الإمبريالية الإستعمارية و حركات التحرر الوطنى (الحلقة السابعة)

عمرو إمام عمر
2020 / 2 / 24

بذوخ الدولة القومية


”بات النظام الرأسمالى مضطراً حتى يتمكن من الدفاع عن نفسـه إلى تنظيم الثورة المضادة داخل حدوده و خارجها على حد السواء ، و تلجأ هذه الثورة المضادة فى مظاهرها الأكثر شططاً إلى فظاعات النظام النازى“
هربرت ماركوز

مدخل
حتى سنوات ماضية كانت القوى العالمية الحديثة تنقسم إلى ثلاثة فى هيكلها القاعدى ، كتلة غربية رأسمالية إستعمارية ، و كتلة شرقية أشتراكية تقدمية ، و أخيرا كتلة أقل تقدما حديثة العهد بالأستقلال و التحرر أميل إلى الإشتراكية و التقدمية ، كان من المأمول أن تتطور تلك الكتلة الحديثة العهد بالأستقلال و أن تطيح بالكتلة الغربية الإستعمارية بمساعدة الكتلة الإشتراكية التقدمية ، لكن عجلة التاريخ تأرجحت مع نهايات القرن الماضى و أختل توازن القوى لتتفكك الكتلة التقدمية الإشتراكية الشرقية ، و بالتالى ضعفت قوى التحرر لتعود الكتلة الغربية الرأسمالية الإستعمارية لتمسك الزمام و تعيد عجلة التاريخ للخلف ، و هاهو الإستعمار يطل برأسه مرة أخرى ، يعبث بمقدرات الشعوب و يعيد منظومة النهب و اللصوصية التى أعتاد عليها ، لم يختلف عن جذوره و أصوله الإجرامية فقط تبدلت اسلحته و أساليبه و صارت أكثر وحشية بالأضافة إلى المكر و الدهاء المعروف عنه ، ساعده على ذلك التطور التكنولوجى و إزدياد خبراته التراكمية التاريخية و غياب الوعى السياسى و التاريخى عند شعوب الكتلة حديثة العهد بالأستقلال …

بركان من الثورات المنقوصة بدأ من تونس إلى مصر ثم أنتشر كفيروس قاتل فى بلدنا العربية ، ثورات أقتصرت على هتافات طلبت ”أسقاط الأنظمة“ و لكنها لم تكن تعرف تبنى أنظمتها السياسية الثورية التحررية ، تتمنى الحرية و العدالة و هى لا تعرف ماهية حريتها و لا كيفية تحققها ، ثورات تبحث عن المستقبل و لكنها مكبلة بتخلف و رجعية الماضى السحيق ، فجاءت خطواتها ليست فقط مرتبكة بل تائهة لا تعرف أين المفر ، ليختلط الحابل بالنابل فلا تعرف الثورة الحقيقية من ”الثورة المضادة“ …

إن الصراع اليوم عاد إلى نقطة الصفر ، فصراعنا ليس فقط ضد الأنظمة الحاكمة و التى هى عميلة للأستعمار و الرأسمالية - بلا جدال - لذا يجب أن تكون أعيننا و هدفنا الأساسى رأس الحية و هو القوى الرأسمالية الإستعمارية المحركة لتلك الأنظمة العميلة ، فأسقاط الأنظمة سهل و لكن مواجهة القوى الإستعمارية يجب ان يبدأ بوضع اسس معركة البناء و التحرر و البحث فى كيفية المحافظة على الثورة بقوتها التقدمية الدافعة و إرساء مناعتها ، تلك هى المعادلة الصعبة التى يجب العمل عليها …

أوروبا و ظهور الدول القومية
مع نهايات العصر القروسطى و سقوط الأقطاع ، كذلك تصدع نفوذ الكنيسة على اثر حركة الإصلاح الدينى ، و إنهيار فكرة الأمبراطورية التى كانت سائدة فى العصور الوسطى ، لتفسح المجال أمام ظهور فكرة الدولة على اساس قومى ، بالتالى بدا الملوك يمثلون الدولة القومية بدلا من الأباطرة ، تلك العملية لم تتم فجأة و لكنها أستغرقت مراحل زمنية طويلة و تدرجت فى مراحل متعددة ، فالإنتقال من عصر إلى عصر لا يحدث بين يوم و ليلة ،ولكنها عملية بطيئة تختلط فيها خصائص النظام القديم بالحديث لأجيال حتى تستقر الميزات الجديد فى حياة المجتمعات ، لتتحول الرموز و الصور القديمة إلى تراثاً يشار إليها فى كتب التاريخ او ذكريات يتحدث عنها العحائز و قد ينبهر بها الشباب …

كلمة ”القومية“ إذا أعدناها إلى الأصل اللغوى فهى مشتق من ”القوم“ ، و التى تعنى سياسيا ”الأمة“ ، و فكرة القومية تأسست على اساس مدرسيتين ، الأولى تبناها المفكرين الفرنسيين ، و الثانية تبنها المفكرين الألمان ، هاتان النظريتان كانتا نتاج تطورات تاريخية لكل من البلدين ، فالنظرية الفرنسية ترجع فى أصلها إلى الفيلسوف الفرنسى ”جان جاك روسو“1 و كتابه ”العقد الإجتماعى“ ، الذى يرى فيه أن اساس المجتمع يقوم على أرتباط المواطنين بعقد أجتماعى يقوم على تحديد الحقوق و الواجبات ، ليخلق هذا العقد روحاً عامة مشتركة بين افراد الشعب و يخلق منهم أمة مترابطة ، و الدولة تمثل الكيان السياسى و تقوم على الروح الإجتماعية …

أما النظرية الألمانية فهى ترجع إلى الفيلسوف ”هردر“2 الذى أعتمد على وحدة اللغة ، فقد رأى فيها روح الشعب ، و خير معبر عن فكره و مزاجه و حساسيته و أصالته ، لتكون القومية كائن عضوى ظاهرته الأساسية اللغة البدائية للشعب ، مما لاشك فيه إن كلا النظريتان تطورتا خلال القرون الاحقة إلا أن أساسيهما ظل باقى و لا زالت الحركات القومية مطبوعة بهاتين النظريتين …

فى المقابل أسقطت الماركسية من حسابها أهمية الأفكار و العواطف و أعتمدت على تفسير حوادث التاريخ على العوامل الأقتصادية بأعتمادها ”المادية التاريخية“ على اساس أن العامل الأقتصادى هو القوى المحركة الرئيسية للتاريخ و التى تحرك الأحداث فى الواقع و تكشف جوهر النظام الإجتماعى ، إلا أن إسقاط أهمية العواطف يضعنا فى بعض الأحيان أمام حالات لا نستطيع تفسيرها إلا بعوامل فكرية و عاطفية ، لأن الشعوب فى أحيان كثيرة تفضل إرضاء مصالحها المعنوية و التطلعات الروحية على إرضاء منافعها المادية ، هذا ليس معناه استبعاد مبدأ المادية التاريخية و لكن يجب بجانبه حساب العوامل الأخرى المؤثرة و التى قد تختلف من شعب إلى آخر …

كان من أهم العوامل التى ساهمت فى صعود فكرة الدولة القومية هى إنهاء سيطرة اللغة اللاتينية التى كانت تعتبر لغة الثقافة و التعليم ، فبدأ الأدباء خاصة من بدايات القرن الخامس عشر فى الكتابة باللغات و اللهجات المحلية ، كذلك التطور الذى صاحب ذلك بإنطلاق الفكر الحر فى التعبير عند الأدباء و الشعراء و الفنانين ، إلا أن التصدع الذى حل بنفوذ البابا و حركات الإصلاح الدينى و التى نشأ عنها مذاهب جديدة كالبروتستانتينية و الكالفينية وظهور الكنائس القومية كالإنجيليكية فى إنجلترا ، و على الرغم إن تلك المذاهب كان الدافع إليها عقائديا إصلاحيا ، إلا أنه كان لها ما يبررها من الناحية السياسية و الإقتصادية …

كما بدأت تظهر سمات الدولة القومية خاصة فى غرب أوروبا ، فإنجلترا بعد حروب أهلية استمرت من عام 1455 إلى 1485 التى عرفت بأسم حرب الوردتين3 ، كذلك فرنسا التى ظهرت ايضا من بدايات العصر الحديث كدولة قومية بعد صراع عنيف و طويل خاضته أسرة كابيه Capet ضد أمراء الإقطاع ، لتتوحد فرنسا فى الفترة ما بين 1471 إلى 1559 بعد استعادتها للمقاطعات التى آلت إلى إنجلترا بطريق الزواج و الوراثة ، ايضا أسبانيا ظهرت كدولة قومية موحدة بعد أن اتحدت مملكة أراجونة Aragon مع مملكة قشتالة Castile بعد زواج ملكة قشتالة إيزابيلا من فرديناند ملك أراجونة عام 1469 ، لتنجح المملكة المتحدة الجديدة فى استعادة غرناطة آخر معاقل دولة الموحدين الإسلامية عام 1492 ، كذلك كل من البرتغال و هولندا و سويسرا ، لتشهد القارة الأوروبية عصرا جديدا صاخبا أمتلاء بالصراعات بين تلك الدول التى تطلعت إلى التوسع و اصطدمت أغلبها فى حروب طويلة استمرت أكثر من نصف قرن من عام 1494 إلى 1559 و هى التى عرفت بأسم الحروب الإيطالية …

التغير الذى حدث فى الفكر السياسى الأوربى طرح تساؤلات جديدة و من أهمها ”ما هى الأمة ؟“ ، هذا التساؤل يحمل الكثير من التعقيد و الألتباس الغامض لم يستطع المفكرين أن يضعوا إجابة جامعة له ، فالمهتمين بدراسة الأمم و العاطفة القومية وقفوا أمام تعدد العوامل التى تدخل فى نشأة الأمم ، و تشكل العاطفة القومية و أشاروا أنه يجب عدم إهمال أى عامل من تلك العوامل المؤثرة فى تكوينها : -

1- الأرض : هل العوامل المؤثرة من تضاريس و مناخ و توفر المياه أو نقصانها و الزراعة يمكن ان تؤدى إلى وحدة ثقافية بالرغم إن هذا التماثل الجغرافى قد لا يؤدى لخلق أمة ، فهناك أمم لم يؤدى هذا التجانس إلى تقارب أواصر الجماعات بها لتشكل أمة ، و وجدوا أيضا إن الارض قد لا تكون عنصراً ضرورياً لإن عاطفة التضامن بين ابناء الجماعات المشكلة للأمة يمكن أن يظل حيا و محافظا عليه بالرغم من فقدان الأرض لأسباب متعددة ، و لكن هناك عوامل أخرى تتدخل فى تشكيل العاطفة القومية يجب أن تكتمل سماتها …

2- العرق : التقارب أو التوحد العرقى من سمات للصفات الجسدية من حيث الهيكل الجسمانى بمكوناته و لون الجلد يمكن أن يؤلف عامل تضامن بين الجماعات ، ويقول المفكر و السياسى الفرنسى جوبينو4 إن الشعوب ذات الميزات الأثنوجرافية المتشابهة تنتسب عادة إلى قومية واحدة ، إلا أن المحللين الأثنوجرافيين المحدثين دللوا على إن الأمم الكبرى ليس لها وحدة عرقية ، و إن المناطق التى تشهد هذه الوحدة العرقية نادرة …

3- اللغة : من المؤكد أن وحدة اللغة لها تأثير كبير فى تشكيل الأمم فهى التى تشكل التراث الفكرى و الثقافى مما يساعد على نمو التضامن القومى ، و مع ذلك فقد تشكل الوجدان لدى امم تتباين لغة شعوبها مثل سوسرا أو كندا أو بلجيكا …

4- الذكريات التاريخية : تؤثر الذكريات التاريخية فى نمو العاطفة القومية ، فهى التى تذكرهم باللحظات التاريخية الكبرى و الأبطال العظام ، و يتم استخدامها من قبل الحكومات فى حالات المرارة و النكبات لرفع المعنويات للشعوب لشحذ الهمم و استعادة قوته من خلال ذكرياته ، لكن الذكريات ليست كل شىء فى حياة الأمم …

5- التقاليد : تشكل التقاليد صدى كبير فى تكوين عقلية الشعب الجمعى ، لكن قلما ما تكون تلك التقاليد عفوية ، فعادة ما يكون تم صياغتها و نحتها من قبل سياسيين و مفكرين ، لذا فالتقاليد غالبا هى نتيجة لوجود الأمة و ليست سببا فى تشكيلها …

6- الحضارة الفكرية : إن نمو الحضارة الفكرية فى منطقة ما من خلال الأدب و الفكر لتشكل قيمة مؤثرة فى وحجان و عقل الأمة له تاثير فى أوقات ، و لكن وجدت بلدان كبرى ذات حضارة عريقة و لكن الوجدان القومى لم يتبلور إلا فى وقت متأخر جدا مثل العديد من الدول الأفريقية التى لم تتشكل قوميا إلا فى أواخر القرن الثامن عشر …

7- الدين : لا شك إن وحدة الدين له تأثير فى وحدة الشعوب ، و قد حرصت الحكومات على إستخدام الدين سياسيا بأشكال مختلفة للحفاظ على وحدة البلاد و تماسك الشعب ، لكن فى نفس الوقت نجد إن هناك قوميات تشكلت و حافظت على وحدتها بالرغم من الأختلافات الدينية و أخرى تفككت بالرغم من وحدة الدين ، و أخرى أنقسمت بسبب الأختلاف الدينى …

8- الظرف الأقتصادى : إن التضامن الذى يقوم على المصالح المادية للمنتجين أو التجار فى منطقة ما من العناصر المؤثرة لنمو العاطفة القومية ، فشاهدنا نمو الحركة القومية الألمانية من خلال مصالح تجارية نشأ عنها ما عرف بالأتحاد الجمركى بين دول جنوب ألمانيا و بروسيا ، فالوحدة الجمركية ساعدت على تهيئة المناخ للوحدة السياسية ، لكن بالرغم من ذلك هذا الإتحاد لم يمنعهم من حمل السلاح ضدهم ضد بعض فى حروب عام 1866 …

9- التباين الإجتماعى : أوجدت الظروف الجغرافية و التاريخية فى بعض البلدان طبقة من الفلاحين تابعة لطبقة من الملاك يتحدثون بلغة غير التى يتحدث بها هؤلاء الفلاحين ، كذلك المصالح الطبقية بين طبقة الفلاحين ، فوحدة اللغة و المصالح كان لها عاملا قويا فى تهيئة الأرض لنمو عاطفة قومية قائمة على المصالح الطبقية و هذا المبدأ يعتبر اساس الفكر الإشتراكى …

من هنا نرى إن تشكل الوحدات القومية قد يفيد الشعوب الناطقة بلغة واحدة و لها تراث مشترك من الذكريات التاريخية بالرغم من تابعيتها لولاءات سياسية مختلفة ، و قد تتصاعد الرغبات المشتركة بين تلك الشعوب بالعيش فى ظل دولة واحدة بالرغم من أختلاف الولاء السياسى ، إلا إن هذا يرتبط بوجود حالة ذهنية و فكرية يجب تغذيتها و إمدادها و توسيع إنتشارها ، لكن إذا أقتصرت التغذية على العوامل العاطفية فقط كالذكريات التاريخية و إغفال المنافع و المصالح الأقتصادية قد لا تؤدى الغرض الكامل لها ، و هذا ما أرتكزت عليه الحركات التحررية خلال منتصف القرن الماضى فى آسيا و افريقيا للتحرر من الإستعمار …

مما تقدم نرى إن القومية وليدة عواطف تتفاعل مع بعضها و تؤلف قوة نشطة تحرك الشعوب و تدفع بها إلى تحقيق الذات القومية ، و هذا الوعى القومى ينقسم إلى درجات يبدأ بالعاطفة الوطنية ، و ينتهى بالمصالح و المنافع المشتركة لنصل إلى مرحلة الوعى القومى الكامل ، كذلك يعلمنا التاريخ إن القوى الجمعية عند شعب من الشعوب لا تظهر فجأة أو دفعة واحدة ، فهذا مناقض للمنطق التاريخى ، فالفكرة تنتقل من حيز التنظير إلى حيز العمل و الفعل تأخذ الكثير من الوقت و تقابل الكثير من الصعوبات خاصة من اصحاب المصالح المتعارضة مع فكرة القومية ، إلا إنها إذا بقيت حية قد تأخذ أشكالا مختلفة حسب الظروف فى كل بلد أو جماعة و حسب مراحل تطور الفكرة و نموها و إنتشارها ، قد تقابل بعض الإنحرافات و قد تضطر للأختفاء و التحرك فى السر إلا أنها عادة ما تظهر و تعاود سيرها الطبيعى مرة أخرى ، فالفكرة القومية نشطة و محرضة و دافعة دائما للشعوب فهى تشكلت من خلال التاريخ و لم توجد من العدم و من أمثلة ذلك البولونيين و اليونانيين و الهونجاريين و العرب فى ظل الإمبراطورية العثمانية ، فدرجة نفوذ الحاكم الأجنبى تختلف بين كل أمة من الأمم لأختلاف جوهر شخصية كل منهم و أختلاف الظرف التاريخى …

من الملاحظ إن جميع البلدان التى أستيقظت بها فكرة القومية يرافقها حركة إبداعية فى الأدب و الفن لإحياء التقاليد الشعبية و تمجيد الماضى و تجعله مصدرا خصبا للإبداع ، لتدفع المناضلين لمواصلة نضالهم لتحقيق ذاتهم القومية ، و قد تتجاوز بعض الحركات القومية مطالب الجمع تحت لواء واحد إلى البحث عن المجال الحيوى ، و هذا ما شهدناه فى الحرب العالمية الثانية ، فالدول التى أحتلتها ألمانيا فى تلك الفترة فرض عليها الأحتفال بالأعياد و المناسبات السياسية و القومية الألمانية …

الأشتراكية و المسألة القومية
هناك رأى منتشر إن الماركسية ليست مؤهلة لمعالجة المسألة القومية أو أنهما على تضاد ، و هذا عائد لأسباب عديدة ، إلا إننا نعتقد إنه يمكن البرهان على إن الماركسية تقدم المنهج الأكثر فائدة لتحليل هذا الموضوع الشائك على الرغم إن افكار ماركس و إنجلز حول هذا الموضوع قد تجاوزهما الظرف التاريخى فى نقاط كثيرة ، و كذلك لينين الذى تحدث فى مقالاته حول هذا الموضوع إلا أنها غير مكتملة المنهج ، فليس ضروريا أن تنطوى القومية على سياسات عدائية نحو الأمم الأخرى ، فمن الممكن أن تعبر عن السياسة الأكثر ملائمة لتقدم و رخاء الأمم و المجموعات التى ينتمى إليها الأفراد ، و يقول فرانسيس كوكر5 فى هذا ”إذا فهمت الوطنية و الإشتراكية على اساس الحالات التى تمران بها فى الممارسة العادية ، الأولى كالأخلاص لجماعة معينة ، و الثانية كبرنامج لتحسين شئونها ، من الواضح أنهما متوافقان“6 ، إلا إن أقتراح كوكر يصبح غير ذو جدوى إذا إن ذلك النوع من القومية الذى يقدمها غلاة القوميون الشوفينيون لا يتوافق مع الإشتراكية بأى حال ، و لقد وصف لينين القومية بأنها ”تيار أيديولوجى عريض و عميق“7 ؛ إن إخلاص الفرد للجماعة كان على الدوام شرطاً لبقاء البشر ، فالإنسان إرتهنت حياته و بقائه بكونه جزءا لا يتجزء من جماعة معينة …

المشكلة الأكبر إن القومية أتخذت ستارا فى أوقات كثيرة لأرتكاب أشنع الجرائم فى التاريخ ، إلا إنها فى نفس الوقت كانت الدافع لحركات بناءة و على الماركسى أن يميز بين هذين الوجهين المتناقضين ليتعلم كيف يرعى الحركات القومية التى تخدم مصالح التقدم ، و يدين و يقف فى وجه الحركات التى تستعمل القومية كغطاء فى سبيل أهداف معادية للشعوب ، لهذه الأسباب لابد من نظرة صحيحة للقومية …

يقول جوزيف نيدهام8 فى وصفه لنضال الشعب الصينى فى حرب الأفيون ” المسألة كانت فى كيفية الإمساك بتلك الأعماق العميقة لعاطفة التضامن الإجتماعى التى كانت بين القوى المحركة الرئيسية للمجتمع الصينى خلال ألفى عام ، و لم يكن بإستطاعة قومية من أى نوع أن تفعل ذلك“9 ، كما وصف أنجلز نضال الشعب الصينى بأنها ”حرب فى سبيل المعبد و الدار“ – أى فى سبيل الوطن - ...

لذا نجد إن للقومية وجهان ، أحدهم يحمل سمات الفكر التقدمى و التحرر الوطنى ضد الإستعمار ، كذلك يقدم أحتمالات ساطعة لتطور أقتصادى خال من الخضوع للإمبريالية ، إلا أنه يحمل وجها آخر مغايرا مرعبا فى الواقع ، فبأسمه تخوض أكثر الحروب عنفا و عدوانية تحمل كافة التبريرات لأرتكاب جرائم ضد الإنسانية …

كان هيجل قد ميز ما بين الأمة و الدولة تميزا حادا ، فقد رأى هيجل إن شعبا من الشعوب يمكن أن يعيش كأمة لكنه فى نفس الوقت لا يكون قادر على المساهمة فى تطور التاريخ العالمى ، فهو رأى إن بعض الشعوب تعيش كأمم متوحشة ، لكنه فى نفس الوقت قال إن هناك دافع داخلى لدى كل شعب إلى تكوين دولته و الحفاظ على نفسه من خلالها ، و بالرغم من تبنى هيجل لفكرة الدولة كاساس لتحقيق الدوافع الداخلية للشعوب إلا أنه لم يتبنى الدولة البروسية التى كانت قائمة فى تلك الفترة ، فقد أوضح أنه يكره الملكية المطلقة التى قامت عليها الدولة البروسية و قال إن التجسيد الواقعى للعقل لا يمكن أن يكون سوى الملكية الدستورية و غير ذلك لا يكون عقلاً ، و قد تبنى أنجلز فى فترة شبابه أفكار هيجل ، حتى أنه دعا إلى تطهير اللغة الألمانية من الكلمات الأجنبية و تطهير الفن و العمارة من الأساليب الغريبة عليها ،و قد كتب إنجلز فى سبيل القومية الألمانية عام 1840 ” قد يكون ثمة تعارض مع وجهات نظر الكثيرين ، ممن اشاركهم الرأى إجمالاً ، فى أننى ما أزال عند رأى فى أن الإستيلاء من جديد على الأقاليم الناطقة بالألمانية فى الجهة اليسرى من الراين هى مسألة شرف قومى ، و إن جزء منه هولندا و بلجيكا ، التى إنتزعت فى السابق ، ضرورة سياسية لنا ، فهل نستمر فى القبول ببقاء القومية الألمانية مضطهدة فى هذه البلدان ، بينما يصعد و ينطلق السلاف فى الشرق بشكل أقوى فأقوى ؟ لاشك فى أن الحروب آتية بيننا و بين فرنسا ، و سنرى عندها من يستحق إمتلاك الضفة اليسرى من الراين. ما دامت تجزئة وطننا قائمة ، و ما دمنا سيسياً لا شىء ، فإن الحياة العامة ، و الأشكال الدستورية المرعية ، و حرية الصحافة و كل شىء آخر نطلبه ، ستكون أمنيات كاذبة لا يمكن تحقيقها إلا جزئياً “10.

هذا ليس معناه إن إنجلز كان رجعيا و لكنه تراجع عن تلك الأفكار ناصراً السمات الديمقراطية للثورة الفرنسية ، و يقول كاتب سيرته الذاتية جوستاف ماير11 إن إنجلز قد تخلص بعد ذلك من العنصر القومى فى تفكيره خاصة و انه قد أخضع لفترات طويلة فلسفة هيجل التى كان متأثرا بها للمراجعة ، إذا توجهنا إلى ماركس فى رؤيته للقومية سنجد الآتى ، كان ماركس يعتقد إن هناك تطابق بين الأمة و الدولة ، فقد كان يستعمل تعبير الأمة فى الوقت الذى كان يعنى فيه الدولة ، و فى نفس الوقت كان يدعوا إلى الغاء الدولة التى كان يرى فيها أداة قسر خاضعة للتحكم الطبقى ، و أن القوميات ستذوب فى الجماعة الإنسانية التى تلى زوال جميع الطبقات بالثورة الشيوعية ، إلا أنه اصر على أن القومية هى الشرط الضرورى الذى يسبق الأممية التى تصورها فى المستقبل …

أما لينين فقد خص المسألة القومية بأكثر من ثلث كتاباته ، فهى واحدة من المسائل المركزية فى اللينينية و ليست مسألة فرعية أو ثانوية ، و من أكبر الأخطاء التى يقع فيها الماركسيين الشبان هو افتراض إن موقف لينين من المسالة القوماية كان محددا و نهائيا ، فلينين كان له أكثر من موقف مختلف بحسب الظرف السياسى له فبالرعم من تنديده للنزعة القومية التى أرتكزت عليها المدرسة الماركسية النمساوية و تحريفتها القومية ، إلا أننا نجد أنه اشاد بالثقافة القومية و دعا إلى تطويرها و تجذيرها فى رؤيته لحركات التحرر القومى لشعوب الشرق و المستعمرات ، بل أنه اشار بإن النضال القومى هو شرط مسبق للنضال الطبقى ، و إن المسألة القومية تتقدم فى شروط محددة على مسألة الثورة الإشتراكية ، هذا ليس تناقضاً من لينين و لكن هذا كان جزء من حيوية تفكيره و تكتيكاته للثورة الأجتماعية الشاملة ، إذا يجب علينا أخذ أطروحات لينين فى المسألة القومية دائما ضمن سياقها التاريخى و تطورات الصراع مع الرأسمالية ، فإذا أخذنا المراحل الأولى للثورة الروسية سنجد ارتكاز التنظيم الموحد للعمال على شجب النزعات القومية إذ كانت تلك النزعة بين شعوب الأطراف تقف حائلاً ضد قيام التنظيم المركزى ، لذا فلم يرى لينين فى تلك المرحلة من القومية سوى الوجه السلبى لها ، كذلك فى نقده للمدرسة الماركسية النمساوية التى إنتهجت نهجاً قوميا ذاتيا أرتكز على العزلة القومية فقد كان الشغل الشاغل للماركسيين النمساويين الحفاظ على وحدة الأمبراطورية النمساوية بغض النظر على النضال الأممى هذا ما رأى فيه لينين خطر على وحدة البروليتاريا و أممية الثورة ، واكب هذا أيضا إندلاع الحرب العالمية الأولى و التى شهدت تأجيج للمشاعر القومية لم يسبق أن شهدته أوروبا من قبل ، و تأثر الماركسيين فى أوروبا بتلك النزعات الشوفينية و لم يكن أمام لينين من بُد سوى مهاجمة تلك النزعات و سد الطرق أمام التحريفات التى بدأت تنتشر خلال الأممية الثانية بالتأكيد على ما ورد فى البيان الشيوعى بأن ”العمال لا وطن لهم“ …

هذا يأخذنا لموقف شديد التعقيد عميق الدلالة فى عام 1963 عندما ذهل النائب العام الأمريكى روبرت كنيدى عندما أعلن نخبة من الأمريكيين الزنوج أنه من الصعب أقناع الشباب الزنوج بالذهاب لمحاربة كوبا من أجل الولايات المتحدة ، و قال جيمس بالدوين12 ناقلاً عن شاب زنجى فى سان فرانسيسكو معترضاً على تجنيده للحرب فى كوبا ”ليس لى وطن ، ليس لى علم“ …

أختتم تلك السطور بالعودة إلى ماركس و لينين و دعوتهم للأممية البروليتارية أن الأممية ليست كوزموبوليتية ، بل هى مبنية على الأمم ، فإذا لم تكن الأمم موجودة فينبغى خلقها ، و لن تخلق الأمم بدون القوميات ، و لكن يجب أن تكون النزعة القومية مقرونة بشكل دائم مع نضال الطبقة العاملة الأممى لا تنفصل عنه بل تتوحد معه فور أنتصارها لتخرج من الأطار الضيق للنضال القومى إلى رحابة الثورة الأممية الشاملة …


______________________________________________________

هوامش

1- جان جاك روسو لد فى جنيف، 28 يونيو 1712 وتُوفى بإيرمينونفيل، 2 يوليو 1778 (عن عمر ناهز 66 عاماً) ، هو كاتب و أديب و فيلسوف و عالم نبات ، يعد من أهم كتاب عصر التنوير ، و هى فترة من التاريخ الأوروبى، امتدت من أواخر القرن السابع عشر إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلاديين. ساعدت فلسفة روسو فى تشكيل الأحداث السياسية ، التى أدت إلى قيام الثورة الفرنسية حيث أثرت أعماله فى التعليم و الأدب و السياسة ، يُعتبر كتابه : "العقد الاجتماعى" حجر الزاوية فى الفكر السياسى و الاجتماعى الحديث.

2- يوهان جوتفريد هردر كاتب و شاعر و فيلسوف و ناقد و لاهوتى ألمانى ، ولد عام 1744 فى موراج ، و مات فى عام 1803 بفايمار. كان والده قائد موسيقى كنسية وينتمى إلى الحركة التقوية ، و درس هردر فى الفترة بين 1762 و1764 الطب و علوم الدين و الفلسفة فى جامعة كونيجسبرج ، حيث خضع هناك لتأثير كل من كانط و هامان. و فى الفترة من 1764 حتى 1769 عمل مدرساً و واعظاً فى مدينة ريجا. و فى عام 1769 قام هردر برحلة بحرية إلى نانت ، و أدت هذه الرحلة إلى تحوله من الإيمان بحركة التنوير إلى اقتناعه التام بحركة العاصفة و الدفع كما اعترف هو نفسه. تعرف على جوته، و كان صديقاً لكل من جان باول و فيلاند ، نشر هردر فى عام 1772 ، أطروحة حول أصل اللغة ، و ذهب إلى أبعد من ذلك فى الترويج للغة ، أكثر مما قام به سابقاً ليقول : «أيها الألمانى ، أزل عنك الوحل القبيح لنهر السين ، تحدث الألمانية». وضع هردر أسس فقه اللغة المقارنة ضمن التيارات الجديدة للتوقعات السياسية.

3- كانت الوردة البيصاء ترمز لبيت يورك York ، و الوردة الحمراء ترمز إلى بيت لانكيستر Lancaster ، و انتهت تلك الصراعات بتأسيس هنرى تيودور السابع ملكية تيودور القومية المركزية ، لتتحول إنجلترا إلى دولة ذات حكومة مركزية من بدايات القرن السادس عشر

4- جوزيف آرثر دو كونت جوبينو (1816- 1882) مفكر و أديب و ديبلوماسى فرنسى اشتهر ببحوثه ودراساته فى "التفاوت بين الأجناس البشرية"،

5- فرنسيس كوكر (Francis Coker) هو عالم سياسة أمريكى، ولد فى 1 نوفمبر 1878، و توفى فى 26 مايو 1963 ، تخرج من جامعة ولاية كارولينا الشمالية ، و حصل على الدكتوراة فى الفلسفة من جامعة هارفرد ، درس فى جامعات ييل ، ميسورى ، برنستون ، و أوهايو ، كما رأس جمعية العلوم السياسية الأمريكية من 1934 - 1935

6- "الوطنية" عن موسوعة العلوم الأجتماعية المجلد 12 نيويورك 1964 صـ 28

7- لينين "حول العزة القومية عند الروس" المؤلفات الكاملة 1914 الجزء الـ 18 صـ 99 (الطبعة الأنجليزية لندن 1930)

8- جوزيف نيدهام (Joseph Needham) عالم بريطانى و مؤرخ مختص فى علم الصينيات ، عرف بأبحاثه و كتاباته حول تاريخ العلم فى الصين. قلدته الملكة إليزابيث الثانية وسام رفقاء الشرف فى عام 1992 و هو عضو فى الجمعية الملكية منذ عام 1941 و الأكاديمية البريطانية منذ عام 1971 و هو الشخص الوحيد الحى الذي يحمل هذه الألقاب الثلاثة.

9- جوزيف نيدهام "الماضى فى حاضر الصين" مقال نشر فى أصدار ريبورتر الشرق الأقصى - 1965

10 - F. Engels: Ernest Moritz Arndt. In: Marx – Engels – Gesamtausgabe I, Vol. II, Berlin 1930 P.108

11- جوستاف ماير (Gustav Mayer) ، صحفى ألمانى، ولد فى 4 أكتوبر 1871ببرنتسلاو فى ألمانيا، و توفى فى 21 فبراير 1948 بلندن فى المملكة المتحدة ، تخصص كتابة السير الذاتية ، و التأريخ ، درس لفترة فى جامعة جوتة بفرانكفورت ، و جامعة هومبولت فى برلين

12- جيمس آرثر بالدوين (2 أغسطس 1924 – 1 ديسمبر 1987) روائى و كاتب أفروأمريكى ، و كاتب مسرحي و شاعر و ناشط فى مجال الحقوق المدنية ، وعرف بمواقفه المناهضة للتمييز العنصرى و الجنسى و التفاوت الطبقى ، و تناولت أعمال جيمس هذه القضايا فى منتصف القرن العشرين بالولايات المتحدة الأمريكية. امتازت رواياته بالأسلوب الشخصى ، الذى يعرض فيه أسئلة حول الهوية ، بالإضافة إلى الطريقة التى تتناول فيها الضغوط الاجتماعية و النفسية المتعلقة بكونه أسوداً و مائلاً إلى المثلية الجنسية ، و ذلك قبل أن تتحسن الأوضاع الاجتماعية و السياسة و الثقافية لهذه الأقليات فى الولايات المتحدة فى سبعينات القرن الماضى ، توفى فى 1 ديسمبر 1987.


المصادر
◦ هربرت فيشر- أصول التاريخ الأوروبى الحديث – ترجمة د. زينب عصممت راشد ، د. أحمد عبد الرحيم مصطفى ، مراجعة د. أحمد عزت عبد الكريم – دار المعارف المصرية الطبعة الثالثة 1970
◦ رونالد سترومبورج – تاريخ الفكر الأوروبى الحديث – ترجمة أحمد الشيبانى – دار القارىء العربى الطبعة الثالثة 1994
◦ هوراس ديفيز – القومية و الإشتراكية (النظريات الماركسية والعمالية حول القومية حتى عام 1917) – ترجمة فضل شلق – دار الحقيقة للطباعة و النشر الطبعة الأولى 1972
◦ م. أ. سوسلوف - اللينينية و التحول الثورى للعالم – مطبوعات وكالة أنباء نوفوستى موسكو 1971
◦ ألياس مرقص - الماركسية و المسألة القومية – دار الطليعة للطباعة و النشر الطبعة الأولى 1970
◦ د. نور الدين حاطوم - تاريخ الحركات القومية (يقظة القوميات الأوروبية) الجزء الأول – دار الفكر الطبعة الثانية 1979
◦ فلاديمير لينين - نصوص حول المسألة القومية – ترجمة جورج الطرابيشى – دار الطليعة للطباعة و النشر الطبعة الأولى 1972

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول