المثقفون والانتفاضة

ابراهيم خليل العلاف
2020 / 2 / 19

استاذ التاريخ الحديث المتمرس - جامعة الموصل
والانتفاضة والثورة التشرينية بحاجة الى المثقف ، وبحاجة الى المفكر وبحاجة الى الكاتب من خلال ما يقدمه ويكتبه ، ومن خلال تقديمه الموقف المطلوب .الانتفاضة والشعارات والحراك وردود الفعل وتباين مواقف الطبقة السياسية الحاكمة وما يقوله بعض السياسيين وزعماء الكتل السياسية الممثلة في البرلمان كل ذلك بحاجة الى تفسير وتحليل . والاهم من كل ذلك بحاجة الى (تأطير) ليأخذ مداه الفكري والتاريخي .
على المثقف والمثقف العضوي الذي اقصده والذي يتحمل هموم شعبه ان يبادر الى ان يقول كلمته ازاء ما يحدث ، وان لايظل في موقع المؤيد لما يحدث ودون ان يحدد الموقف .
الانتفاضة ثورة في جوانبها المتعددة اولا انها تبغي التغيير، وثانيا انها موافقة لسير حركة التاريخ ، وثالثا انها تضم شرائح المجتمع كله ؛ طلبة وشباب ومهنيين وشغيلة ومثقفين ونساء ورابعا انها دائمة ومستمرة ضمن الزمن وضمن المكان لذلك فعلى المثقف ان يؤطر هذه الثورة فكريا ، وان يضعها في مسارها ضمن محطات تاريخ العراق المعاصر وامتداداته عبر ال100 سنة الماضية ويصلها بالثورة العراقية الكبرى 1920 ليعطيها البعد التاريخي الذي تستحقه .
المثقف عليه ان يؤشر للثوار انهم بحاجة الى تأكيد الدوافع العقائدية من حيث الاعلان عن الاهداف الكبرى واهمها التغيير نحو ما هو افضل للعراق ، وهو ان يظهر العراق دولة موحدة قوية لها استقلاليتها في الجوانب العربية والاقليمية والدولية .وعلى المثقف والمفكر ان يقول للمنتفضين ان يحرصوا على اختيار قيادات معروفة لها ثقلها ، ولها تاريخها ، ولها مواقفها المعروفة .
وعلى المثقف والمفكر ان يستدعي كل ما لديه من وسائل لإستنهاض قادة النقابات والتنظيمات المهنية لكي يشاركوا الطلبة والشباب وبفعالية في الحراك الثوري فليس من المعقول ان تظل مشاركات النقابات العمالية والمهنية خجولة أو ضعيفة بل لابد من زج جماهير النقابات في الحراك ؛ فالمعركة ضد الطبقة السياسية الحاكمة ، صعبة ، وقاسية ، وتحتاج الى وقت وجهد .
وعلى المثقف والمفكر ان يفلسف الحراك ، ويعطيه بعدا شموليا وان لايحصره في زاوية ضيقة ؛ فالثورة هدفها المستقبل مستقبل الاجيال وصراعهم مع الجيل القديم هم يريدون ان يمارسوا دورهم ومن يحكم لايقبل والقضية صراع اجيال والتاريخ دائما مع الجيل الجديد الذي يمثله الشباب والطلبة وعلى الطبقة الحاكمة ان تعي الدرس درس تاريخ العراق المعاصر ؛ فليس من المعقول ان تستحوذ على زمانها وزمان غيرها .
الوجوه التي حكمت العراق منذ 2003 والقيادات والكتل التي حكمت العراق منذ 2003 فشلت في جعل العراق بلدا قويا موحدا مرفها بالرغم من مرور 17 سنة على وجودها في الحكم ، وليس ثمة انجازات والبلد يتراجع في كل النواحي السياسية والعسكرية والاقتصادية والادارية والتعليمية والاجتماعية ، وليس ثمة انجازات تذكر اذا لابد للمثقف والمفكر ان يؤدلج كل ذلك ويجعله ضمن افكار تقول ان على هذه الطبقة السياسية ان تُخلي الميدان لقوى شابة تجرب حظها في ممارسة الحكم .
سابقا وضمن تاريخنا العراقي المعاصر كان التغيير يمر عبر الانقلابات العسكرية واليوم - كما يبدو- اصبح هذا الاسلوب غير فاعل .... اذا على المثقف والمفكر عموما ان يدعو الى التغيير السلمي من خلال الانتخابات للإتيان بطبقة شبابية جديدة تأخذ على عاتقها الحكم .
خلاصة الامر ان المتفضين عليهم ان يفرزوا قيادات سياسية واحزاب سياسية لها اهداف محددة التغيير يجب ان يأتي في المقدمة وهم بحاجة الى عقيدة سياسية أو ايديولوجية سياسية اي منظومة أفكار تؤكد على وحدة العراق ورفاهية شعبه ومعالجة مشاكله بالعلم وبالمنهج العلمي وبالتخطيط الاستراتيجي ، واقامة منظومة امنية مع الجيران تمنع التدخل في شؤونه وتقوية الجيش بإعتباره سور الوطن وانهاء الميليشيات والتنظيمات المسلحة غير الرسمية من العمل وابعاد الفاسدين والاعتماد على الطاقات الشبابية وانتهاج سياسات خارجية مستقلة واقامة التحالفات مع الدول المؤثرة عربيا واقليميا و دوليا على قدم المساواة والتكافؤ ورفض الاملاءات والتدخلات ، وتقديم خطاب اعلامي موحد وجامع لشرائح المجتمع ، ووضع سياسة تربوية رصينة ووطنية ، وتقديم الدعم الصحي والاجتماعي للناس ، واتباع سياسة اقتصادية واضحة ومعلنة وهكذا حتى يبدو العراق واحدا موحدا قويا ليس بالقول والهتاف والشعار بل بالواقع والفعل .