مصير الحشد غير العراقي

سعد السعيدي
2020 / 2 / 27

خلال فترة الحرب على داعش انتبه الكثيرون في العراق الى حقيقة تشكل حشدين متعارضين فيه. الاول ولاؤه للعراق سمي بحشد المرجعية او حشد النجف والثاني ولاؤه خارج الحدود سمي بالحشد الولائي نسبة الى نظام ولاية الفقيه.

وقد توسع الحشد الولائي بنفس وقت قتاله ضد داعش وتكاثرت ميليشياته. ثم صار مع مرور الوقت يعمل على التغلغل في مفاصل الدولة العراقية وقواتها الامنية بتوجيه من جهته الداعمة مستغلا ضعف الدولة. ولا يمكن ان يجري هذا التغلغل بعيدا عن حدوث تأثير سلبي لهذا الحشد ذو الولاء غير العراقي على نظام الدولة والحريات العامة. فصار ينفذ سياسة جهته الداعمة في نشر الفساد والتطرف بنفس وقت تظاهره بمحاربتهما. وبنشره للفساد وتعاونه مع الفاسدين وشله للاجهزة الرقابية صار ينخر الدولة والنظام الديمقراطي. إن وجود جيشين متعارضي الولاء في اي بلد هو امر غير منطقي ولا يمكن تخيله.

ومما لا شك فيه انه قد جرى بعد صدور فتوى الجهاد الكفائي تسليط الضغوط على الحكومة بغية منع تعزيز الجيش بمتطوعي الفتوى، وذلك بهدف تحويلهم الى الميليشيات المسلحة. إذ ان ثمة جهات اقليمية ناهيك عن الدولية لها مصلحة في الابقاء على الجيش العراقي صغيرا ومخترقا وعاجزا بعد اعادة تشكيله.

ويتذكر الجميع محاولة الحشد الولائي الصفيقة في احدى الفترات القضاء على حشد المرجعية بطريق الاستحواذ على مقاتليه. فكانت هذه المحاولة اولى الاشارات لما كان يخطط للقيام به لاحقا مع كل التشكيلات الامنية والعسكرية خارج هذا الحشد. وكان ما اتّبع مع تشكيلات الدولة هو تعيين اعضاء تلك الميليشيات فيها في ما عرف بضباط الدمج. ومعروف عن هؤلاء بكونهم ليسوا ضباطا اصلاء نظرا لكونهم لم يتعلموا في الكليات العسكرية العراقية ، علاوة عن غياب اية خدمة سابقة لهم في القوات الامنية العراقية. إذ ان غاية الدمج هي ضمان الولاء. لذلك فهي لا تكون إلا عملية اختراق للقوات الامنية من قبل الجهات الداعمة للميليشيات. وهكذا فقد منح اعضاء الميليشيات هؤلاء رتبا عسكرية عليا وعينوا كقادة في تشكيلات وزارة الداخلية ومفتشية الدفاع. وهذا الدمج هو ما اسس لاحقا للدولة العميقة.

بالاضافة الى هذا فقد اوجدت الميليشيات الولائية لنفسها مصادرا مالية من خلال التجاوز على القانون وعلى الموارد العامة للدولة. من هذه فرض الاتاوات والمتاجرة بالمخدرات والادوية الفاسدة مما يهربونه بطريق المنافذ الحدودية. ويتذكر الجميع فضائح حماية ملاهي القمار وبيوت الدعارة والمحال التجارية والتستر على المجرمين وسرقة السلف التشغيلية المخصصة لمجالس المحافظات غير التهاون مع التجاوز على امن البلد وسيادته. ولا تقوم هذه الميليشيات بارتكاب هذه الجرائم فقط ، وإنما تقوم ايضا بمحاربة الثقافة والحريات العامة ونشر الطائفية تارة بحجة داعش ، وتارة اخرى بحجة الدفاع عن المذهب.

يلاحظ هنا صمت مرجعية النجف عن امر حرف فتواها. وهو ما يشير الى ان هذه المرجعية لا تريد الخوض في مآل الحشد الذي اسسته حتى لو انحرف واستحوذت عليه جهات غير وطنية تحاول استغلاله لمآربها الخاصة ، وهو صمت يثير الاسئلة. وغير واضح لنا معرفتها ام لا بانه لا يمكن لها من تأسيس جسما مسلحا مؤثرا مثل هذا ، لتترك امر قياده وبلا ادنى اهتمام الى جهة اخرى تتقاطع مصالحها كليا مع مصالح الدولة. إذ ان عمل هذا الجسم المسلح قد تحول الى التجاوز على القانون ومقدرات البلد. بل انه تحول الى غول يحاول اكل وابتلاع كل ما يقع في طريقه. ولاحقا صار يعتدي على المتظاهرين السلميين.

لكل هذه الاسباب يجب حل وانهاء هذا الحشد غير العراقي الولاء المرتبط بالخارج. ولا بد ان تقوم بالعملية نفس الجهة التي اسسته ، ليجري لاحقا دمج اعضاؤه فرادا في الجيش الرسمي كما دعت الفتوى اصلا. فإن عجزت هذه الجهة عن اجراء هذا التصحيح الضروري تقوم الدولة بحله بنفسها. ثم يقرر امر باقي الحشود لاحقا.

لقد كان استحداث حشد المتطوعين استثناء املته الظروف المعروفة التي احاطت بالعراق. ولا يمكن لهذا الاستثناء ان يستمر الى ما لا نهاية مع وقوعه تحت سيطرة دولة اخرى وتورطه بالممارسات الاجرامية. إذ انه يشكل خطرا على سلامة البلد وامنه والحريات العامة حتى لو كانت مكفولة دستوريا كما رأى الجميع. فلا يمكن السماح لمجاميع مسلحة مثل هذه بالاستمرار في غيها والتغول ولا بد من اتخاذ قرار انهائها.