الحراك الشعبي في عامه الأول (الجزءالثاني) -هل مطالبه تعجيزية فعلا؟-

رابح لونيسي
2020 / 2 / 28

الحراك الشعبي في عامه الأول (الجزء الثاني)
-هل مطالبه تعجيزية فعلا؟-


تناولنا في الجزء الأول من مقالتنا "الحراك الشعبي في عامه الأول" ما نعتقد أن الحراك قد حققه، وسنتناول في هذا الجزء الثاني ما لم يتحقق بعد من مطالب الحراك والتي تعتبرها بعض عناصر السلطة أنها مطالب تعجيزية، ومنها تغيير آليات عمل النظام الذي يعد الهدف الإستراتيجي للحراك، ومنها أيضا المطلب المعبر عنه ب"يتنحاو قاع" الذي أخذ طابعا عالميا، وأعتبرته أطراف من السلطة أنه تعجيزي بعد ما أعطت له مفهوما مشوها هو غير مايقصده الحراك إطلاقا.

1-تغيير آليات عمل النظام إنقاذا للدولة
تروج عناصر من السلطة بأن أهداف الحراك تحققت تقريبا كلها ومنها تنحية الرئيس بوتفليقة، ويستند هؤلاء على ما يعتقده البعض من أن سبب إندلاع الحراك الشعبي هو الإهانة التي تعرض لها الجزائريين بترشيح بوتفليقة المريض جدا أو ما يرددونه بسخرية ترشيح "كادر"أي صورة إطار للرئيس بوتفليقة، لكن لم يكن ذلك في الحقيقة إلا المفجر لغضب شعبي كان يتراكم لسنوات، وظهر بجلاء في مئات الإحتجاجات السياسية والإجتماعية والإنتفاضات منذ1962، وأخذت أبعادا كبيرة بعد العهدة الثالثة للرئيس، لكن تبين بعد تنحية بوتفليقة أن ذلك ليس الهدف الرئيسي، خاصة بتواصل الحراك بقوة كبيرة، وأن الشعب لم يطلب تنحيته ثم تعويضه برئيس آخر مع الإبقاء على نفس آليات عمل النظام التي أنتجت لنا بوتفليقة وغيره، إضافة إلى إنتاجها الفساد والرداءة والظلم السياسي والإجتماعي وغيرها، بل كان الهدف الإستراتيجي للحراك هو تغيير جذري لهذه الآليات التي يجب أن تكون آليات ديمقراطية، وقد عبر عنها الشعب بعبارات وشعارات عدة، ومنها "إستعادة السيادة الشعبية" و"تطبيق المواد 7و8 من الدستور" بدل المادة102 التي أصرت السلطة الفعلية على تطبيقها.
لا يمكن لنا النفي أن السلطة قد فرضت أمر واقع بتطبيق حرفي للمادة102 من الدستور التي أدت إلى إنتخاب رئيس جديد في ظروف مشكوك فيها من الكثير، ويجب على الحراك التعامل معه بذكاء بتطوير سلمي للحراك ذاته حسب هذا الواقع الجديد مادام الهدف الإستراتيجي لم يتحقق بعد، فالشعب لازال ينتظر خطوات جريئة تجاه ذلك من الرئيس تبون، فقد أدرك الحراك أنه حتى بعد إنتخابات12ديسمبر2019 لازال نفس الهدف لم يتحقق بعد، ويجب على الشعب التعامل مع الواقع بذكاء مع مواصلة الضغط من أجل ذلك، فالكرة الآن هي في يد الرئيس الجديد، فهل سيحقق عملية تغيير آليات عمل النظام أم سيبقي الوضع على ما هو عليه أو إكتفائه بتغيير شكلي فقط مما يهدد مستقبل الدولة الجزائرية؟.
نرجوا أن تعي السلطة القائمة، ومنها الرئيس تبون، فتقرأ الواقع جيدا، وتحقق مطالب الشعب، وذلك لعدة أسباب، فتلبية المطالب الشعبية في التغيير كفيلة لإكتساب تبون شرعية شعبية ودخوله التاريخ من بابه الواسع، هذا من جهة ومن جهة أخرى يجب على السلطة أن تعي أن الدول يمكنها إدخال إصلاحات في نظامها السياسي في الوقت الملائم، وتتطور حسب تطورات المجتمع، ليكون توافق تام بين النظام السياسي والتطورات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية الجديدة، لكن إن لم تقم بذلك في الوقت المناسب يحدث الإنكسار، وتصبح كل عملية إصلاح شكلية بدل التغيير الجذري والسلس والمدروس إلى عامل إنهيار تام للدولة التي يجب الحفاظ عليها، ويمكن أن نعطي الكثير من الأمثلة من التاريخ، فمثلا حاول خروتشوف في الإتحاد السوفياتي إدخال إصلاحات في نظامه السياسي بعد وفاة جوزيف ستالين في 1953، لكن تم إجهاضها من المحافظين في بداية الستينيات، فتطورت الأمور إلى كوارث فيما بعد، وعندما جاء غورباتشوف في 1984، وحاول إدخال إصلاحات تحطمت الدولة نهائيا لأن الوضع يتطلب آنذاك تغييرا جذريا لآليات عمل النظام، وليس إصلاحات فقط، ووقع نفس الأمر مع الدولة العثمانية بعد عرقلة المحافظين كل محاولات إصلاح نظام الدولة التي حاول السلاطين القيام بها في الوقت المناسب، مما أدى إلى سقوط نهائي لهذه الدولة التي كانت تسمى ب"الرجل المريض"، كما ندعوا السلطة القائمة بقراءة بن خلدون بتمعن، فلازالت نظريته السياسية صالحة لمجتمعات منطقتنا، لأننا لم نقم قطيعة مع العصر الذي عاينه وبنى على أساسه تلك النظرية، فهو يقول أن الدولة تمر بثلاث أجيال، ثم تتحطم، لتاخذ مكانها دولة جديدة، وكان يتم ذلك بالعنف وإستغلال الدين، مما يعيد مجتمعاتنا دائما إلى نقطة الصفر ثم يعاد البناء من جديد ثم تتكرر نفس الظاهرة بعد عقود، فأنعدم بذلك التراكم الحضاري والتنموي بسبب إنعدام الإستقرار للدولة وإستمراريتها الطويلة، مما جعل مفكرا مثل فريدريك أنجلس يفسر بذلك تخلف شعوب منطقتنا ودورانها في حلقة مغلقة في دراسة قيمة له نشرها عام1894 في مجلة دي نيوزايت die new zietالألمانية، فطور بذلك نظرية نمط الإنتاج الآسيوي التي وضعها ماركس حول المنطقة. نرجوا من السلطة أن تعي ذلك جيدا، ويضعوا ذلك في صلب إهتماماتهم حفاظا على الدولة وضرورة إستقرارها الدائم والتي يجب ان تستمر طويلا كي يتم ضمان التراكم التنموي والإستقرار بدل افنهيار والإنكسار مما يتطلب إعادة كل شيء من الصفر، ولايمكن تحقيق إستمرارية الدولة إلا بتغيير جذري لآليات عمل النظام، ولتضع في الإعتبار أن الدول الديمقراطية هي التي يسودها السلم والإستقرار وتستمر لقرون طويلة على عكس الأنظمة السياسية التي تجعل الدولة وأجهزتها في خدمة مجموعة صغيرة تحتكر كل شيء مقصية ومهمشة أغلب أبناء الأمة، نرجو أن تكون هذه الدولة الجديدة هي التي يسميها الرئيس تبون ب"الجمهورية الجديدة"، لكن لازال الشعب ينتظر معالمها على الواقع، ونرجوا ان يحقق ذلك فعلا، ويمكن أن نعطي مثالا آخر، وهي فشل إصلاحات رئيس الوزراء الأسبق مولود حمروش وعرقلتها من المحافظين في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، مما أدى إلى عنف ودموية التسعينيات، ونعتقد أنه لولا تلك العرقلة لخطت الجزائر خطوات عملاقة، ولتقدمت على دول كثيرة في مجال الإنتقال الديمقراطي، لكن للأسف فإن المحافظين المدافعين عن مصالح خاصة بهم تحت عدة غطاءات سواء في الماضي أو اليوم هي التي تعرقل هذا الإنتقال، وتعيق الشعب الجزائري من التقدم والتنمية، فليدرك هؤلاء بأنه يستحيل اليوم إدارة الدول بأساليب بالية وعتيقة ولاتتماشى مع التطور الكبير للمجتمع الجزائري، وأي محاولة لرفض تجاوز ذلك معناه أنها بصدد تدمير وإغراق الدولة الوطنية الجزائرية التي ضحى من أجلها ملايين الشهداء في الفوضى والدمار وممكن الإستعباد مستقبلا بحكم وضعها على هامش التاريخ، خاصة أن المنطقة هي محل صراع قوى دولية كثيرة بحكم موقعها الإستراتيجي وثرواتها، فهناك من يريد تفتيتها وإدخالها في الفوضى وعلى رأسها الكيان الصهيوني الذي كان وراء الحرب الإلكترونية بتحريض جزائريين ضد جزائريين ومساعدتها من عناصر من هؤلاء المحافظين الرافضين لأي تغير لهذه الآليات، وذلك دفاعا منهم عن مصالحهم الخاصة على حساب الجزائر ووحدتها وتقدمها بإستخدام سياسة فرق تسد كما سبق ان أشرنا إلى ذلك في الجزء الأول من سلسلة مقالاتنا هذه.

2- آليات عملية لتطبيق شعار "يتنحاو قاع"
يعد شعار "يتنحاو قاع" من أبرز وأشهر وأهم الشعارات التي رفعها الحراك الشعبي، فحاولت بعض عناصر السلطة تشويهه بتصويره أنه مطلب تعجيزي، كما روجت بأنه دعوة لطرد إطارات الدولة بهدف تخويفها كي تقف في وجه الحراك، ونشير أنه قد حاولنا في إحدى مقالاتنا المنشورة في يومية الخبر عدد(12جويلية2019)إعطاء وتوضيح دلالات هذا الشعار وطرحنا آليات عملية لتطبيقه على أرض الواقع.
فهذا الشعار في الحقيقة ما هو إلا دعوة صريحة لتطهير الدولة وأجهزتها من الفساد والرداءة، لكن السؤال الذي برز إلى السطح كسؤال تعجيزي هو كيف نطبق هذا الشعار عمليا؟. يعلم الجميع، بأن في الجزائر يتم إنتخاب الرئيس بعد إختياره من مجموعة أفراد مؤثرين، ثم تزور له الإنتخابات، فهذا الرئيس يمتلك صلاحيات أمبرطور بموجب الدستور، وهو ما أعترف به الرئيس تبون ذاته، فيقوم هذا الرئيس بتعيين كل المسؤولين على أساس الجهوية والولاءات، وليس على أساس الكفاءة والنزاهة، وهو ما جعل الرئيس الحالي تبون يطالب في لقائه مع الولاة مؤخرا بالتعيين على أساس الكفاءات فقط لا غير والتخلي عن ما أسماهم بالموالين المطبلين للحاكم صباحا مساء، وهو موقف يحسب له، لكن البعد بين القول والواقع هو مثل بعد السماء والأرض في الجزائر، فكم رفعت شعارات النزاهة والكفاءة، لكن طبق عكسها على أرض الواقع.
يتم التعيين في الجزائر تحت تأثير أطراف نافذة في غالب الأحيان، ومنهم رجال مال فاسدين في عهد الرئيس بوتفليقة، فكان ذلك سببا في سوء التسيير، مما أضر بالحياة اليومية للجزائريين، فبناء على ذلك، وبهدف تطهير الدولة وأجهزتها التي نخرت بتعيينات على أساس الولاء لأشخاص وليس الكفاءة، خاصة في عهد الرئيس بوتفليقة الذي لغم هذه المؤسسات والأجهزة برجالاته وأتباعه، فلكي نجسد عمليا شعار "يتنحاو قاع" نرى ضرورة العودة إلى مبدأ أساسي في الديمقراطية، ويكون شرطا لأي تغيير، وهو إنتخاب كل المسؤولين من أبسط مؤسسة إلى أعلاها، لكن وفق شروط الترشح للمناصب طبعا، فهذه العملية الإنتخابية من الصعب تزويرها، لأنها تتم داخل المؤسسات، والجميع يعرف الموظفين والعاملين فيها، ويعرفون كلهم بعضهم بعضا، فيتم بذلك تطهير الدولة من عناصر فاسدة ورديئة وغير نزيهة معينة من القمة، وليس من القاعدة، خاصة المعينة من الرئيس السابق وحاشيته، بل نذهب ابعد من ذلك، وهو حتى الحكومة يجب إنتخابها كلها ضمن قائمة تضم الرئيس بكل وزرائه أثناء الرئاسيات، فيضطر الرئيس المترشح على وضع النزهاء والاكفاء في قائمة حكومته كي ينتخب عليه الشعب، إضافة إلى برنامجه الإنتخابي، فمن غير المعقول إنتخاب رئيس ثم نترك له الحرية أن يفعل مايريد، ويعين من يريد من وزراء ومسؤولين كبار وحتى بسطاء كما كان يفعل بوتفليقة. أن قضية الإنتخاب على قائمة السلطة التنفيذية كاملة، قد سبق أن طرحناها في النظام البديل الذي حددنا معالمه الكبرى في كتابنا"النظام البديل للإستبداد-تنظيم جديد للدولة والإقتصاد والمجتمع"، أين أسسنا علميا لنظام سياسي وإقتصادي جديد بناء على دراسة دقيقة لتطورالفكر السياسي عالميا وعلى نقد علمي للنظم السياسية القائمة في عالم اليوم.
نعتقد أن هذين المطلبين الإستراتيجيين من أهم مطالب الحراك الشعبين وأبرزنا انه من السهل على السلطة تنفيذها إن أردات الحفاظ على إستمرارية الدولة، لكن بيننا وجود جماعات ولوبيات داخل السلطة كانت دائما تعرقل أي تغيير لآليات عمل النظام دفاعا عن مصالحها الخاصة، وهو ما يتطلب من الحراك تطوير إستراتيجيته سلميا للضغط أو إضعاف هؤلاء المعرقلين الذين أستولوا على الدولة وأجهزتها وحولوها إلى أداة لخدمة مصالحهم على حساب الجزائر ومستقبلها، لكن منذ بداية الحراك طرحت عدة عوائق له يجب تجاوزها، ليصبح أكثر فعالية، فمما تتمثل هذه العوائق؟، وكيف يمكن تجاوزها؟، هذا ما سنتناوله في الجزء الثالث من هذه السلسلة.

يتبع بجزء ثالث