في الكويت- تجمّعَ البرغوث مع حمار فوزان-!

أحمد الديين
2020 / 2 / 23


يُروى في الموروث الشعبي الكويتي أنّ جيران شخص اسمه فوزان عانوا الأَمَرّين من عدم القدرة على النوم ليلاً بسبب لدغات البراغيث ونهيق حمار ذلك الجار الذي كان يشتد مع اشتداد لدغات تلك البراغيث، فضُرِب المثل الشعبي القائل: "تجمعَ البرغوث مع حمار فوزان وكل منهم علة باطنية" وهو ينطبق على الحالات التي تجتمع فيها عدة مشكلات في آن واحد معاً...

وهذه هي حال الكويت اليوم، التي تعاني من أزمة متفاقمة ومشكلات محتدمة في مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ما أدّى إلى تنامي الإستياء الشعبي.

فالكويت اليوم تواجه مجموعة متشابكة من المشكلات المستفحلة والتناقضات المتفاقمة التي أصبح حلها مستعصياً، وبذلك فهي تمر في أزمة جدية، فهناك من جهة صراعات محتدمة بين مراكز القوى داخل السلطة وحلفها الطبقي المسيطر أدّت إلى استقالة الحكومة في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وهناك من جهة أخرى فضائح فساد متلاحقة جرى ويجري الكشف عن بعضها، وهناك من جهة ثالثة إعلان حكومي رسمي عن عجز تاريخي غير مسبوق في تقديرات الميزانية العامة للدولة للسنة المالية المقبلة، التي تبدأ في شهر نيسان/ أبريل المقبل، هذا ناهيك عن معاناة متزايدة في صفوف الغالبية الساحقة من الكويتيين جراء اشتداد الضغوط الاقتصادية والمعيشية، والمعاناة الإنسانية الشديدة للكويتيين البدون ومعاناة قطاعات من العمالة الوافدة، ونهج التضييق المتواصل على الحريات. وفي هذا المقال سنكتفي بإلقاء الضوء على ثلاث فقط من هذه المشكلات المتداخلة.

صراعات مراكز القوى

حيث تفاقمت في الأشهر الأخيرة الصراعات بين مراكز القوى داخلها على نحو دراماتيكي عندما قدّم النائب الأول وزير الدفاع ناصر الصباح في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي بلاغه غير المسبوق إلى النيابة العامة ونشر وثائق ومكاتبات تتهم رئيس مجلس الوزراء ونائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية بالفساد، ما أدّى إلى حدوث تداعيات سياسية كان أبرزها استقالة الحكومة وإعفاء نائبيْ رئيس الوزراء من منصبيهما.

والجديد في الأمر أن الصراع بين مراكز القوى لم يعد منحصراً مثلما كان سابقاً في الحروب بالوكالة عبر الأدوات التابعة لهذا المركز أو ذاك، وإنّما أخذ هذا الصراع يدور في قاعات المحاكم وعبر القنوات والأجهزة الرسمية وفي وسائل الإعلام وحروب البيانات، ما يعكس عمق الأزمة السياسية داخل صفوف السلطة.

وفي محاولة للخروج من هذه الأزمة جرى تشكيل الحكومة الحالية، التي هي أقرب ما تكون إلى الحكومة المؤقتة، حيث أن عمرها لن يتجاوز بضعة أشهر إلى حين موعد الاستحقاق الانتخابي في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الحالي على أبعد تقدير، وهي حكومة تضم مجموعة من وكلاء الوزارات وكبار الموظفين، وليس بينهم شخصيات سياسية، وهي حكومة لا تحظى بغطاء نيابي كافٍ، وهذا ما برز في الاستجواب المقدّم لوزيرة الشؤون الذي أدّى إلى استقالتها في الأسابيع الأولى من تشكيل الحكومة.

وبالنسبة للحركة التقدّمية الكويتية فإنها في الوقت الذي تتجنّب فيه الانجرار وراء أجندات الأطراف السلطوية واستقطابات صراعات مراكز القوى، فإنها توجّه اهتمامها بالأساس نحو إعادة الإعتبار إلى الحركة الشعبية بحيث تكون عنصراً مؤثراً في الحياة السياسية في مواجهة نهج الإنفراد بالقرار وانشغال البلد في صراعات مراكز القوى، مع التأكيد على مطالب محاربة الفساد والانفراج السياسي، والحكومة الإصلاحية، وتحقيق لإصلاح الديمقراطي للنظام الانتخابي، وإشهار الأحزاب.

استشراء الفساد

ومن جانب آخر ولكن على نحو متصل، فقد استشرى الفساد السياسي والمالي والإداري في الكويت على نحو متزايد خلال السنوات الأخيرة وتحوّل إلى نهبٍ منظّم لمقدرات الدولة وأموالها، حيث يعزى ذلك بالأساس إلى الطبيعة الطفيلية لمصالح وأنشطة الرأسمالية الكويتية، ولذلك لم يكن مفاجئاً لأحد ما جرى الإعلان عنه بشأن تراجع درجات الكويت في مؤشر مدركات الفساد العالمي الصادر عن منظمة الشفافية الدولية عن العام 2019 إلى 40 درجة من مئة درجة وتراجع ترتيبها إلى المرتبة 85 من بين دول العالم، مع أن هذا المؤشر لم يتناول ما جرى كشفه في الأشهر الأخيرة لبعض وقائع الفساد في صندوق الجيش وصفقة يوروفايتر وصفقة طائرات كاراكال ورشاوي شركة إيرباص، وهذا ما يؤكّد بالملموس مدى تحكّم مافيات الفساد ومقدار سطوتها وتغلغلها في معظم المؤسسات ومفاصل القرار، وذلك بالاستفادة المباشرة من نهج التضييق على الحريات، وملاحقة العناصر الإصلاحية، وتمييع رقابة المؤسسات النيابية والمحاسبية والمعنية بمكافحة الفساد وتحويلها إلى واجهات فارغة.

وتركز حركتنا التقدمية الكويتية على ضرورة كشف قضايا الفساد وعدم لفلفتها وملاحقة الفاسدين وعدم التغطية عليهم ومحاكمتهم علنياً ومحاسبتهم جزائياً، أيّاً كانت اسماؤهم ومواقعهم، ومصادرة الأموال المنهوبة وإعادتها إلى خزينة الدولة، وتطهير مختلف أجهزة الدولة من العناصر الفاسدة، بالتزامن مع طرح مطلب تشكيل حكومة تكون محل ثقة الشعب واطمئنانه لنظافة أيدي رئيسها وأعضائها وجديتهم في محاربتهم لقوى الفساد.

عجز الميزانية في دولة نفطية

سيناقش مجلس الأمة خلال أسابيع قليلة مشروع قانون الميزانية العامة للدولة للسنة المالية 2020/2021 الذي أعلنت الحكومة أنها تنطوي على عجز وصل إلى 9.2 مليار دينار كويتي أي ما يعادل 30 مليار دولار، والمفارقة أن هذا العجز يتم في دولة نفطية ثرية، ويترافق هذا العجز في الميزانية مع تآكل الاحتياطي المالي العام للدولة، حيث نعزو ذلك إلى سببين رئيسيين:

يتمثل أولهما في سوء الإدارة المالية للدولة، والتضخيم المبالغ فيه سنة بعد أخرى لمصروفات الدولة في بنود ليست أساسية ضمن الميزانيات المتعاقبة... فيما يتمثل ثاني هذه الأسباب في النهج الحكومي في الهدر والتنفيع وعدم الجدية في مكافحة الفساد، بل التغاضي عنه ورعايته وشبهات الفساد الشخصي لبعض كبار المسؤولين في الحكومات المتعاقبة، عبر المبالغة في تسعير المناقصات الحكومية، والتوسّع في الأوامر التغييرية في المشروعات الحكومية، بالإضافة إلى ما كشفه تقرير حكومي صدر في نيسان/ أبريل من العام 2018 عن مقدار اختلاسات المال العام المعروضة أمام المحاكم حينذاك التي بلغت 2.4 مليار دينار، أي ما يعادل 7 مليارات ونصف المليار دولار ما يوضح مقدار النهب المنظم الذي تعرّضت له مقدرات الدولة وأموالها.

ولكنّنا مع ذلك فإننا في التحليل الأخير نرى أن عجز الميزانية وتآكل الاحتياطي المالي للدولة إنما هما جزء من النتائج المتوقعة للنمط الاقتصادي السائد المتمثل في الاعتماد على مورد وحيد متذبذب الأسعار، والفشل الذريع في الادعاءات الحكومية بشأن التنمية؛ وعدم الجدية في تنويع مصادر الدخل، وغض الطرف تماماً عما يفترض أن يتحمّله القطاع الخاص من مسؤوليات اجتماعية في تمويل الميزانية عبر الضرائب وتشغيل العمالة الوطنية.

وفي تقديرنا فإنّه في ظلّ استمرار هذا النهج الحكومي من دون تغير فإنّ عجز الميزانية سيزداد مع مرور السنوات ولن يتقلص، وأنّ الأمر لن يتوقف عند تآكل الاحتياطي المالي العام للدولة، وإنما سيمتد إلى السحب من احتياطي الأجيال القادمة، ناهيك عن تحميل الدولة أعباء إضافية عبر القروض وفوائد خدمتها التي ستزيد الأمر سوءاً على سوء.

وفي الوقت نفسه فإنّ الحكومة ستستغل عجز الميزانية للتمهيد إلى تقبل الرأي العام الشعبي لوصفة صندوق النقد الدولي وتطبيق نهجه الاقتصادي النيوليبرالي الذي يستهدف تخفيض بنود الإنفاق الاجتماعي الضرورية المتصلة بحياة الناس البسطاء عبر خفض الدعوم أو إلغاء بعضها وتقليص الإنفاق على خدمات أساسية تحت ذريعة ترشيد الإنفاق، مع تحميل الفئات الشعبية أعباءً إضافية عبر زيادة الرسوم على الخدمات واستحداث رسوم جديدة أو ضرائب غير عادلة اجتماعياً مثل ضريبة القيمة المضافة على المبيعات، وإعادة هيكلة نظام الأجور في القطاع العام، وهذا ما يجب التصدّي له شعبياً وعبر الحركة النقابية العمالية.

وبالنسبة للحركة التقدمية الكويتية، فإنها توجّه الأنظار نحو اقتراحٍ يقتصر على بديلين مهمين يفترض اتباعهما على المدى القريب لسد العجز في الميزانية، أوّلهما، توفير شركات القطاع الخاص فرص عمل للشباب الكويتي، بدلاً من قصر فرص العمل فيها على العمالة الوافدة، وزيادة النسب المقررة للعمالة الوطنية في هذه الشركات إلى نسب مؤثرة وليست رمزية، وذلك كخطوة باتجاه خفض الإنفاق على الباب الأول من الميزانية العامة للدولة وللتخفيف من تضخم الجهاز الوظيفي الإداري للدولة. وثانيهما، شمول مختلف الشركات الكبرى ضمن قانون ضريبة الدخل، التي يفترض أن تكون تصاعدية لتمويل الميزانية العامة للدولة، وذلك انطلاقاً ممّا قرّره الدستور من وظيفة اجتماعية لرأس المال.

أمّا على المستوى البعيد فإنّنا نرى أنّه لا بديل عن ضرورة تغيير النمط الاقتصادي الريعي الاستهلاكي الفاشل والتوجّه نحو خيارات تنموية وطنية تحقق تنمية إنسانية عادلة اجتماعياً ومستدامة، وهو أمر لا يمكن أن يتحقق في ظل تكريس نهج الانفراد بالقرار وتعطيل المشاركة الشعبية والنحياز الحكومي لمصالح قلة من كبار الرأسماليين الطفيليين.