعارك الثقافية قد تتلو العسكرية في حالة تحقيق مجتمع ما نصرًا غير كامل ضد مجتمع أخر فيلجأ المجتمع المنتصر — ممثلاً في سلطاته — إلى إضعاف القوة الثقافية للمهزوم بغرض تحقيق النصر الكامل.
5. المؤثرات الداخلية: أصعب الأعداد هو من يأتي من الداخل وهذا ما اتفق عليه أغلب المفكرين في مختلف المجالات ولتسمع قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه، عندما قال "اللهم اكفني شر أصدقائي، أما أعدائي فأنا أولى بهم"؛ أي أن الأزمة التي قد تواجه أمير المؤمنين ولا يقدر لها دفعًا هى ما يأتى من الداخل وهو في هذه الحالة جماعة الأصدقاء. لذلك فإننا كثيرًا ما نجد العديد من المجتمعات التي انهارت جراء تحرك من الداخل في الاتجاه المعاكس ولكن هذا التحرك قد يكون إيجابيًّا ضد ثقافة سلبية، أو سلبيًّا ضد ثقافة إيجابية. وما يحكم على هذا هو المجتمع وأفراده، إلا أن أي تحرك داخلي في ثقافة لا يكون ضد هذه الثقافة بكامل قيمها، ولكن يكون ضد بعض هذه القيم التي يراها أصحاب التحرك قيمًا سلبية تضر بهذا المجتمع، وتؤثر فيه سلبًا وتحول دون تقدمه. ومن أبرز أمثلة المراجعة الداخلية هو ما حصل في مصر عقب حرب العام 1967 من مظاهرات للطلبة في فبراير من العام 1968 م ومطالبتها بأحداث تغييرات في التوجه العام للمجتمع بعدما ثبت من عدم صلاحية هذا التوجه عمومًا ونسبه في الهزيمة.
ولكن هل كل تحرك مضاد يكون ناتجًا من هزيمة؟! كلا بالطبع فهناك من التحرك ما يكون بقصد الإصلاح وهو ما رأيناه في قصة "قنديل أم هاشم" للكاتب الراحل يحيى حقي عندما أراد الطبيب القادم من الدراسة بالخارج تغيير المفاهيم السائدة في الطب الشعبي ورغم ما قد يكون في هذا المثل من ملامح تأثير خارجي إلا أن المتحرك في اتجاه التغيير هو أحد أبناء الداخل.

كانت هذه مراجعة سريعة لما يمكن تسميته بأبرز العوامل التي يمكنها أن تؤثر في الثقافة وتؤدى إلى تغييرها سواء بالسلب أو بالإيجاب؛ وهو التأثير الذي يعتمد على قوة الثقافة ودرجة تمسك المجتمع بها.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار