نظرات على بعض النظريات التي فسرت نشأة المجتمع وتطوره

حسين محمود التلاوي
2020 / 2 / 25

انطلقت نظريات كثيرة من أجل تفسير نشأة المجتمع الإنساني والصورة التي يتطور بها وتراوحت هذه النظريات بين أفكار أيديولوجية المنشأ وأخرى علمية واعتمدت كل منها على أسانيد وبراهين تعتمد فيها إلى أساسيات هذا المنشأ. وفى نقاشنا التالي سوف نلقي إضاءات سريعة على أبرز هذه النظريات، مع سرد سريع لبعض الانتقادات الموجهة لكل نظرية.

أولاً: النظرية الفردية: تعتمد النظرية الفردية على الفرد كما هو واضح من المسمى حيث تعلى من شأن الإنسان الفرد وتؤكد على خصال حب الذات والسيطرة على الآخرين، كما تبيح للفرد السعي وراء ملذاته باعتباره مركزًا للحياة.
وتشير هذه النظرية إلى أسبقية الفرد على المجتمع باعتبار أن المجتمع في نشأته اعتمد على الفرد في المقام الأول؛ ومن ثم يجب أن يكون المجتمع هو الوعاء الذى يشبع فيه الفرد رغباته. وقد انعكست هذه النظرية بشدة على الفكر والتربية في القرن السابع عشر حيث أكدت النزعة الفردية في كليهما، وأدت إلى الإعلاء من شأن فردية التربية بمعنى أن المدرسة يجب ألا تفرض القيود على الطلبة، وأن تخفف من سلطانها عليهم بغرض إعدادهم للعيش في المجتمع حيث لا قيود على الفرد إلا رغبة في إشباع دوافعه.
ولهذه النظرية العديد من السلبيات حيث أنها لا تصلح للتطبيق في المجتمعات المعاصرة؛ لأن هذه المجتمعات قد نشأت من مجتمعات سابقة يلعب فيها الفرد دورًا مع غيره من الأفراد، وهي إن كانت تصلح للمجتمعات الأولى التي نشأت على أساس الفرد فهي لا تصلح للحديثة منها. كذلك فإنها تتطلب من المجتمع سلطة قاسية متسلطة من أجل التصدي إلى نزوع الفرد لتحقيق رغباته بما قد يتعارض مع الرغبات العامة ورغبات الآخرين الفردية بالإضافة إلى أنها تؤدى بالتربية إلى أن تبتعد عن دورها كإحدى الوسائل للحفاظ على استقرار المجتمع؛ وذلك لكونها تشجع فردية الإنسان، وانطلاقه نحو رغباته؛ ما يهدد السلم الاجتماعي.
ولعل هذه النظرية تنطلق من الواقع السياسي والاجتماعي الذى كان سائدًا في هذه الفترات — القرن السابع عشر — في أوروبا من حكم مطلق وأنظمة إقطاعية يسقط فيها الفرد تحت وطأة قوى أكبر منه؛ ما استدعى هذه الحركة المضادة من أجل إعادة الاعتبار للفرد.

ثانيًا: النظرية المجتمعية: يعتبر الإعلاء من شأن المجتمع كقيمة إنسانية على حساب الفرد والقول بأسبقية المجتمع على الفرد الأساسين اللذين قامت عليهما هذه النظرية التي نلحظ تعارضها مع النظرية السابقة الممجدة للفرد.
تقول هذه النظرية بأولوية المجتمع على الفرد؛ بمعنى أن يتخلى الفرد عن أهدافه وطموحاته من أجل أهداف المجتمع وطموحاته، وأن يتنازل الإنسان عن ذاتيته من أجل تطور المجتمع، وقد انعكست هذه الأفكار في الخط التربوي لهذه النظرية إذ تحولت أساليب التربية إلى وسائل لصبغة الفرد بلون مجتمعه دون اعتبار للون الفرد ذاته.
وعلى هذا فإن كثيرًا من الاعتراضات يمكن أن يقوم ضد هذه النظرية؛ وأولها أنها لا تنطبق على تكون المجتمعات الأولى التي هي فردية بالأساس، وثانيها أنها تهمل أن إشباع الفرد لطموحاته هو السبيل نحو إشباع طموحات المجتمع ووسيلة من أجل تحقيق الأمن والاستقرار في المجتمع بدلاً من شعور الفرد بالدونية والقصور عن تحقيق طموحاته وإشباع احتياجاته؛ وهذا ما يتفق مع فطرة الإنسان في تبادل المنفعة مع غيره لتحقيق المنافع للجميع دون تحقيق منفعة الآخرين على حساب ذاته.
وثالث هذه الاعتراضات أن أولوية المجتمع على الفرد تقضي على مبدأ حرية الاختيار لتحديدها أولويات على الفرد أن يحققها دون سؤال أو نقاش؛ مما يفقد الفرد ذاتيته وإنسانيته ويحول دون تطور المجتمع الناجم عن إطلاق حرية إبداع الفرد وطموحاته بما يعود على مجتمعه إيجابًا.

ثالثًا: نظرية التعاقد الاجتماعي: بالنظر إلى التطرف الشديد الذى كانت عليه النظريتان السابقتان من ميل شديد إما نحو الفرد "النظرية الفردية" وإما نحو المجتمع "النظرية الاجتماعية" فقد حاولت نظرية التعاقد الاجتماعي أن تقف موقف التوسط والاعتدال بين هاتين النظريتين من خلال التأكيد على أن الأفراد لديهم الحرية الكافية إلا أنهم مزودون بدوافع فطرية تجعلهم يحاولون إشباعها وهو ما لا يتم إلا عن طريق المجتمع.
وفى الوقت نفسه تشير النظرية إلى أن المجتمع يعد تعبيرًا عن إرادة الأفراد والذى تكون نتيجة التعاقد الاجتماعي بينهم ويتنازلون بغرض استمراره عن بعض حقوقهم الفطرية. ونلاحظ أن هذه النظرية اكتفت بإيجاد سبب تكون المجتمع بينما أغفلت دور النظم والثقافة التي يبتكرها المجتمع من أجل الحفاظ على تطوره واستقراره ونحن في ذلك نذهب إلى ذات ما ذهب إليه الدكتور على عبد ربه حسين إزاء هذه النظرية.

رابعًا: النظرية العضوية: تعتبر هذه النظرية من النظريات التي فسرت المجتمع على أسس مستقاة من العلوم الطبيعية؛ ذلك أنها أكدت على أن المجتمع في نشأته وتطوره وتكوينه يشبه جسم الإنسان؛ فالأفراد هم أعضاء الجسم، والمجتمع هو الجسم ذاته وما يمر به جسم الإنسان من ميلاد وشيخوخة ووفاة.
ويؤخذ على هذه النظرية عدة نقاط أولها أنها لم تقدم تفسيرًا لأسبقية الفرد على المجتمع، وما إلى ذلك من روافد هذه النظرية. بجانب ذلك نجد أنها طبقت أسس علم على علم آخر؛ فالأحياء علم الطبيعة فيما أن المجتمع من اختصاص العلوم الإنسانية لما يكن منهما من قواعد وأسس؛ فالأمراض التي تهاجم جسم الإنسان وكذلك طرق تشخيصها وعلاجها تختلف تمامًا عن تلك التي تصيب المجتمع، بالإضافة إلى أنها تفسر السلوك الاجتماعي تفسيرًا بيولوجيًا بما ينافى وجود دوافع نفسية وكذلك أخلاقية وراء تشكيل هذا السلوك الاجتماعي.

خامسًا: نظرية الإعلاء الاجتماعي: لهذه النظرية أصول في علم النفس حيث ظهرت وقت انتشار الآراء في أوساط دارسى علم النفس بأن الإنسان عقل فقط فجادت هذه النظرية كي تؤكد أن للفرد دوافع بيولوجية تتوجه سلوكه نحو الآخرين أي أن المجتمع عبارة عن وسيلة أو إطار من أجل أن يشبع الإنسان غرائزه بصورة منضبطة ومهذبة.
ومن الواضح أن هذه النظرية تفقد سنداتها من التحليل الأول لها؛ فهي تلغى مختلف الدوافع الإنسانية والذهنية وكل ما قد يؤدي بالفرد إلى أن يصبح عضوًا في المجتمع، وتقصر توجيه سلوكه على الدافع البيولوجي، بجانب أنها تلغى فكرة وجود فطرة اجتماعية داخل الإنسان، وتجعل اتجاهه نحو إقامة علاقات مع الآخرين مجرد نتاج من رغبته في إشباع حاجاته البيولوجية؛ وهذا ما قد يؤدي بالمجتمع إلى الانهيار؛ لأن كم الحوافز الموجود لدى الفرد من أجل المحافظة على استقرار مجتمعه بغرض استمرار إشباع حاجاته هو كم ضعيف لا يقوى على دفع الفرد لبذل مختلف مجهوداته من أجل استمرار مجتمعه. ولنقارن بين قوة حافز الدوافع البيولوجية وبين حافز الانتماء إلى الوطن في درجة دفعهما الفرد للحفاظ على الترقي والتقدم الاجتماعي.

سادسًا: النظرية الماركسية: أتت هذه النظرية لتفسير تطور المجتمع كرد فعل صريح على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي سادت خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في أوروبا من سيادة الاقطاع وقهر العمال في المصانع وعدم توزيع الثروة على أساس الإنتاج ولكن على أساس الملكية ما يؤدي إلى وضع الثروة في يد قلة من الملاك على حساب الأكثرية الساحقة من العمال وقد قامت أساسًا على أفكار كل من كارل ماركس (18 – 1883) وفريدريك إنجلز (20 – 1895) وهى الأفكار التي فسرت تطور المجتمعات الإنسانية على أساس الصراع الطبقي بين البرجوازية والطبقة العاملة، وتعتمد على النظرة المادية للإنسان والمجتمع بعيدًا عن أية غيبيات.
ويسمى الأساسان النظريان لهذه الرؤية بالمادية الجدلية والمادية التاريخية وقد عرف ماركس الجدلية بأنها العلم الذى يبحث في القوانين العامة لحركة وتطور العالم الخارجي وفكر الإنسان. ومما أشار ماركس في تعريفه للجدلية إلى الحركة فإن هذا يوضح جانبًا أخر في نظريته؛ وهو الجانب الذى يؤكد عدم ثبات أي عنصر في العالم أو الأفكار أو الأحداث. وعليه فإن الأفكار والعمليات والأحداث كلها فيها حركة وتغير دائبان. وتشير المادية إلى أن الاقتصاد هو محور حياة الفرد، وتفسير للعلاقة بين المجتمع وبين أفراده بهدف إشباع حاجات الفرد إلى جانب الحفاظ على المجتمع من خلال العمل والإنتاج؛ ومن ثم انعكست هذه الفكرة المادية على كل الحركة داخل المجتمع من علاقات وبناء وتغير.
والمآخذ على هذه النظرية كثيرة جدًا وفى مقدمتها إغفال دور الدين في حياة الفرد والمجتمعات الإنسانية ككل جراء إنكار الغيبيات وهو ما تلخصه العبارة الماركسية الشهيرة بأن "الدين أفيون الشعوب"؛ أي أنه عامل تأخر وتخلف للمجتمعات سواء كان المقصود بالعبارة هو لفظها أم المقصود بها أن هناك من يستغل الدين من أجل إلهاء الشعوب، ومنعها من السعي نحو التقدم والحصول على الحقوق المسلوبة باسم الدين. أدى ذلك الموقف المبدئي من الدين إلى تأخير انتشار الشيوعية في العالم العربي للدور الكبير للدين في المجتمعات العربية التي توصف على نطاق واسع بأنها "محافظة".
أيضًا نجد أن هذه النظرية تلغى فكرة الملكية الخاصة لكونها تؤكد أن نهاية الصراع الطبقي بين البرجوازية وبين العمال هو انتصار للعمال ولنظام عدالة التوزيع الاجتماعي؛ مما يتطلب الملكية للدولة لضمان عدالة التوزيع، وإلغاء الملكية الخاصة بالكلية بما يخالف أبسط قواعد الفطرة الإنسانية.
بالإضافة إلى ما سبق نجد هذه النظرية تركز على الجانب المادي في حياة الفرد والمجتمع متغافلة عن وجود جانب روحي يساهم في ترقية النشاط الإنساني ويجعل الفرد متميزًا عن غيره من الكائنات الأخرى فالجانب الروحي يجعل الإنسان خلَّاقًا قادرًا على الابتكار بما يساهم في التطور الفعلي للمجتمع لأنه يمنحه مساحات للتفكير والانطلاق بالخيال بعيدًا عن التقيد بالأطر المادية الملموسة التي يمكن تطويرها فقط بشيء من الخيال.

سابعًا: النظرة الإسلامية: لم أشأ استخدام مصطلح نظرية مع الفكر الإسلامي في تفسير نشأة وارتقاء المجتمع؛ لأن الإسلام لم يأت بنظرية جامدة بقواعد وأطر محددة، ولكن جاء برؤية شاملة للحياة الإنسانية بمختلف جوانبها. وتضع هذه الرؤية قواعد وأطرًا مرنة تتطور بمرور الزمن واحتياجات الأفراد كذلك تتسع لحاجات مختلف المجتمعات باختلاف مكانها؛ أي أن الرؤية الشاملة تتضمن نظرات لا نظريات؛ فقد وضع القرآن الكريم والسنة النبوية القواعد العامة في تنظيم الشأن الاجتماعي تاركين كل الفرعيات للأفراد وفق ما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم "أنتم أعلم بشؤون دنياكم"؛ أي لكم الأطر والقواعد التي يمكن أن تكيفوها وفق شؤون الدنيا حسب احتياجات المجتمع. إذن النظرة الإسلامية تهتم بالفرد وبالمجتمع بما يؤدي إلى حفاظ كل منهما على الآخر، وهو ما يقود إلى استقرار المجتمع والسلام النفسي للفرد؛ ومن ثم ويضمن الاستمرار المريح لكل منهما.
ويعتمد الإسلام بعض المبادئ لتكون أساسًا لما سبق وهى حرية الفرد وأهمية السلام الاجتماعي والإعلاء من قيمة الأسرة والسعي من أجل الرزق والشورى في الحياة العامة والسياسية والحفاظ على المال العام والمال وغيرها من العديد من الفضائل الأخلاقية.

كان هذا عرضًا لأبرز الرؤى والنظريات التي تناولت كيفية نشأة وتطور المجتمع الإنساني، ورأينا الكثير من المثالب التي أعاقت إمكانية تطبيق معظم هذه النظريات في الحياة العامة بما يؤدي إلى حصد الثمار في مجتمع مستقر قائم على التعاونية خال من المشكلات القاتلة التي تعرقل تطوره وتقدمه.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار