مفهوم المجتمع... ما المجتمع؟!

حسين محمود التلاوي
2020 / 2 / 27

ما المجتمع؟!
ما هذا الكيان الذى يجمع تحت لوائه أنماطًا مختلفة من البشر، يتفقون في نقاط، ويختلفون في أخرى؟!
ما العوامل التي تؤدى إلى قيامه؟!
ما الأهداف التي يضعها الأفراد من أجل أن يحققوها من قيام المجتمع؟! هل هي الاستمرار في الحياة وهو ما يعنى انتهاء المجتمع بانتهاء مؤسسيه الأوائل؟! أم أنه أسلوب حياة يصلح لقيادة أجيال قادمة لم ير مؤسسو المجتمع الظروف والمناخات التي تحيط بها الآن ومن ثم ليسوا هم الأقدر على معرفة احتياجاتها؟!
وفي العموم، ما الذى يمكن أن يدفع الفرد لأن يترك حالة الفردية ويتجه نحو علاقة من نوع ما مع الآخرين؟! وما الذى يدفع هذا الآخر إلى قبول هذه الرغبة الاجتماعية لدى نظيره؟!
وردت في الكتابات التي ناقشت مفهوم المجتمع العديد والعديد من التعريفات التي فسرت مفهوم المجتمع متخذة في ذلك مداخل عدة ومن بين هذه التعريفات ما قدمه هودجز بقوله إن "المجتمع كيان أو مجتمع كبير من البشر يعيشون معًا لفترة كافية كي يصبحوا منضمين أو يفكروا في أنفسهم كوحدة اجتماعية متميزة تختلف عن غيرها من المجتمعات الأخرى من البشر".
في هذا التعريف لم يبرز هودجز الدوافع التي أدت إلى أن "يعيش مجموعة من البشر لفترة زمنية كافية" بالإضافة إلى إغفاله ذكر قابلية المجتمع للتأثير في المجتمعات المحيطة أو تأثره بها، وما لهذه العملية من التأثير والتأثر دور كبير في تطور المجتمع الإنساني، وفي نموه، وفي مدى إمكانية محافظته على الاستقرار الذاتي.
هذا عن تعريف هودجز. أما تعريف جودمان فيوضح أن "المجتمع هو كيان أو مجتمع مستقل نسبيا من البشر يتفاعلون مع بعضهم البعض في علاقات ذات طابع اجتماعي، ولهم ثقافة عامة تنتقل من جيل إلى آخر".
وقد خطا جودمان في هذا التعريف خطوة متقدمة لم يخطها هودجز؛ وهى إشارته إلى وجود ثقافة ما في أي مجتمع بشري، بالإضافة إلى وجود آلية ما تنقلها من جيل إلى آخر. بيد أن هذا التعريف أيضًا يعانى ذات أوجه القصور التي عانى منها التعريف السابق.
فيما بعد ذلك قدم الدكتور على السيد الشخيبي مفهومًا أشار فيه إلى وجود مصالح مشتركة تجمع بين الأفراد الذين يكونون المجتمع؛ مما يعد إشارة إلى وجود دوافع محددة أدت إلى نشأة المجتمع. والمفهوم الذى قدمه الشخيبي يشير إلى أن "المجتمع هو مجموعة كبيرة من البشر لها ثقافة خاصة بها، ولديها شعور بالتوحد فيها بينها، والتميز أو الاستقلال عن غيرها من الجماعات البشرية الأخرى، وتعيش هذه الجماعة على أرض لفترة زمنية كافية لأن يتفاعل أعضاؤها بعضهم مع بعض لتحقيق أهداف ومصالح مشتركة". ويعانى هذا التعريف من عدم الإشارة إلى إمكانية تأثير المجتمع وتأثره بالمجتمعات الأخرى المحيطة.

مفاهيم... وعلى سبيل التعريف
ومن هذه التعريفات السابقة، يمكن استخلاص مجموعة من المفاهيم التي تحكم أي تصور للمجتمع وأى توضيح لماهيته وهذه المفاهيم هى:
‌أ. اعتماد التكون الأولى للمجتمع على أفراد عدة لا على فرد واحد.
‌ب. وجود أهداف ومصالح تدفع بتكون المجتمع.
‌ج. أهمية التعايش الزمنى لفترة حتى تتكون أسس وقواعد عامة قوية تجمع بين الأفراد بغرض تحقيق المصالح المرادة.
‌د. الدور البارز الذى يلعبه القرب الجغرافي في نشأة المجتمع بحيث تلزم المعيشة على ذات الأرض من أجل تكون مجتمع.
‌ه. وجود ثقافة ما داخل أي مجتمع أي جانب وجود آليات يضعها المجتمع من أجل انتقال هذه الثقافة.
‌و. الرغبة في الاستمرار والترقي نتيجة وجود هذه الثقافة والرغبة في نقلها للأجيال القادمة.

ومن قراءة لهذه المبادئ العامة يمكن تقديم تعريف للمجتمع على أنه "كيان إنساني يتشكل من مجموعة من الأفراد تعيش على أرض لفترة زمنية ما تكفى لتكوين عدد من المصالح، والأهداف المشتركةـ، تلجأ في تحقيقها إلى وضع نمط ثقافي معين بما يميزها عن غيرها من المجتمعات الأخرى ويتسم بالمرونة الكافية للانتقال إلى الأجيال القادمة وللتفاعل التبادلي مع غيره من الأنماط المماثلة لدى هذه المجتمعات الأخرى".
وهذا المفهوم يشمل ما سبقت الإشارة إليه من وجود دوافع وراء هذا التجمع، وارتباط وصلة بالبعدين الزماني والمكاني، أو وجود الرغبة في الترقي عن طريق نقل الثقافة والسماح بنيل الأفضل من ثقافات المجتمعات الأخرى، ونقل الأفضل مما لدى المجتمع إلى تلك المجتمعات، أو نقل الهدام مما لدى المجتمع في حالة كان الغرض هو ضرب استقرار هذا المجتمع المغاير.

كيف تشكل المجتمع؟! وأين تقف اللغة؟!
ولا ريب أن الإنسان في عصور نشأته الأولى قد طبق هذه المبادئ — من دون دراية — عندما بدأ خطواته الأولى نحو تشكيل تلك التجمعات البشرية التي مثلت في النهاية كوكب الأرض كما نراه الآن في صورته المسماة "القرية الصغيرة".
فلنتخيل أحد الأفراد البدائيين وقد حاول بشتى الوسائل الحصول على ما يكفل له قوت اليوم أو بعض الأيام التالية، ثم يكتشف أن لدى جاره ما يساعده على تحقيق هذه الغاية بصورة أسهل أو لفترات أطول. ولنتمادَ في الخيال فنتصور أن كلاً من هذين الشخصين لديه أسرة مكونة من زوجة وأطفال؛ ومن ثم يصبح لدينا مجتمع صغير مرشح لزيادة عدد أفراده بالطريقة نفسها التي نشأ بها في البداية.
إذن، سواء كان المجتمع قد تأسس نتيجة للرغبة في تيسير الحصول على القوت اليومي، أو الرغبة في التكاثر، نجد أن المبادرة تأتى من الفرد لتكوين تجمع بشري معين، ويكون الفرد في ذلك مدفوعًا بمصالح معينة فطرية بالأساس — الجنس والطعام — وقد تزيد في حالات أخرى إلى الرغبة في نيل الإحساس بالأمان عن طريق اتقاء هجوم أحد الحيوانات المتوحشة.
يلجأ بعد ذلك كل فرد إلى محاولة التفاهم مع الآخرين، وهنا تنشأ اللغة التي تكون أول الأمر همهمات مصحوبة بإشارات ولا تلبث كل إشارة أن تلتصق بهمهمة معينة تتطور هذه الهمهمة فيما بعد أثناء تطور أعضاء النطق لدى الإنسان إلى لغة. ولعل هذا التطور يعتبر تصورًا صحيحًا إلى حد ما بالنظر إلى اتفاق الكثير من التراكيب بين اللغات المختلفة. وفى حال نشأت اللغة، يتطور أسلوب الاتصال بين الأفراد إلى درجة تسمح بتطوير أطر التعايش وأساليب التعامل بينهم؛ وهو ما يشير بوضوح إلى أن اللغة لم تكن في المجتمعات البشرية الأولى سببًا من أسباب تكون المجتمعات.
وتسمى أطر التعايش التي يتم تكوينها بين الأفراد بالعلاقات الاجتماعية والنظم الاقتصادية؛ وهو ما يمكن أن يطلق عليه اسم "الثقافة" ولذا فإن اللغة — أو أساليب التفاهم الشفوي أو الجسدي والتي سيطلق عليها مجازًا اسم اللغة — هي الأساس في تنظيم ثقافة المجتمع وتطويرها ونقلها إلى الأجيال المقبلة.
هذا بالنسبة للمجتمعات القديمة الأولى في نشأة البشرية لكن. ماذا عن المجتمعات الحديثة المستجدة؟! هل كان للغة دورًا في نشأتها؟! هل أثرت في استمرارها؟!
ابتداء، يمكن القول إن سقوط لغة في أي مجتمع، وحلول لغة أخرى محلها، يُعتبر دلالة على بدء مرحلة جديدة في حياة هذا المجتمع دون التجاوز للقول بسقوط المجتمع كله؛ ذلك أن سقوط المجتمع ككل يعنى تفتته إلى مجتمعات أصغر لكل منها لغتها الخاصة كمحاولة للتميز عن المجتمع الكبير؛ وهو ما يعنى عدم موت اللغة ولكن بطلان استخدامها فقط، وتحولها إلى مرحلة سبات وقتي.
وتكون المرحلة الجديدة للمجتمع — بلغته الجديدة — محملةً بثقافات جديدة من اللغة الوافدة إلى جانب الأسس القوية للثقافة السابقة.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار