اللُّب ٢

محمد ليلو كريم
2020 / 2 / 19

هل تحوّل الحكم في العراق الى عهد " إمارة التغلب " ؟
في المقال السابق نصل الى خلاصة مفادها : الرمز لا يسقط إلا على يد رمز ؛ إما بالقوة أو الإقناع ، أي ؛ يُزاح الرمز بقوة مادية على يد رمز آخر كأن تكون بالقتل أو الصِدام بين جمهوري الرمزين ، أو أن تحصل قناعة بديلة لدى جمهور الرمز على غير ما يخدم الرمز وذلك بفعل تدخّل رمز آخر يستطيع تغيير القناعة الولائية المترسخة . اضافة لما في المقال من نقاط أخرى .
" الرمز " الذي نقصده اصطلاحًا في هذه السلسلة من المقالات ( حصرًا ) التي تحمل إسم ( اللُبّ ) هو ذلك الشخص البشري الذي يحمل في ذاته رمزية مؤثرة في مجموعة من البشر ، والرمزية حركة أدبية وفنية تعني ( التعبير عن سر الوجود عبر رمز ) ونحن هنا نستخدم المصطلح لدلالة أخرى ولكن معنى المفردة يخدمنا ها هنا ، فالرمز الذي نقصد هو ( الشخص البشري الذي يحمل في ذاته رمزية مؤثرة في مجموعة من البشر ) وهذه المجموعة اعتقدت بأن الرمز الذي تتبع فيه اسرار لاهوتية وناسوتية عميقة عصية على الأدراك والإحاطة ولكن التعبير الشاخص للرمز هو الدال الظاهري عن الغاية الباطنية الكاملة ، ولذلك ؛ مهما بدر من الرمز من تخبطات وأخطاء وزلل يتم تأويله تقديسًا للباطن التام الكمال ، والحجج كثيرة منها حجج سياسية وأخرى ظرفية وهلم جرا ، بل يُفسر الزلل والخطأ كتصرفات غاية في الحكمة والدهاء لغايات لا يعلمها إلا الله وصفوته أهل العصمة وقلة من الاتباع ، والباقي ؛ إما اتباع جهلة جهلة جهلة ، أو اولئك الذين يناصبون الرمز العِداء لقذارة مولدهم وتفاقم ذنوبهم ، ويظل الرمز ملاك نقي لا يخالطه باطل أو يدنسه زلل . وحسبنا ما قدمنا من تعريف عام وتوضيح نراه كافيا .
نعود الى سؤال المستهل : هل تحول الحكم في العراق الى عهد امارة التغلب ؟ .
في حقيقة الأمر نحن نحتاج الى " تعديل بسيط ، غير بسيط " في السؤال وعلى الشكل التالي : هل تحولت الإمامة المرجعية لشيعة العراق الى عهد " إمامة المتغلب " ؟ .
إمارة المتغلب أو حكم المتغلب :
لن نتطرق لقول السلف السُني في هذا الشأن فموضوعنا ينحصر بالشيعة ، ولهذا سنطلب الجواب من أدبيات الشيعة وبلمحة سريعة للإنتقال الى التعديل على السؤال :
يرى ألشيعة أن الإمامة ( الإمامة الجامعة للدين والدنيا ) تنحصر في ولد علي من فاطمة وحصرًا في نسل الحسين وأن دولة العدل الشرعية اقامها علي بن أبي طالب ولن تعود إلا على يد حفيده الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري ولهذا لا يقيمون للدولة من وزن معتبر قِبال رجواهم المؤجلة في تلك الدولة التي تُحكم من معصوم ، فالشيعة يمزجون السياسة والدين في عقيدة حكومة الإمام المعصوم ، والمعصوم حصرًا ، ولهذا يستمر التشكي والتظلم من كل حكومة ودولة ، ولكن الشيعة لم يمتنعوا عن العيش في ظل دول شيعية أو مسلمة أو غير مسلمة وقد أقاموا دول عدة حملت عنوان التشيع ( الصفوية والفاطمية ودولة العلويين ودولة البويهيين ودول أخرى ) وكانت مواقف الفقهاء والناس من الشيعة متفاوتة في التعاطي معها .
إمامة المتغلب :
نحن هنا نقصد " الإمامة الدينية التي أطلقت على عدد من مراجع الشيعة " كالسيستاني والخميني وموسى الصدر ، فالسيستاني إمام بعنوان المرجع الأعلى ، والخميني إمام بعنوان الولي الفقيه ، وموسى الصدر إمام بعنوان سيد المقاومة ، ويبدو أن حسن نصر الله لم ينل هذا المقام ( إمام ) لسبب قد نبحثه في محل آخر .
التغلب الذي نتحدث عنه هنا هو السطوة بالقوة ، قوة الجماعة والسلاح ، وبتعبير أدق هو ( الغلبة ) ، فالمتغلب هنا أقام أمارة من الموالين صار هو أميرهم بقدسيته ، والحقيقة هم يُقدسوه حد المغالاة ، وكإتجاه جديد أفتعل المُغالون قدسية من نوع مستحدث رفعوا فيه السيد مقتدى الى مصاف المعصومين وبدلالة نقمتهم وطعنهم الموغِل بكل ناقد للسيد ومنتقد ، ومن هو الذي لا يُنقَد ويُنتقَد ويُسائل عن الشيعة غير المعصومين الأثني عشر بالإضافة للنبي وأبنته فاطمة ، ومداراةً وتقيةً يقول الصدريون بغير ذلك ، فنحن بينهم وعايشناهم طويلًا ونعرف تفاصيل دقيقة عنهم وأعتقاداتهم ، ولكَ أن تسأل صدريًا السؤال التالي : هل تعتقد بأن مقتدى يُخطيء ؟
هذا الغلو أتاح للسيد مقتدى الصدر إقامة إمامة وإمارة بالتغلب ، فهو إمام اتباعه الأعلى وهو مُتسيد فعال في المشهد العراقي ، أي انه حاز على الواقع والإعتقاد ، وهذا أمر لعمري جد خطير ، ولن يمر مرورًا آمنًا دون نكبة كبرى تلحق بأتباعه وعموم الشيعة ، فالتقديس قفل لا مفتاح له ، مما يضطر المقتحم لكسره ، فإمارة وإمامة السيد مقتدى المُتغلِبة ستودي بالمشهد الى صِدام ونكبة .
أتمنى من القاريء الحذق أن يراجع مصير الحركات المهدوية في تاريخ الشيعة ويطابق ما يخرج به من تصور مع ما أقول عن مصير قادم لا محالة ينال من اتباع المهدي ؛ مع إخفاء العنوان : السيد مقتدى الصدر .
أدى طول فترة غياب الإمام المهدي ( محمد بن الحسن العسكري ) والممتدة الى أكثر من ألف سنة الى تحيّر الشيعة وشتات آراءهم في أمره مما أفرز حركات مهدوية ومدعي الإمامة بشخص نفس الإمام ، وكلما ظهرت حركة أو شخص يدعّي انه المهدي المنتظر ألتف حوله اتباع وجرت أحداث لافتة ومن ثم أندحر المهدي المزعوم وقد ينال اتباعه عنف وتقتيل ، ولكن الحركات المهدوية بالغالب تطلب الغلبة بالإمارة والإمامة ، وليس من حركة مهدوية ظهرت إلا ولها مشروع تغلّب ، وهي مشاريع تُقدَس ، ويُقدَس رمزها ، ويكون الأتباع في غاية الخطورة ، والمكر المموه ، ولشدة تطرف الأتباع تواجه الدولة الخطر ، بل ويمتد الخطر الى خارج حدود نفس الدولة التي ظهرت فيها الحركة المهدوية ومهديها ، وقد يكون المهدي ( ادعاءً ) هو المهدي ، أو من عائلة المهدي ، أو سر يُمهد لظهوره ، وقد جمع الصدريون في الاعتقاد بمهدوية السيد مقتدى عدة عقائد فصّح أن نطلق عليها مجملًا ( الكثلكة الأرثذوكسية ) وفيه أعتقد مقدسوه أقانيم ثلاثة ( المهدي والممهد والإبن الأقدس ) ولو تعمقنا بحثًا في هذا الشأن لنال منا الذهول وطوحتنا الأسرار الاعتقادية للجماعة السلفية الشيعية السيسبانية . . . .
في ١٨ تموز ٢٠٠٣ ألقى السيد مقتدى الصدر خطبة أعلن فيها عن تشكيل جيش المهدي ، كما وألغى وجود الدولة العراقية بالتمام ، ولازلت كمتحدر من المجتمع الشيعي اتسائل : هل من المنطق أن يؤوسس جيش يُنسب الى دولة مفترضة لم تظهر واقعًا ؟

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير