بالأمس كنت معكِ... أدب -رحلات- داخل الذات

حسين محمود التلاوي
2020 / 2 / 19

عندما يتكلم المرء عن ذاته وذكرياته وحياته، فإن العادة قد جرت على أن يوصف ما يكتبه بأنه "أدب السيرة الذاتية". وعندما يتكلم المرء عن مكان زاره؛ فيوضح تفاصيل الزيارة، ويصف المكان، وحياة أهله، وعاداتهم، وتقاليدهم، وما إلى ذلك، فإن ما يكتبه يوصف بأنه من "أدب الرحلات".
لكن ما رأي العادة في مجراها، إذا انطلق المرء في رحلة داخل ذاته؛ فوصف أبعادها، وحكاياتها، وتفاصيلها، ألا يمكن أن تسمح لنا العادة بأن نقول إن ما كُتِبَ هو نوع شديد الخصوصية من "أدب الرحلات"... إنه أدب الرحلات داخل الذات؛ أدب ليس المقصود به سيرة ذاتية مفصلة كما جرت العادة أن تكون السير الذاتية، ولا هو نوع من "أدب الرحلات" التقليدي الذي تعارف الجميع عليه من وصف للأماكن وعادات أهلها.
ألا تعد النفس مكانًا؟! ألا تعد زيارتها بعد مغادرة جزء منها زيارة لمكان بات ربما خفيًّا عنا؛ فتستحق الكتابة عنها وصف "أدب الرحلات"؟! حسنًا... لنقرأ ما بين أيدينا من صفحات لنعرف هل يمكن فعلًا أن يوجد هذا النوع من الأدب أم لا.

بالأمس كنتُ معكِ...
بين أيدينا كتاب "بالأمس كنت معك" للمؤلف أحمد محمود التلاوي. الكتاب صادر عن دار مسار للنشر والتوزيع في المنصورة بمصر، وظهر ف معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ51 التي انتهت مطلع فبراير الحالي.
للمؤلف العديد من الكتب البحثية والقليل للغاية من المؤلفات الأدبية، ولكن هذا المؤلَّف كان له ما يميزه عن غيره من الأعمال الأدبية القليلة التي صدرت للمؤلف في القاهرة في الكثير من الجوانب.
في البداية يمكننا أن نقول على الفور إن ما بين أيدينا هو كتاب من كتب السيرة الذاتية؛ فيتبادر إلى الذهن سؤال مهم وواقعي: "لماذا السيرة الذاتية؟!". السؤال، كما قلنا، مهم وواقعي؛ فقد جرت العادة أيضًا أن من يكتب سيرته الذاتية هو من المشاهير الذين إما يكتبونها بأنفسهم، أو يأتون بمن يكتبها إليهم سواءً على لسانهم أو على لسان ذلك الكاتب الذي استقدموه.
بعد عدد من صفحات الكتاب يفهم المرء السر في كتابة المؤلف لملامح من سيرته الذاتية، أو لنقل لأصداء من سيرته الذاتية.
عندما يكون المرء طفلًا، لا يعي كم المؤثرات التي تنهال عليه، وكم العادات والتقاليد الذي يتشربه على أيدي الكبار سواءً كان بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر. ولا يدرك كذلك أن تلك اللحظات سوف تصبح في يوم من الأيام تراثًا بات غير قابل للتكرار على المستوى الشخصي وكذلك على المستوى العام؛ فما راح لا يعود. الطفولة مرحلة سنية في عمر الإنسان تتلاشى وتختفي وتبقى أصداؤها، وكذلك الفترة الزمنية التي يمر أثناءها الإنسان بمرحلة طفولته؛ فهي فترة زمنية تنتهي بكل ما حوت من عادات وتقاليد وأجواء وبيئة ولا تعود، وإن استمرت على المستوى الشكلي، تكون قد تلاشت أو خفتت أو آلت للزوال على المستوى الواقعي.
هو إذن توثيق... الرغبة في توثيق اللحظة... لحظات الطفولة التي مرت على الإنسان بكل ما فيها من مشترك ومترابط ومتداخل مع غيره من حياة المؤلف وكذلك من حياة الآخرين؛ فالكل في مرحلة ما كان طفلًا، والكل نسي أو يكاد ينسى ما مر به خلال طفولته، والأجيال الجديدة لم تر ما مرت به الأجيال السابقة، ولم تر الأساس الفكري والنفسي الذي انبنى عليه البنيان الاجتماعي الذي يعيشون في سياقه الآن.
لذا... لزم التوثيق.
التوثيق قبل أن تفر من الذاكرة فتضيع وتصبح هباءً.

سذاجة استعادية...؟!
هل كان المؤلف يقصد ذلك؟! ربما...
أو لعلها كتابة استعادية يستعيد بها المرء طفولته على صفحات الكتاب فتعينه على تجاوز ما أشكل في الواقع المُعاش. اللغة المكتوب بها العمل تشهد أن هذا الاحتمال وارد وقائم وقوي، وتعطيه أولوية بين الاحتمالات كافة؛ فاللغة جاءت بسيطة مباشرة، ويجوز وصفها بـ"الساذجة" بعيدًا عن الدلالات السلبية للمصطلح؛ وهي في ذلك لغة بعيدة كل البعد عن اللغة البحثية التي تكاد تكون جافة، وتسيطر على الكتابات الأخرى للمؤلف.
أم أن اللغة كانت بسيطة؛ لأنها في النهاية تتناول مرحلة بسيطة بعيدة عن التعقيد والإشكال؛ فجاءت اللغة بسيطة من باب "مقتضى الحال"؟! هناك الكثير من الكتابات التي تناولت فترة الطفولة سواءً لدى مؤلفيها أو في سياق روائي، لكنها لم تكن بسيطة اللغة؛ ومن ثم فإن بساطة اللغة لا ترجع إلى بساطة المرحلة محل التناول، وإنما هي بساطة استعادية أو سذاجة استعادية إن جاز التعبير.

هو إذن توثيق الماضي من أجل الغد... توثيق بسيط للحظات بسيطة... ما فائدة التوثيق؟! أقول هنا شيئًا قد يبدو للوهلة الأولى غريبًا، ولكن بالتدقيق يمكن فهم المنطق الكامن وراءه. هل كان الفرعون البسيط الذي ترك معوله أو محراثه ليرسم صورًا على جدار منزله يدرك أنها سوف تصبح بعد آلاف السنين آثارًا يكتشفها المتخصصون، ويبدأون في تحليلها جنبًا إلى جنب مع القصور والمعابد الفارهة التي تركها علية القوم؟! كلا بالطبع، ولكنه أراد أن يوثق اللحظة التي عاشها.
التوثيق هو ما دفع رجل الكهوف إلى أن يمسك الطبشور، ويخط رسومًا عبر بها عما في داخل نفسه.
التوثيق إذن طبيعة إنسانية، وإلا لما ابتكروا تقنية التصوير الذاتي "السيلفي" لتوثيق اللحظة.
هل أقول إن "بالأمس كنت معكِ" ربما يصبح في المستقبل البعيد للغاية أثرًا يلتمس منه المتخصصون قبسًا يضيء لهم ولو قليل مما استغلق عليهم في المرحلة التي يتناولها؟!
ر بما...
للزمن حكمه الفريد.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار