أي دور قادم للاتحاد العام التونسي للشغل في علاقة بحركة النهضة؟

بشير الحامدي
2020 / 2 / 19

الحقيقة أنهم كلهم لم يغادروا الحلقة التي كان يدور فيها بورقيبة الذي كان كلما تأزمت الأوضاع يلجأ لما يسمى "المنظمات القومية" ليعيد لحم الحلقة التي كانت تضعف باستمرار حتى انكسرت ذات 17 ديسمبر من سنة 2010 وعجز كاسروها على وضعها في متحف التاريخ.
استمعوا لخطباتهم وأكاذيبهم وتقلباتهم لتقفوا على حجم الرثاثة التي عليها نظامهم ولمحاولات إحيائه ومسكه بـ"البساق" كي لا ينهار تماما.
تونس 2020 مازالت محكومة بذلك الصراع القديم الذي يعود للعشرينات "بورقيبة الثعالبي" وحتى 1956 الذي لم يكن إلا انتقالا من طور الاستعمار المباشر إلى طور استعمار الداخل فلم يكن كفيلا بحسمه نهائيا لصالح أولاد فرنسا الحداثيين فسرعان ما عاد "الثعالبيون الجدد" إلى المشهد في الثمانينات عبر شق من شقوق البورقيبية للجم إمكانيات تجذر كتلة طبقية شعبية بدت تهدد بكسر دولة الوحدة الوطنية وتنذر بصراع جذري ضدها حتى و إن بدا غير حاسم في أطروحاته وبدائله كمشروع للتحرر .
ولئن نجحت الدولة البورقيبية في تحجيم إمكانيات تجذر الكتلة الطبقية الشعبية و ممثليها السياسيين وإغراقها في تناقضاتها بشتى الطرق من القمع إلى الاصطفاف إلا أنها فشلت في حسم الصراع لصالحها مع الإسلاميين برغم محاولات استئصالهم التي قام بها نظام زين العابدين بن علي على مدار عشريتين ليعودوا بعد 2010 كأكبر قوة سياسية ويعود معهم ذلك التناقض القديم التقليدي الذي حكم تقريبا كل صراعات الفوق السياسي التونسي على مدار قرن من الزمن ولكن هذه المرة بوصفهم الأداة الأولى والرئيسية لاستعمار الداخل بعد الوهن الذي انتهت إليه البورقيبية التي تشظت وفي طريقها إلى الاندثار.
لقد بينت تجربة تسع سنوات من محاولات سيطرة الإسلامين ـ حزب حركة النهضة ـ على الدولة والمجتمع أنهم يعيدون السير في نفس الطريق الذي سار عليه بورقيبة ومن بعده بن علي ولعل حركة النهضة ستتفطن لتلك الاستراتيجية وتوظفها وتقتنع أخيرا أنه لا يمكن لها أن تستمر كقوة رئيسية في المشهد السياسي دون أن تكون من جهة حامية مصالح الأعراف الرأسماليين أي كتلة كبيرة من البرجوازية الرثة التونسية وفي نفس الوقت في وفاق مع بيروقراطيات منظمات الوحدة الوطنية وعلى رأسها المنظمة النقابية وقيادتها البيروقراطية التي هي نفسها مستعدة لذلك بحكم دورها الوسيط بين الخدامة و رأس المال والدولة العرف.
من هنا نفهم الدور الأخير الذي لعبته قيادتها و أمينها العام تحديدا وتلك الوساطة التي قام بها بتكليف من قيس سعيد لدفع حركة النهضة للتنازل والقبول بتزكية حكومة إلياس الفخفاخ وعدم الذهاب إلى انتخابات جديدة.
ستقرأ حركة النهضة الدرس جيدا وستستخلص منه ما يجب استخلاصه وستفهم أنه لابد لبقائها كقوة سياسية رئيسية أن تتقدم خطوة في اتجاه علاقة أمتن مع بيروقراطية الاتحاد العام التونسي للشغل وستحسم وفي السنوات القليلة القادمة هذه المسألة التي ضلت دائما مستعصية عليها أو ربما لم توليها ما تستحق في استراتيجياتها السياسية.
إننا على أعتاب طور سنشهد فيه تحالفا معلنا أو غير معلن لبيروقراطية الاتحاد العام التونسي للشغل مع حركة النهضة وستمر حركة النهضة من مرحلة معاداة الاتحاد إلى مرحلة احتوائه عبر احتواء قيادته وسيكون ذلك استكمالا لتحالفها الذي لم تعد تخفيه مع حزب نبيل القروي وسنشهد مسارا في علاقة هتين القوتين أمتن وأقوى مسار يتجاوز بكثير الدور الذي لعبته البيروقراطية النقابية )2013 ـ 2017( كراع ووسيط )الحوار الوطني( إلى دور الحليف والطرف الذي يعتمد عليه في تمرير سياسات التفقير والقمع التي ستستهدف الأغلبية وفي الأساس الإبقاء على حركة النهضة كقوة سياسية رئيسية.
...
استعمار الداخل سيتواصل في الطور القادم من الانتقال الديمقراطي بقيادة حركة النهضة والاتحاد العام التونسي للشغل ومحاولات استرداد نفوذ ضائع لبقايا البورقيبية ومشروع مفلس تاريخيا ليسار لبرالي مفكك ومنهار.
ــــــــــــــــــــــ
19 فيفري 2020