الحراك الشعبي في عامه الأول (الجزءالأول)- ماذا تحقق-؟

رابح لونيسي
2020 / 2 / 25

الحراك الشعبي في عامه الأول (الجزء الأول)
- ماذا تحقق-؟

نستسمح القاريء الكريم أن نشرع في نشر سلسلة مقالات حول الحراك الشعبي الجزائري بعنوان "الحراك الشعبي في عامه الأول"، وهو عنوان مستمد من كتاب لفرانز فانون نشره عام 1959 حول الثورة التحريرية الجزائرية بعنوان "الثورة الجزائرية في عامها الخامس" أين حلل ما أحدثته هذه الثورة من تغييرات إيجابية على المجتمع الجزائري في عدة ميادين، طبعا لاندعي أنه بقدراتنا القيام بذلك، فعمل كهذا حول الحراك يكون في نفس مستوى ماقام به فانون بالنسبة للثورة التحريرية يحتاج إلى الكثير من علماء إجتماع وممكن علماء نفس يخضعون الحراك لدراساتهم العلمية المبنية على دراسات ميدانية، ومن المؤكد سيأتي ذلك في المستقبل، وسنسمع عن دراسات وأطروحات دكتوراة حول الحراك، لكن هذه السلسلة من المقالات التي نحن بصدد كتابتها هي مجرد مقالات بسيطة جدا حول الحراك الشعبي الجزائري بعد مرور عام عليه تتناول بشكل مبسط ومختصر ما حققه الحراك وما فشل فيه وما يمكن تحقيقة مستقبلا، كما تتناول المعوقات والعراقيل والمشاكل التي يعاني منها وغيرها من القضايا الموجهة لعامة الشعب، كما يمكنها أن تكون مدخلا لنقاش واسع فقط لاغير يشارك فيه الجميع، فقد أظهر الحراك الشعبي وجود قدرات تحليلية وسياسية لدى الكثير من الجزائريين، خاصة الشباب منهم من خلال تلك الساحات العامة في العاصمة ووهران والعاصمة وغيرها من المدن التي يتم فيها النقاشات بكل الأنواع والمستويات في كل ما يتعلق بالحراك ومواجهة كل المناورات لإجهاضه أو سرقته وطرح الحلول وغيرها، فهذه الخطابات السياسية في مختلف الساحات تحتاج حتى هي إلى دارسات أكاديمية عديدة مستقبلا.
يعد يوم22فيفري2019 يوما مفصليا في تاريخ الجزائر المعاصرة، ومن أبرز مكاسبه التي لايمكن أن ينفيها أي كان بما فيها أعدائه يتمثل في إحداث تغيير جذري منذ ذلك اليوم لكل تلك الصور المروجة عن الشعب الجزائري، والتي ساهمت فيه الأدوات الأيديولوجية للسلطة بنفس طريقة وأساليب الأدوات الأيديولوجية للنظام الإستعماري بتصوير هذا الشعب بأنه شعب همجي ومتطرف وعنيف لاتصلح معه الديمقراطية، فمن الإنتصارات التي تحققت هي إبراز سلمية الجزائريين كما يؤكده لنا التاريخ بشكل واضح، فالجزائريون من الشعوب المسالمة التي لم تعتد على أي شعب آخر طيلة تاريخه الممتد على آلاف السنين، كما أبرز الحراك قبول الجزائريين بعضهم بعضا على العموم طبعا، لأنه يجب الإشارة أن هناك لحد الآن أقلية شاذة تخرج عن ذلك كما يقع عند كل شعوب العالم، وهي مجموعة يرفضها الحراك، ويفضحها يوميا، فهي التي توظفها السلطة لتفتيت الحراك وتشويهه مستغلة أمراضها العنصرية، خاصة ضد منطقة القبائل، فهؤلاء العنصريين يحتاجون إلى علاج في مصحات نفسية خاصة بذلك، وليس بسن قانون فقط ضد الكراهية والعنصرية والجهوية، يبدو أن هؤلاء المرضى العنصريين ينخرطون في مخطط بدأ منذ عدة سنوات إنطلاقا من بريطانيا، وهو مخطط يدخل في إطار حرب إلكترونية من قوى أجنبية، ومنها الكيان الصهيوني ضد الجزائر لتحطيمها داخليا بإثارة الجزائريين بعضهم ضد بعض بتوظيف وسائط التواصل الإجتماعي، لكن للأسف أستغلتها أطراف من النظام لإنقاذ نفسها في إطار سياسة فرق تسد، وهو ما يعتبر خيانة عظمى، لأنهم بذلك ساعدوا عدوا يشن حربا من الجيل الرابع والخامس (الحرب الإلكترونية) على الجزائر، وما يبشر بخير هو فضح الحراك لكل هؤلاء وإبراز تمسكه بالوحدة الوطنية المقدسة لدى الشعب الجزائري على عكس هذه العناصر من النظام التي لاتهمها هذه الوحدة إطلاقا لأن ما يهمها هي مواصلة نهبها لثروات الشعب الجزائري.
مايؤسف له أيضا هي محاولة بعض رجالات السلطة القضاء على تلك السلمية المقدمة من الجزائريين بأساليب شتى سواء بإستفزازات لدفع الحراك إلى العنف أو بالطمس الإعلامي ومنع نقل تلك الصور الحضارية للشعب الجزائري، وفي رأينا كل من ساهم في ذلك لايريد الخير لهذا الشعب، لأنه عرقل كل محاولة لإعطاء الأمة الجزائرية ودولتها قوة ناعمة، خاصة أن هناك من رشح الشعب الجزائري إلى جائزة نوبل للسلام، فبعد ماكان العالم يصور الجزائريين بالعنف والإرهاب بسبب ما وقع في التسعينيات أنقلب الموقف اليوم. كان بإلإمكان أن تأخذ تلك الصورة السلمية والحضارية أبعادا أكبر لولا تلك العراقيل التي وضعت في وجه الشعب الجزائري، فعلى الصعيد المعنوي أعاد الحراك للجزائري كرامته عالميا وبقدرته اليوم رفع رأسه شامخا كما كان يرفعها أثناء ثورته التحريرية(1954-1962) وفي بدايات إسترجاع الجزائر إستقلالها بسبب تلك الثورة التحريرية العظيمة قبل أن تفقده المجموعة التي أستولت على السلطة في 1962 تلك القوة الناعمة بسبب ممارساتها التي لاتعكس عظمة تلك الثورة، كما أصبح الجزائري اليوم يحسب له ألف حساب من السلطة القائمة برغم رفضها مطلبه الرئيسي المتمثل في تحقيق إنتقال ديمقراطي سلمي وفعلي، وليس شكلي أو ديمقراطية واجهة دفاعا عن مصالح خاصة لاعلاقة لها بمصلحة الجزائر دولة وشعبا، لكن الفرصة لم تضيع بعد، فمازال النضال مستمرا من أجل ذلك، كما لايستبعد أن يصبح يوم الجمعة يوما للتعبير عن رفض شعبي لكل ممارسة مناهضة لمصالحه سواء محليا أو طنيا، وأكبر من كل هذا هو عودة الجزائري إلى الإهتمام بالسياسة على عكس ماكان عليه في السنوات الأخيرة، خاصة في عهد الرئيس السابق، فهناك قاعدة سياسية هامة وضعتها الفيلسوفة الألمانية حنا آرندت، وأثبتتها علميا في كتابها القيم "في الشمولية"، وهي أن عدم الإهتمام السياسي لأي شعب، سيترك فراغا سياسيا رهيبا تملأه قوى الإستبداد والفاشية، مما سيسمح بالوقوع في نظام شمولي قاتل، وقد توصلت آرندت إلى ذالك بعد دراستها وتتبعها كيفية نشوء النظام النازي في ألمانيا والنظام الستاليني في الإتحاد السوفياتي، ولهذا فكل من يريد إبعاد الجزائري عن الإهتمام بالشأن العام، خاصة السياسي منه، ويسعى لإعادته لما كان عليه قبل22فيفري2019، فهو يمهد بوعي أو دون وعي للشمولية في بلادنا.
طبعا لايمكن لنا سرد كل هذه المكتسبات التي تحققت منذ عام، لكن فليضع البعض في ذهنهم أن بناء الديمقراطية يحتاج إلى نضالات طويلة، ولايمكن تحقيق كل شيء بين ليلة وضحاها، فبعض اليائسين من التغيير يبدو أنهم دخلوا النضال منذ فترة قصيرة فقط، وتنقصهم التجربة النضالية التي مهدت لها قوى ديمقراطية منذ عقود، فمن الخطأ الفادح رمي وتجاهل كل هذه التراكمات النضالية وعدم الإستفادة من تجاربها، لكن من الموضوعية أيضا الإشارة إلى أن البعض القليل جدا من هؤلاء المنتقدين والمشوهين لمناضلين كانوا يضحون منذ عقود تحركهم في ذلك عوامل لاعلاقة لها بالتغيير الإيجابي، بل مجرد إنتهازية وركوب للحراك على ظهور هؤلاء لا غير، ولهذا نطرح دائما في مقالات سابقة بضرورة إيجاد آليات عملية تمنع إستبدال نخب حاكمة بنخب أخرى، لكن بنفس الممارسات والسلوكات.
ونشير ايضأ أن مكافحة الفساد قد حقق مكاسب كبيرة لايمكن تجاهلها، وستجعل الفاسدين يفكر ألف مرة قبل نهبهم المال العام، فإن كانت هناك عرقلة للمطالب الرئيسية كتغيير جذري لآليات عمل النظام إلا أنه يمكننا تسجيل بأنه هناك عملية تطهير نسبية للفساد المالي الذي وقع بسجن جزء كبير من الفاسدين حتى ولو كان ذلك يدخل في إطار صراع أجنحة وكأداة لإسكات الحراك الشعبي إلا أنها مكاسب تحسب للذين قاموا بها، لكن إبقاء نفس آليات النظام ستنتج لنا فاسدين آخرين مستقبلا، وللأسف تغيير هذه الآليات هي التي لم تتحقق بعد تحت غطاء أنها مطالب تعجيزية وغيرها، ومنها بالأخص شعار "يتنحاو قاع"، وهذا ماسنتناوله في الجزء الثاني من هذه السلسلة بالحديث عن ما لم يتحقق بعد.

يتبع بالجزء الثاني