دور ستالين في الحرب الأهلية والدفاع عن الجمهورية السوفيتية الفتية - ترجمة وتقديم عزالدين الحديدي

عزالدين بن عثمان الحديدي
2020 / 2 / 28

كثير من الرفاق يعرف ستالين من خلال انجازاته في بناء الاشتراكية والدفاع عن دكتاتورية البرولتاريا ودحره للفاشية. لكن قليل منهم يعرف انجازات ستالين ومساهماته الحاسمة في انتصار الثورة البلشفية وإنشاء السلطة الجديدة، سلطة السوفياتات في عهد لينين كذراعه اليمنى و كأخلص وأفضل تلاميذه.

في أكتوبر 1917 كونت اللجنة المركزية للحزب البلشفي مركزا لقيادة عمليات الانتفاضة من أجل افتكاك السلطة، وكان ستالين هو قائد ذلك المركز الذي أشرف على جميع التحضيرات والأعمال المتعلقة بالانتفاضة المسلحة لثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى.
.
في السنوات التي تلت افتكاك البرولتاريا للسلطة في الاتحاد السوفيتي، كان ستالين مع لينين وسفردلوف يشكلون النواة القائدة للحزب والدولة. خلال الحرب الأهلية ولتلافي النتائج الكارثية والخيانية التي تسبب فيه ضباط قيصريون قام تروتسكي بــ"تأهيلهم"، أرسلت اللجنة المركزية ستالين إلى الجبهات الأكثر خطورة وأهمية وأعطته الصلاحيات القصوي لتنظيم وقيادة الجيش الأحمر من أجل النصر. عندما كان الأمر يتعلق بمصير الثورة والدولة الفتية كان الحزب يرسل دوما ستالين. كان ستالين هو الذي رسم الخطط الاستراتيجية الأكثر أهمية، هو الذي قاد العمليات العسكرية والمعارك الحاسمة في تزاريتسين وفي برام وفي بتروغراد وخلال المعارك ضد دانكين وفي الغرب ضد النبلاء البولونيين. في كل مكان كانت الإرادة الحديدية والذكاء الاستراتيجي لستالين يجلبان النصر تلو النصر. كان ستالين هو الذي درب وقاد المفتشين العسكريين الذين قال عنهم لينين أنه بدونهم لم يكن ليوجد جيش أحمر.

ننشر فيما يلي مقالين صغيرين أحدهما للماريشال السوفييتي ك. فوروشيلوف " ستالين والجيش الأحمر" والآخر لــ د. مانويلسكي " الجبهة الجنوبية" نشرا في البرافدا سنة 1929 بمناسبة الذكرى الخمسين لميلاد الرفيق ستالين. يحاول من خلالهما الكاتبان، اللذان كانا من الفاعلين المباشرين في ثورة أكتوبر والحرب الأهلية، أن يبرزا بعض جوانب العبقرية الاستراتيجية والتكتيكية للرفيق ستالين والتي كان لها الدور الحاسم في الدفاع عن الجمهورية السوفيتية الفتية وتحقيق النصر في تلك الحرب الأهلية التي تدخلت فيها برجوازية العالم بأسره لدعم الثورة المضادة والقضاء على القلعة البرولتارية الحمراء.

ستالين والجيش الأحمر
ك. فوروشيلوف

إن فترة البناء السلمي في تاريخنا مليئة بأحداث عالية المغزى. في الحقيقة، في السنوات الأخيرة لم تكن أنهارا تلك التي تدفقت تحت الجسور، ولكن محيطات. حدثت تغييرات كبيرة من حولنا. طموحاتنا أصبحت تبدو بشكل مختلف تماما، من حيث حجمها واتساعها. ويرتبط النشاط الثوري والغني والمتنوع للرفيق ستالين ارتباطًا وثيقًا بجميع هذه الأحداث. على مدى السنوات الخمس أو الست الماضية، ظل ستالين في قلب الصراع الغزير الدائر.
من خلال هذه الظروف فقط، يمكن للمرء أن يفسر السبب في أن دور ستالين، باعتباره أحد أعظم منظمي انتصارات الحرب الأهلية، وقع التغافل عنه ولم يتلق بعد التقدير الذي يستحقه.

اليوم، بمناسبة عيد ميلاد صديقنا الخمسين، أرغب ولو بقدر ضئيل، إصلاح هذا التغافل. من البديهي أنني لا أدعي أبدا أن أقدم في مجرد مقال الخصائص الكاملة لعمل ستالين العسكري. أريد فقط تنشيط ذاكرة الرفاق ببعض الحقائق من الماضي والتي لا تزال قريبة جدًا ونشر بعض الوثائق التي لا تزال غير معروفة كفاية من أجل أن أظهر عن طريق وقائع بسيطة الدور العظيم والخارق للعادة حقاً الذي لعبه ستالين في اللحظات الحاسمة من الحرب الأهلية.

من عام 1918 إلى عام 1920 ، كان ستالين، الرجل الوحيد الذي كانت اللجنة المركزية تلقي به من جبهة إلى أخرى، في أكثر الأماكن خطورة، وحرجا بالنسبة للثورة. حيث كان الوضع مسرا وهادئًا وجيدًا نسبيًا وحيث نحقق نجاحات، لا نرى ستالين. ولكن كلما ضعف الجيش الأحمر، كلما هددت القوى المعادية للثورة وجود القوة السوفيتية نفسه، عندما ينذر الهياج والذعر في أي لحظة بالتحول إلى عجز، إلى كارثة ، - آنذاك يأتي ستالين.

لم يكن ينام طوال الليل، كان ينظم، يتولى القيادة بنفسه، يحطم النزعات المناوئة، يصر، إلى أن يحقق التحول المنشود و يصلح الوضع. كتب ستالين نفسه في إحدى رسائله إلى اللجنة المركزية في عام 1919 أنه "كان متخصصًا في تنظيف إسطبلات وزارة الحرب".

في تساريتسين

بدأ ستالين عمله العسكري في جبهة تساريتسين ، ويمكن القول أن ذلك كان بالصدفة. في بداية يونيو 1918، وصل ستالين مع مفرزة من الجنود الحمر وسيارتين مدرعتين، إلى تساريتسين لتوجيه الإمدادات الغذائية إلى جنوب روسيا. وجد المدينة في فوضى لا تصدق، ليس فقط في المنظمات السوفيتية والنقابية والشيوعية، ولكن حتى في الأجهزة القيادية العسكرية. في كل خطوة كان يواجه عقبات عامة منعته من أداء مهمته الحقيقية. سبب هذه العقبات في المقام الأول هو النمو السريع للثورة المضادة للقوزاق التي حظيت بدعم قوي من الاحتلال الألماني في أوكرانيا. كانت العصابات المضادة للثورة قد سيطرت بسرعة على أماكن قريبة من تساريتسين، وبالتالي، لم يجعلوا فقط من المستحيل جمع القمح وتوجيهه لموسكو ولينينغراد الجائعتين، ولكنهم أيضًا أصبحوا يهددون تساريتسين مباشرة.

في ذلك الوقت، لم يكن الوضع جيدًا في أي مكان آخر. في موسكو، كان يجري الإعداد لانتفاضة الاشتراكيين الثوريين. في الغرب، خيانة مورافييف. في الأورال، كانت الثورة المضادة التشيكية تتطور وتتقوى. في أقصى الجنوب، تقدم الإنجليز نحو باكو. كل شيء كان يحترق في حلقة من نار. كانت الثورة تمر بمحن كبرى. عدد كبير من البرقيات على طول الأسلاك كانت ترسل في تلك الظروف بين لينين وستالين. لقد توقع لينين الخطر فوافق وطالب بإجراءات نشطة. وكان وضع تساريتسين ذا أهمية قصوى. مع تمرد مقاطعات الدون وفي صورة فقدان تساريتسين، كنا مهددين بفقدان مخزن القمح بأكمله الذي يشكله شمال القوقاز. وكان الرفيق ستالين يفهم هذا تمامًا. كثوري متمرس، سرعان ما توصل إلى قناعة بأن عمله لن يكون له معنى إلا إذا كان له تأثير على القيادة العسكرية، التي كان دورها في ظل الظروف الموجودة آنذاك حاسما.

كتب ستالين إلى لينين في 7 يوليو: "لم يتم استعادة الخط جنوب تساريتسين". وتحمل رسالته هذه الإشارة المميزة: "أنا أركض على طول الجبهة، وأنا أكتب فقط في العمل". ويضيف: "أنا أطارد وأصرخ على كل من يحتاج إلى ذلك؛ أتمنى إصلاح الأمر قريبا. تأكدوا أن لا أحد فوق المحاسبة لا أنا ولا الآخرين - وأننا سنظل نرسل القمح. لو لم ينام المختصون العسكريون لدينا ولولا لامبالاتهم لما كان الخط قد اخترق وإذا تم ترميمه ، فلن يكون ذلك بفضلهم، ولكن على الرغم منهم."
وردًا على لينين الذي قلقً من احتمال شن هجوم من الاشتراكيين الثوريين اليساريين في تساريتسين، كتب ستالين باختصار، لكن بحزم ووضوح: "فيما يتعلق بالهستيريين، كونوا هادئين، أيدينا لا ترتعش، مع الأعداء سنتصرف مثل الأعداء."

عند فحص الجهاز العسكري عن كثب، لاحظ ستالين عجزه التام، بل في بعض الأحيان، عدم استعداد واضح لتنظيم المقاومة ضد الثورة المضادة الوقحة. وبالفعل في 11 يوليو 918 ، أبرق ستالين إلى لينين: "الأمر معقد بسبب حقيقة أن أعضاء هيئة أركان شمال القوقاز غير قادرين مطلقًا على محاربة الثورة المضادة. ليس فقط أن هؤلاء "المتخصصين" غير قادرين من الناحية النفسية على القتال بحزم ضد الثورة المضادة، ولكن أيضًا نظرًا لأنهم يعتبرون أنفسهم موظفين في هيئة الأركان العامة، وأنهم مكلفون فقط "برسم خطط العمليات"، لذلك نجدهم غير مبالين تماما بالعمليات نفسها ... وبصفة عامة، يعتبرون أنفسهم أشخاصا مميزين، ضيوف. اللجان العسكرية لم تتمكن من تلافي هذا النقص."

لم يقتصر ستالين على هذه الخصائص المكبلة. في هذه الرسالة نفسها، توصل إلى استنتاجات عملية لنفسه: "لا أعتقد أن لديّ الحق في الاكتفاء بمعاينة هذه اللامبالاة، عندما تكون جبهة كالينين (قائد في
في ذلك الوقت للجبهة في شمال القوقاز) مقطوعة عن الإمدادات، عندما يكون الشمال مقطوعا عن مناطق القمح، سوف أقوم بتصحيح نقاط الضعف هذه والعديد من مواطن الضعف المحلية الأخرى. اتخذت وسأتخذ الإجراءات اللازمة بما في ذلك فصل الضباط والقادة الذين يحيدون عن القضية، وذلك على الرغم من الصعوبات االشكلية التي سأخرقها إن لزم الأمر. لهذا، بالطبع ، سأتحمل بنفسي كل المسؤولية أمام السلطات العليا."

ويزداد الوضع أكثر فأكثر توترا. يقوم ستالين بتطوير طاقة هائلة. وفي أقل وقت يصبح، هذا المندوب الاستثنائي للتموين، قائدا لجميع الجيوش الحمراء في جبهة تساريتسين. تم تأكيد هذا المعطى الواقعي المستجد من موسكو حيث تم تكليف ستالين رسميا بالمهام التالية: "استعادة النظام، تجميع الفصائل في جيش نظامي، تعيين قيادة صحيحة، طرد جميع الذين لا يطبقون الأوامر. (من برقية مجلس الحرب الثورية للجمهورية ، مع ملاحظة: "يتم إرسال هذه البرقية بموافقة لينين".)

في تلك اللحظة، وصلت بقايا الجيش الثوري الأوكراني التي تراجعت أمام هجوم الجيش الألماني في سهول الدون إلى تساريتسين. وتحت قيادة ستالين تم إنشاء مجلس الحرب الثورية الذي بدأ في تنظيم الجيش النظامي. الطبيعة الملتهبة لستالين، طاقته وإرادته أنجزتا ما كان يبدو، حتى البارحة، مستحيلاً. في أقل ما يمكن من الوقت، أحدثت الأقسام والألوية والأفواج. وتم تطهير بشكل جذري هيئة الأركان العامة وأجهزة الإمداد والمؤخرة من العناصر المعادية للثورة والأعداء. وتحسن الجهاز السوفيتي والشيوعي وعاد إلى النظام. حول ستالين التفت مجموعة من البلاشفة القدامى والعمال الثوريين ، وفي مكان هيئة الأركان العاجزة نشأت في الجنوب، عند مدخل الدون المناهض للثورة ، قلعة بلشفية حمراء.

كانت منطقة تساريتسين، في ذلك الوقت ، ممتلئًة بكل أنواع المناهضين للثورة ، من الاشتراكيين الثوريين اليمينيين والإرهابيين، إلى الملكيين المتطرفين. كل هؤلاء السادة كانوا يشعرون، حتى وصول ستالين والفصائل الثورية من أوكرانيا ، أنهم أحرار ويعيشون في انتظار أيام أفضل. ومن أجل إعادة تنظيم القوى الحمراء في الجبهة، كان من الضروري تنقية المؤخرة بطريقة حازمة وعنيدة. وقد أنشأ مجلس الحرب الثورية، بقيادة ستالين، تشيكا خاصًة وكلفها بمهمة تطهير تساريتسين من الثورة المضادة.

إن شهادات الأعداء هي في بعض الأحيان ثمينة ومثيرة للاهتمام. إليكم ما كتب نوسوفيتش في صحيفة الحرس الأبيض دونسكيا فولنا (موجة الدون) في 3 فبراير 1919 ، وهو خائن في جيش كراسنوف، القائد العسكري السابق للعمليات، عن دور ستالين في ذلك الوقت:
"كانت مهمة ستالين الرئيسية هي توفير الغذاء للمناطق الشمالية، ولتحقيق هذه المهمة كان يتمتع بسلطة غير محدودة ... خط Griazy-Tsaritsyne مقطوع بشكل نهائي. بقيت إمكانية واحدة فقط في الشمال لتلقي المؤونة والإبقاء على الاتصال: كان ذلك عبر نهر الفولغا. وفي الجنوب، بعد أن استولى المتطوعون على تيخوبتسكا، أصبح الوضع أيضا غير مستقر للغاية. وبالنسبة لستالين، فإن استخلاص موارده الغذائية فقط من ستافروبول، يعني إنهاء مهمته في الجنوب. لكن ليست في عادات رجل مثل ستالين التخلي عن مهمة شرع فيها. يجب أن نقر له بهذه الميزة، إن طاقته يمكن أن تكون مثالاً لأي منظم ، ويمكن أن يدرس الكثيرون قدرته على التكيف مع الموقف.
تدريجيا ، وكلما أصبحت مهمته مستحيلة، بدأ ستالين يتجه إلى جميع الأقسام الإدارية للمدينة ، وخاصة إلى القيام بالمهام الكبيرة للدفاع عن Tsaritsyn ، على وجه الخصوص، وجبهة القوزاق بأكملها بشكل عام."
وعند الحديث عن تنقية الجزء الخلفي (هيئة الأركان العامة في شمال القوقاز ومؤسساتها) وعن ملاحقة الحراس البيض الذين انتشروا فيه ، كتب نوسوفيتش:
"ما كان مميزًا بشكل خاص هو الطريقة التي نظر بها ستالين إلى التوجيهات البرقية للمركز. عندما أرسل تروتسكي، الذي كان قلقًا بشأن تدمير المديريات العسكرية الإقليمية، برقية تقول إن من الضروري إعادة الاعتبار لهيئة الأركان والمفوضين وإرجاعهم إلى وظائفهم ومنحهم إمكانية العمل، أخذ ستالين ذلك التلغراف وبيد قوية وحازمة، سطر الكلمات التالية: "لا يأخذ بعين الاعتبار". وهكذا ، لم يتم أخذ البرقية في الاعتبار، وظلت قيادة المدفعية بالكامل وجزءًا من الأركان العامة مثبتين على متن قارب في تساريتسين."

بسرعة كبيرة ، تغير مظهر Tsaritsyne بالكامل. المدينة ، التي كانت لا تزال حدائقها، منذ فترة قصيرة، تعج بالموسيقى، حيث تتنزه البرجوازية الهاربة دون خوف في الشوارع، وسط الحشود مع الضباط البيض، تحولت إلى معسكر للجيش الأحمر مع نظام صارم على الجميع وانضباط عسكري.

كان لهذا التحسن في الخلف تأثير مذهل وفوري على الحالة الذهنية لأفواجنا التي تقاتل على الجبهة. بدأت الأجهزة القيادية والسياسية وجمهور الجنود الحمر يشعرون يأن يد ثورية قاسية تقودهم في النضال من أجل مصالح العمال والفلاحين، وتزجر دون رحمة أولئك الذين يقفون في طريق ذلك النضال.

لم يكتف ستالين بالقيادة من مكتبه لفرض النظام، لإعادة تأسيس منظمة ثورية، كان يذهب إلى الجبهة التي تمتد على مسافة أكثر من ستمائة كيلومتر. وكان عليك أن تكون ستالين ولديك مهاراته التنظيمية الهائلة لتكون قادرا، دون أي تعليم عسكري (ستالين لم يخدم في الجيش!)، على فهم المسائل االخصوصية للحرب في وضع صعب للغاية كما كان الحال في ذلك الوقت.

أتذكر، كما لو كان الأمر يحدث اليوم، أنه في بداية أغسطس 1918 ، هاجمت وحدات كراسنوف القوزاقية تساريتسين، محاولة في حركة دائرية رمي القوات الحمراء في نهر الفولغا. وعلى مدى عدة أيام كانت تلك القوات التي تقودها فرقة شيوعية مؤلفة إلى حد كبير من عمال الدونيتز تتصدى بشجاعة هائلة لهجوم القوزاق المنظم . لقد كانت تلك الأيام عصيبة للغاية. كان علي المرء أن يرى ستالين في ذلك الوقت. هادئ كعادته، غارق في التفكير، لا ينام فعلا طوال الليل، موزعا عمله المكثف بين مواقع القتال وإدارة هيئة الأركان. كان الوضع في الجبهة كارثيًا تقريبًا. وحدات كراسنوف، بقيادة فيتسكالاوروف، مامونتوف وغيرهم، ومن خلال مناورة بارعة كانت قد شددت الخناق على قواتنا المنهكة، مما تسبب لنا في خسائر فادحة. كانت جبهة العدو، مرتبة على شكل حدوة حصان، داعمة أجنحتها على نهر الفولغا، تشدد الخناق أكثر فأكثر كل يوم. لم يكن لدينا مخرج. لكن ستالين لم يكن قلقًا من ذلك. كانت فكرة واحدة فقط تسيطر عليه : تحقيق الانتصار وهزيمة العدو بأي ثمن. وقد انتقلت هذه الإرادة التي لا تقهر من ستالين إلى المتعاونين المباشرين معه، فعلى الرغم من الوضع الميؤوس منه تقريبا، لا أحد كان يشك بالنصر. وانتصرنا. وتم صد العدو مهزوما بعيدًا عن الدون.


بيرم Perm

في نهاية عام 1918 ، كانت الجبهة الشرقية في وضع كارثي، ولا سيما الجيش الثالث الذي اضطر إلى التخلي عن بيرم. وبضغط من العدو الذي كان يتقدم في شكل نصف دائرة، كان هذا الجيش في نهاية شهر نوفمبر منهارا بالكامل. بعد ستة أشهر من القتال المستمر، في ظل عدم وجود أي احتياطيات موثوقة ولو جزئيا ومع خلفية غير مضمونة وتغذية كارثية (القسم التاسع والعشرون ظل فعلا خمسة أيام بدون أية قطعة خبز) وفي 35 درجة مئوية من البرد مع طرق غير سالكة على الإطلاق وجبهة ذات طول هائل (أكثر من أربعمائة كيلومتر) وهيئة أركان ضعيفة ، لم يكن الجيش الثالث في وضع يسمح له بمقاومة هجمات القوات المعادية المتفوقة.
لإكمال هذه الصورة المحزنة، ينبغي أن نضيف الخيانات بالجملة للقادة من الضباط السابقين، أفواجا بأكملها تسلم نفسها كأسرى، كنتيجة للاختيار السيئ للضباط الذين لم يكونوا صالحين إلا للعربدة.
في مثل تلك الحالة، من الطبيعي أن ينهزم الجيش ويقاتل منسحبا وقد تراجع ثلاثمائة كيلومتر في 20 يوم وفقد 18000 رجل وعشرات المدافع ومئات البنادق الآلية، إلخ. وبذلك أحرز العدو تقدما سريعا و أصبحت فياتكا Viatka مهددة بالسقوط ومعها كامل الجبهة الشرقية.

وضعت هذه الأحداث اللجنة المركزية أمام ضرورة التحقيق في أسباب الكارثة واستعادة النظام فورًا صلب الجيش الثالث. من ترسل لانجاز هذه المهمة الصعبة؟
اتخذت اللجنة المركزية القرار التالي: "تعيين لجنة تحقيق تابعة للحزب، مؤلفة من دزرجنسكي Dzerzhinsky وستالين Stalin، أعضاء اللجنة المركزية، مهمتها التحقيق بالتفصيل في أسباب استسلام بيرم وآخر الهزائم على جبهة الأورال، وكذلك لتوضيح جميع الظروف التي صاحبت هذه الأحداث. وتسلم اللجنة المركزية إلى هذه اللجنة كل الصلاحيات لإعادة تركيز العمل الشيوعي والسوفييتي بسرعة في جميع أنحاء منطقة الجيش الثالث والثاني (برقية سفردلوف رقم 00079.)"

في الظاهر، يبدو أن هذا القرار يختزل من وظائف ستالين و Dzerzhinsky في "البحث عن أسباب استسلام بيرم والهزائم الأخيرة على جبهة الأورال". لكن الرفيق ستالين ركز عمله على تدابير تهدف إلى استعادة الحل وتعزيز الجبهة، الخ. حتى في البرقية الأولى التي أرسلها في 5 يناير 1919 إلى لينين حول نتائج عمل اللجنة، فإنه لا يقول كلمة عن "أسباب الكارثة" لكنه بدلاً من ذلك ، يوضح ما يجب فعله لإنقاذ الجيش. إليكم هذه البرقية: "إلى لينين، رئيس مجلس الدفاع. بدأ التحقيق. سنبقيك على علم بعمل اللجنة. في غضون ذلك، نرى أنه من الضروري إخبارك بما يحتاجه الجيش الثالث على الفور. الحقيقة هي أن الجيش الثالث (أكثر من 30000 رجل) بقي منه فقط 11000 جندي متعبين، مرهقين، بالكاد يقاومون هجمات العدو. قيادة الجيش ليست موثوق فيها، جزء منها حتى مناهض لنا؛ إنها تحتاج إلى تطهير جدي. ولكي نحفظ بقايا الجيش الثالث ونوقف تقدم العدو السريع نحو فياتكا (وفقًا لجميع البيانات الواردة من قيادة الجيش الثالث، هذا الخطر حقيقي تماما)، من الضروري مطلقا أن ترسل على الفور من روسيا على الأقل ثلاثة أفواج موثوقة تماما. ونحن نطلب بإصرار ممارسة الضغط في هذا الاتجاه على المؤسسات الحربية المعنية. نكرر: بدون هذا، ستعاني فياتكا نفس مصير بيرم؛ هذا هو الرأي العام لرفاقنا المطلعين هنا وهو رأي نشاركه نحن على أساس المعطيات التي بحوزتنا."
ستالين ، دزيرزينسكي ، 5/1/19. VYATKA.

لم يرسل ستالين، بالاتفاق مع دزيرجينسكي، إلا في 13 كانون الثاني (يناير) 1919 إجابة مؤقتة ومقتضبة حول "أسباب الكارثة". هذه الأسباب يمكن تلخيصها على النحو التالي: في وقت هجوم العدو، كان الجيش في حالة إرهاق تام؛ الاحتياطيات كانت شبه معدومة؛ هيئة الأركان كانت معزولة عن الجيش. كانت قيادة الجيش تعمل بشكل فوضوي وباعتماد أساليب إجرامية غير مقبولة. تسبب مجلس الحرب الثورية للجمهورية بشلل الجبهة من خلال إرسال توجيهات متناقضة ومنعها من كل إمكانية للجوء إلى مساعدة الجيش الثالث بصفة فورية؛ وكان الجزء الخلفي، نتيجة لإجراءات الانتداب القديمة، في حالة هشة للغاية ولم يكن يستطيع ضمان التعزيزات للجيش؛ هذا الوضع يجب تفسيره بحالة العجز وعدم القدرة التام للمنظمات الشيوعية والسوفييتية.
في نفس الوقت، كان ستالين يتخذ وينفذ على عين المكان، طبقًا لسرعته المعتادة وحزمه، سلسلة من التدابير العملية التي تهدف إلى رفع القدرة القتالية للجيش الثالث :
في 15 يناير نقرأ في تقريره إلى مجلس الدفاع : "تم إرسال 1200 حربة إلى الجبهة وفي اليوم التالي غادر 2 أسراب من الفرسان وفي العشرين من الشهر كان الفوج 62 من اللواء الثالث (بعد تطهير دقيق) يتجه نحو الجبهة. مكنت هذه الوحدات من وقف تقدم العدو وتعزيز الروح المعنوية للجيش الثالث والتقدم نحو بيرم بنجاح حتى الآن. في الخلف، تم القيام بتطهير جدي للمؤسسات السوفيتية والشيوعية. في فياتكا وفي مدن المناطق، تم إنشاء لجان ثورية. بدأنا ونواصل بناء منظمات ثورية قوية في القرى. تم إدخال طرق جديدة في عمل الحزب والسوفييت. تم تطهير هيئات الرقابة العسكرية وإعادة تنظيمها. تم تطهير لجان تشيكا الإقليمية وتعزيزها بمتعاونين جدد من أعضاء الحزب. خطوط السكك الحديدية تمت إعادة تشغيلها، إلخ."

كان من نتيجة كل هذه التدابير، أن تقدم العدو لم يتوقف فحسب، بل أيضا وفي يناير 1919، انتقلت الجبهة الشرقية إلى الهجوم واستولى جناحنا الأيمن على أورالسك. هكذا فهم ستالين وأدى مهمته: "التحقيق في أسباب الكارثة"، لقد بحث واكتشف هذه الأسباب وفي الحال قام بتذليل الصعوبات واتخذ التدابير اللازمة.

بتروغراد

في ربيع عام 1919، قام الجيش الأبيض للجنرال يودينيتش، وفق الهدف الذي حدده كولتشاك له أي "الاستيلاء على بتروغراد" وجذب القوات الثورية للجبهة الشرقية، بهجوم غير متوقع مدعوما من قبل الحراس البيض الإستونيين والفنلنديين والأسطول الإنجليزي، وهدد بتروغراد بصورة جدية. وقد تفاقم الوضع أكثر بسبب حقيقة أنه في بتروغراد نفسها قد تم اكتشاف مؤامرة معادية للثورة يقودها متخصصون عسكريون يخدمون في هيئة أركان الجبهة الغربية وفي الجيش السابع والقاعدة البحرية كرونشتادت. بالتوازي مع تقدم Yodenich نحو بتروغراد، كان بولاك بولاخوفيتش قد حقق سلسلة من النجاحات في اتجاه بسكوف. وعلى الجبهة، بدأت الخيانات وانضمت بعض الأفواج إلى العدو. كل حاميات الحصون Krasnaïa Gorka و Seraïa Lochad تدخلت بشكل علني ضد حكومة السوفييت. وهكذا سادت الفوضى في كامل الجيش السابع وتتراجع الجبهة واقترب العدو من بتروغراد. كان لا بد من إنقاذ الوضع على الفور.

تختار اللجنة المركزية مرة أخرى ستالين لتحقيق هذا الهدف. في ثلاثة أسابيع ، تمكن ستالين من إنجاز التحول المطلوب. سرعان ما تم القضاء على تردد الوحدات وإرتباكها، وإعادة النظام إلى هيئة الأركان تدريجيا. تمت تعبئة العمال والشيوعيين في بتروغراد وتم القضاء على الأعداء والخونة دون رحمة. وكان الرفيق ستالين يتدخل مباشرة في القيادة العسكرية للعمليات. إليكم ما يبرقه إلى لينين:
"بعد Krasnaïa Gorka مباشرة ، تمت تصفية Seraïa Lochad ؛ .... يفسر الاستيلاء السريع على غوركا من خلال التدخل الحاسم من جانبي وتدخل المدنيين بشكل عام في العمليات إلى درجة تغيير الأوامر على الأرض وفي البحر وفرضنا أوامرنا الخاصة. أعتقد أنه من واجبي أن أبلغكم بأنني سأواصل القيام بذلك في المستقبل ، رغم احترامي للعلم." ستالين.

وخلال ستة أيام، كان ستالين يكتب إلى لينين: "بدأت نقطة التحول في قواتنا. طوال الأسبوع لم تكن هناك أية حالة فرار جماعي أو فردي. على العكس، يعود الفارون بالآلاف. تنتقل قوات العدو إلى صفنا بأعداد كبيرة. خلال أسبوع إنضم أكثر من 400 رجل إلى صفوفنا وفي الغالب مع أسلحتهم. بدأ هجومنا بالأمس. لم نتلق بعد التعزيزات الموعودة؛ ومع ذلك نحن أكثر تقدماً من ذي قبل – لا يمكننا البقاء على الخط القديم، لقد كان قريبًا جدًا من بتروغراد. في غضون ذلك، فإن الهجوم ينجح والعدو يهرب، لقد سيطرنا اليوم على خط: كيرنوفو ، فورونينو ، سليبيفو ، كاسكوفو. وأسرنا جنودا وأخذنا مدفعين أو أكثر وبنادق رشاشة ، وذخائر. سفن العدو لا تظهر، من الواضح أنهم يخشون من كراسناي غوركا التي أصبحت الآن لنا تماما. أرسل لي عاجلا مليوني رصاصة للفيلق السادس."

تعطي هاتان البرقيتان رؤية كاملة للعمل الهائل والخلاق الذي قام به ستالين في القضاء على الوضع الخطير الذي نشأ حول بتروغراد الحمراء.

(نشر لأول مرة في عدد خاص من جريدة البرافدة 1929 – ترجم عن النسخة الفرنسية الالكترونية لــ Vincent Gouysse)

د. مانويلسكي
الجبهة الجنوبية

يتذكر الجميع خريف عام 1919. لقد كانت اللحظة الحاسمة والحرجة في الحرب الأهلية بأكملها. تقدمت القوات البيضاء لدينكين Denikin نحو أوريل بعد تجهيزها جيدا من "الحلفاء" وبتأطير من قيادة هؤلاء. لقد تراجعت الجبهة الجنوبية الضخمة بأكملها في موجات بطيئة. الوضع الداخلي كان لا يقل إيلاما. تفاقمت صعوبات التموين للغاية. توقفت الصناعة بسبب نقص الوقود. داخل البلاد ، وحتى في موسكو ، نشطت العناصر المعادية للثورة. الخطر كان يهدد تولا Toula مثلما يهدد موسكو.

كان يجب إنقاذ الوضع. وقد أرسلت اللجنة المركزية ستالين إلى الجبهة الجنوبية كعضو في مجلس الحرب الثورية. ولا مبرر اليوم، لإخفاء حقيقة أن ستالين، قبل التحاقه، فرض ثلاثة شروط أساسية على اللجنة المركزية : 1- يجب ألا يتدخل تروتسكي في الجبهة الجنوبية ويجب أن يبقى حيث هو 2- يجب على الفور سحب - من الجبهة الجنوبية- سلسلة من المتعاونين الذين يعتبرهم ستالين غير قادرين على استعادة الوضع في الجيش 3- يجب إرسال متعاونين آخرين، الذين اختارهم ستالين والذين يمكنهم إنجاز هذه المهمة، على الفور إلى الجبهة الجنوبية. لقد تم قبول هذه الشروط بالكامل.
ولكن للتعامل مع هذه الآلة الهائلة (من نهر الفولغا إلى الحدود البولندية الأوكرانية) التي تسمى الجبهة الجنوبية، والتي تضم عدة مئات الآلاف من الجنود، كانت هناك حاجة إلى خطة دقيقة للعمليات وكان من الضروري صياغة مهام الجبهة بوضوح. بعد ذلك سيكون من الممكن إعطاء هذا الهدف إلى القوات وضرب العدو من خلال إعادة تجميع وإرسال أفضل القوى على النقاط الأساسية.

وجد ستالين وضعا مشوشًا ومؤلماً في الجبهة. فقد تعرضنا للهزيمة في الاتجاه الرئيسي: كورسك- أورال- تولا. الأجنحة عاجزة وتراوح مكانها. أما بالنسبة للعمليات، فقد عرضت على ستالين الخطة القديمة (لشهر سبتمبر) والتي أقرت الهجوم الرئيسي من الجهة اليسرى من تساريتسين Tsaritsyne إلى نوفوروسيسك ، عبر سهوب الدون. أي أن خطة الهجوم الرئيسية للجبهة الجنوبية بقيت كما هي: بمعنى أن الهجوم الرئيسي يجب أن ينفذ من قبل مجموعة Chorine التي تضطلع بمهمة تدمير العدو على الدون وكوبان (توجيهات اللجنة العليا لشهر سبتمبر 1919).

بعد دراسة الموقف، اتخذ ستالين قرارًا سريعًا. يرفض رفضًا قاطعًا الخطة القديمة، ويقدم مقترحات جديدة، ويرسلها إلى لينين في الرسالة التالية التي لا تتطلب أي توضيح إضافي. إنها ذات أهمية كبيرة، فهي تُظهر بوضوح الموهبة الاستراتيجية لستالين، إنها مميزة إلى حد كبير بالنسبة للطريقة الحازمة لطرح المسائل، بحيث نعتبر أن من المفيد ذكرها هنا بالكامل:

" قبل شهرين، وافقت اللجنة العليا من حيث المبدأ على أن الهجوم الرئيسي يجب أن يتم توجيهه من الغرب إلى الشرق عبر حوض دونيتز. إذا لم يتم ذلك، فذلك بسبب الوضع الناشئ عن انسحاب القوات الجنوبية خلال الصيف، أي عن إعادة التجميع التلقائي لقوات الجبهة الجنوبية الشرقية الذي تسبب في ضياع كبير للوقت استفاد منه Denikin. لكن الوضع الحالي ومعه تجمّع القوات قد تغيرا بالكامل. فقد تقدم الجيش الثامن (إحدى القوات الرئيسية للجبهة الجنوبية السابقة) ويجد أمامه حوض دونيتز، تقدّم أيضًا فوج الفرسان لبوديني (قوة رئيسية أخرى) الذي تعزز بإضافة قوة جديدة: الفرقة اللتوانية التي إذا تعافت وخلال شهر ستهدد مرة أخرى Denikin ... ما الذي يجبر اللجنة العليا إذن على المحافظة على الخطة القديمة؟ من الواضح أن هذا لا يمكن أن يسعد إلا النزعة التكتلية العنيدة الأكثر حمقا والأكثر خطورة على الجمهورية والتي تشجعها اللجنة العليا نفسها من خلال "بطل الاستراتيجيين".

منذ بعض الوقت، أعطت اللجنة العليا توجيهات إلى شورين Chorine للمضي قدماً في طريق Novorossiiske عبر سهول الدون، عبر مسار قد يكون قابلا للاستخدام من قبل الطيارين، ولكن سيكون من المستحيل أن ننقل فيه المشاة والمدفعية. لا نحتاج لإثبات أن هذه المسيرة المجنونة في بيئة معادية عبر طرق لا يمكن سلكها على الإطلاق، تهدد بأن تقودنا إلى كارثة كاملة. من السهل أن نفهم أن هذه المسيرة على قرى القوزاق، كما سبق أن ثبت منذ فترة قصيرة، لا يمكن إلا أن تجمع القوزاق حول دنيكين من أجل الدفاع عن قراهم ضدنا ولا يمكن إلا أن تسمح لدينكين Denikin بأن يصبح منقذا للدون ولا يمكن إلا أن تمنح دينكين Denikin جيشا من القوزاق أي لا يمكن إلا أن تعزز قوة هذا الأخير.
لهذا السبب، يجب علينا على الفور، دون أن نضيع دقيقة واحدة، تغيير الخطة القديمة التي عفا عليها الزمن بالفعل وفي الممارسة واستبدالها بهجوم مركزي على روستوف عبر خاركوف وحوض دونيتز: أولاً، سنكون في بيئة غير معادية بل على العكس في بيئة متعاطفة مما سيسهل تقدمنا. ثانياً، سنحتل خط سكة حديد مهم (خط دونيتز) والمسار الرئيسي الذي يمون جيش دنيكين، خط فورونيي- روستوف . ثالثًا، سنقسم جيش دنيكين إلى قسمين، أحدهما "المتطوعون" الذي سيتواجه مع مخنو Makhno وسنهدد مؤخرة جيش القوزاق. رابعا، سيكون لدينا الفرصة لإحداث الفوضى في قوزاق Denikin فإذا تحركنا إلى الأمام بنجاح، فسوف يحاول دينكين دفع القوزاق إلى الغرب وهو ما ترفضه غالبية هؤلاء. خامسا، سوف نحصل على الفحم في حين سيتم حرمان Denikin منه.

لا ينبغي أن نتأخر لتبني هذه الخطة ... باختصار: الخطة القديمة التي عفا عليها الزمن وتجاوزتها الأحداث، لا ينبغي أن يعاد تفعيلها بأي حال من الأحوال. سيكون ذلك خطرا على الجمهورية وهذا من شأنه تعزيز موقف دينكين Denikin. يجب وضع خطة أخرى. ليس فقط الظروف والشروط مهيأة لذلك، ولكنها تأمرنا بالقيام بهذا التغيير ... وبدون ذلك، لن يكون لعملي على الجبهة الجنوبية أي معنى سيصبح إجراميًا وعديم الجدوى، مما يعطيني الحق، أو لنقل مما يجبرني على الذهاب إلى أي مكان أو حتى إلى الجحيم، ولكن ليس للبقاء هنا." المخلص لكم ستالين.

هذه الوثيقة لا تحتاج إلى أي تعليق. إنها تلفت الانتباه إلى الكيفية التي يقيم بها ستالين العمليات. ففي الحرب الأهلية، يمكن أن يكون الحساب الرقمي البسيط غير كافٍ، وغالبًا ما يكون خاطئًا. فالمسار من تساريتسين إلى نوفوروسيسك يكون أطول إذ يجب القيام به في بيئة معادية. وعلى العكس من ذلك ، يكون المسار من تولا إلى نوفوروسيسك قصيرًا جدًا لأنه يمر عبر خاركوف العمالية عبر مناجم حوض دونيتز. في هذا التقييم للاتجاهات تظهر الميزة الرئيسية لستالين بوصفه ثوري بروليتاري وبوصفه استراتيجي حقيقي للحرب الأهلية.
تم تبني خطة ستالين من قبل اللجنة المركزية وكتب لينين نفسه ، بيده، الأمر إلى هيئة أركان الجبهة الجنوبية لتغيير التوجيهات التي تعمل وفقها. وتم توجيه الهجوم الرئيسي على خاركوف- حوض دونيتز- روستوف. وكانت النتائج التي تعرفونها: تم تحقيق نقطة التحول في الحرب الأهلية، ألقيت جيوش Denikin في البحر الأسود، تم تحرير أوكرانيا وشمال القوقاز من الحرس الأبيض. والفضل الكبير في كل هذا يذهب إلى ستالين.

يجدر التوقف عند إحدى اللحظات التاريخية المهمة على الجبهة الجنوبية التي يرتبط بها اسم ستالين. وأقصد هنا إنشاء جيش الفرسان. كانت أول تجربة لعلم فرق الفرسان وتشكيلها في مجموعات قوية مثل الجيش. أدرك ستالين قوة الفرق الكثيفة للفرسان في الحرب الأهلية. لقد فهم بشكل ملموس أهميتها الهائلة في المناورات الالتفافية. لم يكن لدى أحد في الماضي مثل هذه التجربة حول قدرة جيش الفرسان. لم يكتب أي شيئ من هذا في المصنفات العلمية وهذا هو السبب في أن مثل هذا الإجراء قوبل بسوء فهم أو عداء مفتوح. لكن ستالين، بمجرد أن يتأكد من جدوى وصحة خططه ، يذهب دائمًا إلى انجازها.

وفي 11 نوفمبر ، تلقت اللجنة العسكرية الثورية (C.R.M.) للجمهورية المعلومات التالية من اللجنة العسكرية الثورية للجبهة الجنوبية:
"في اجتماعها في 11 نوفمبر قررت اللجنة العسكرية الثورية للجبهة الجنوبية، بالنظر للوضع الحالي، تشكيل جيش سلاح الفرسان الذي يضم السلك الأول والثاني وكتيبة من المشاة (وسيتم بعد ذلك إضافة كتيبة ثانية).بقيادة : قائد: بوديني، الأعضاء: فوروشيلوف وتشتشادنكو." - قرار اللجنة العسكرية الثورية للجبهة الجنوبية في ١١ نوفمبر ١٩١٩. رقم ٥٠ / أ.

لقد تم إنشاء جيش الفرسان على الرغم من معارضة المركز. تعود مبادرة إنشائه إلى ستالين الذي رأى بوضوح تام فائدة مثل هذه المنظمة. النتيجة التاريخية لهذه الخطوة معروفة للجميع.

وهناك سمة عسكرية مميزة أخرى لستالين ظهرت بوضوح على الجبهة الجنوبية: استخدام مجموعات الصدمة. اختيار الاتجاه المهم، وحشد أفضل الوحدات في ذلك الاتجاه وإلحاق الهزيمة بالعدو. في هذا المجال كما هو الحال في اختيار الاتجاه كان ستالين معلم.

بعد هزيمة دينيكين، أصبحت سلطة ستالين، كمنظم من الدرجة الأولى وقائد عسكري، لا نزاع حولها. فعندما توقف تقدم قواتنا بطريقة خطيرة، في كانون الثاني / يناير 1920 بالقرب من روستوف ونتيجة للأخطاء الجسيمة لقائد الجبهة، وعندما أصبح الخطر مهددا مرة أخرى، عندما أصبح بإمكان الحراس البيض تحويل انتصارنا إلى هزيمة، أرسلت اللجنة المركزية إلى ستالين البرقية التالية: "بالنظر إلى الحاجة إلى الحفاظ على الوحدة الكاملة لقيادة الجبهة القوقازية ولرفع سلطة قيادة الجبهة وسلطة الجيش ومن أجل الاستفادة على نطاق واسع من القوات والوسائل المحلية، فإن المكتب السياسي للجنة المركزية يقر بأن دخولك إلى اللجنة العسكرية الثورية للجبهة القوقازية ضروريًا للغاية. أنظر متى ستغادر إلى روستوف."
استجاب ستالين على الرغم من أن حالته الصحية تتطلب منه الراحة.
عندما غادر رانجل، الذي أعلن بصخب عن حملة بولندية وغادر شبه جزيرة القرم مهددا مرة أخرى وبشكل رهيب حوض دونيتز وكل الجنوب، أصدرت اللجنة المركزية القرار التالي (3 أغسطس 1920): "بالنظر إلى النجاحات التي حققها Wrangel والخطر في كوبان Kuban ، من الضروري إدراك الأهمية الهائلة والاستثنائية للغاية للجبهة الرانجلية Wrangelian واعتبارها جبهة مستقلة. يطلب من ستالين تشكيل اللجنة العسكرية الثورية وحشد جميع قواتنا على هذه الجبهة. ويعيّن إيغوروف أو فرونزي قائداً للجبهة بموافقة المجلس الأعلى وستالين."
في نفس اليوم كتب لينين إلى ستالين: "قام المكتب السياسي بتقسيم الجبهات حتى تهتم حصريًا بجبهةWrangel ..."
نظم ستالين الجبهة الجديدة وكان المرض هو الذي أجبره على ترك العمل.

وفي الحملة البولندية أصبح ستالين عضوًا في اللجنة العسكرية الثورية للجبهة الجنوبية الغربية، فكانت الهزيمة المدوية للجيش البولندي وتحرير كييف وأوكرانيا والاختراق العميق في غاليسيا وتنظيم الغارة الشهيرة لجيش الفرسان الأول - فكرة ستالين - هي إلى حد كبير من نتائج قيادته الذكية ومهارته.
لقد أدت هزيمة الجيش البولندي على كامل الجبهة في أوكرانيا والإبادة شبه الكاملة للجيش البولندي الثالث في كييف والهجوم على بيرديتشيف وتشيتومير وتقدم جيش الفرسان الأول في اتجاه كوفنو إلى انتقال جبهتنا الغربية إلى الهجوم العام. وقد أوصلت العمليات اللاحقة القوات الحمراء إلى لفوف نفسها. غير أن هزيمة قواتنا بالقرب من وارسو قطعت تقدم جيش الفرسان الذي كان على بعد 10 كيلومترات من لفوف ويستعد لمهاجمة هذه المدينة.

لكن تلك الفترة غنية جدًا بالأحداث، وسيستغرق الأمر الكثير من الوثائق والتحليل الدقيق لكي نعرضها بوضوح، مما سيضطرنا إلى تجاوز الهدف الذي حددناه في هذه المقالة. إن هذا الوصف المختصر لعمل ستالين العسكري، لا يكشف بصورة كاملة خصائص ستالين كقائد عسكري وثوري بروليتاري. إن ما يبرز للعيان، قدرة ستالين على فهم الموقف الملموس بسرعة والعمل وفق ذلك. وكعدو حازم للفوضى وعدم الانضباط والروح الحزبية ، لم يكن ستالين يتوانى أبدًا، إذا تطلبت ذلك مصالح الثورة، عن تحمل مسؤولية أي تغيير جذري. كان من أجل تلك المصالح مستعدًا لمعارضة أي قرار ورفض أي انصياع.
كان ستالين مؤيدًا دائمًا لأقسى الانضباط العسكري ، للمركزية ، بشرط توفر هدف مدروس ومحدد من قبل الأجهزة العسكرية العليا.
في التقرير المشار إليه أعلاه إلى مجلس الدفاع، بتاريخ 31 يناير 919 ، كتب ستالين بالاتفاق مع دزيرجينسكي: "لا يمكن للجيش أن يعمل كوحدة مكتفية ذاتيا ومستقلة تماما في أعماله، يعتمد كليا على الجيوش المجاورة وقبل كل شيء على توجيهات اللجنة العسكرية الثورية للجمهورية؛ يمكن هزيمة الجيش الأكثر شجاعة، تحت أي ظرف من الظروف، نتيجة لتوجيه خاطئ من المركز ولعدم وجود اتصال مع الجيوش المجاورة. من الضروري إنشاء نظام مركزة عالية لنشاط الجيوش المختلفة في الجبهات وخاصة في الجبهة الشرقية من أجل تحقيق أهداف استراتيجية محددة ومفصلة بجدية. إن التعسف أو الخفة في إصدار التوجيهات دون دراسة جادة لجميع المعطيات، وما ينجر عن ذلك من تغييرات مفاجئة لتلك التوجيهات وأيضًا التوجيهات غير المحددة، - وهو ما تسمح اللجنة العسكرية الثورية للجمهورية لنفسها بالقيام به – ينجر عنه استحالة قيادة الجيوش ويؤدي إلى فقدان القوات والوقت وإغراق الجبهة في الفوضى."

أصر ستالين دائمًا على المسؤولية الشخصية عما يتم تكليفه به ولم يقبل أبدا تحميل أي جهاز هذه المسؤولية. وكان يولي اهتماما كبيرا لتنظيم تزويد القوات. كان يعرف ويفهم ماذا يعني أن يكون الجندي حاصلا على غذاء جيدً وأن يرتدي ملابس دافئة. سواء في تساريتسين، في بيرم أو في الجبهة الجنوبية، لم يكن يمنعه أي شيء من تزويد القوات وجعلها أقوى والرفع من معنوياتها.
نرى في ستالين أيضا، نموذجا لمنظم الجبهة البروليتارية. لقد كان يهتم بشكل خاص بالتركيبة الاجتماعية للجيش، بحيث تضم بالفعل العمال والفلاحين والذين "لا يستغلون العمل المأجور". كان يعلق أهمية كبيرة على العمل السياسي صلب الجيش وكثيراً ما أخذ زمام المبادرة لتعبئة الشيوعيين معتبرًا أنه من الضروري زيادة النسبة المئوية لهؤلاء بين القوات. كان متشددا للغاية في اختيار المفوضين العسكريين وكثيراً ما انتقد مكتب المفوضين العسكريين في روسيا آنذاك لإرساله "أطفال" إليه. كان يقول : "يجب أن يكون المفوضون العسكريون روح الجيش ويجب أن يستقطبوا إليهم المتخصصين العسكريين".

كما أعطى ستالين أهمية هائلة للحالة السياسية في الخلف. كتب في تقريره عن الجيش الثالث: "تتمثل نقطة ضعف جيشنا في عدم وجود صلابة في الخلف ناتجة إلى حد كبير عن إهمال العمل الشيوعي وعدم قدرة السوفييت على تنفيذ توجيهات المركز وبسبب وضع اللجان المحلية الاستثنائية التي هي معزولة تقريبًا.

كان ستالين متشددا في اختيار الأشخاص. مهما كانت التزاماتهم أو مكانتهم، فقد كان يرفض بطريقة جافة جميع المتخصصين والمفوضين والعمال الشيوعيين والسوفياتيين غير المناسبين. لكن في المقابل، كان ستالين يعرف أحسن من غيره كيف يدعم ويدافع عن أولئك الذين يرى أنهم مؤمنون بالثورة. هكذا تصرف تجاه القادة الحمر الذين عرفهم شخصيا. عندما أدين أحد الأبطال البروليتاريين الحقيقيين في الحرب الأهلية وهو قائد فرقة سلاح الفرسان الرابعة عشرة الرفيق باركومينكو بعد سوء فهم - الذي قتل فيما بعد في معركة ضد عصابات ماخنو في بداية عام 1920- ووقع الحكم عليه بعقوبة الإعدام، ولما علم ستالين بالأمر، طالب بالإفراج عنه فورا. يمكن للمرء أن يستشهد بسلسلة كاملة من الحقائق المماثلة. كان ستالين يعرف أكثر من أي شخص آخر تقدير معاونيه الذين يكرسون حياتهم للثورة البروليتارية. كل القادة وجميع أولئك الذين أتيحت لهم الفرصة للنضال تحت قيادته يعرفون ذلك.

لقد كان هذا حال ستالين أثناء الحرب الأهلية. وقد بقي كما هو خلال سنوات النضال اللاحقة من أجل بناء الاشتراكية. لقد تطلبت الحرب الأهلية من ستالين تركيز قدر كبير من القوة والطاقة والإرادة والذكاء. وقد أعطى نفسه تماما لهذه المهمة لكنه اكتسب خبرة كبيرة من هذه الفترة استفاد منها في عمله في المستقبل. خلال الحرب الأهلية، في مواقف متنوعة ومعقدة، وإعتمادا على موهبته الحقيقية كاستراتيجي، استطاع دائما أن يحدد بدقة النقطة المركزية التي ينبغي أن يهاجمها، أن يعالجها. ومن خلال التحركات التكتيكية التي يقتضيها الموقف، كان يحقق النتائج المطلوبة. ميزة الاستراتيجي ورجل التكتيك البرولتاري هذه، حافظ عليها دائما. الحزب كله يعرف هذا. تروتسكي ومن معه يعرفون أكثر من غيرهم هذا وكذلك محرفو نظرية ماركس ولينين والانتهازيين اليمينيين الذين تكبدوا مؤخرا هزيمة ساحقة يعرفون أيضا ذلك.
واستمر ستالين زمن السلم في التصدي بنجاح مع اللجنة المركزية اللينينية للحزب لجميع الأعداء المكشوفين أوالمتسترين للحزب ولبناء الاشتراكية في بلدنا. وفي الوقت نفسه، وعلى الرغم من أنه ترك العمل العسكري رسميًا منذ فترة طويلة، فإن ستالين لم يتوقف أبدًا عن الاهتمام بعمق بمسائل الدفاع عن الحكومة البروليتارية وهو مطلع، كما كان في الماضي، على شؤون الجيش الأحمر وقد بقي صديقه الأقرب والأغلى.


(نشر لأول مرة في عدد خاص من جريدة البرافدة 1929 – ترجم عن النسخة الفرنسية الالكترونية لــ Vincent Gouysse)