بين -ميكيافيللي- و-ثامسطيوس-... هل نتذكر -بيدبا- كذلك؟!

حسين محمود التلاوي
2020 / 2 / 17

على الدوام هناك أحد المقربين من الملك. ويمكن لهذا الشخص أن يحمل أية صفة؛ فهو المستشار، وهو الناصح، وهو المضحِك، وهو كاتم الأسرار، وهو الوزير الأول، وغير ذلك من المسميات التي يمكن أن تطلق على هذا الشخص. لكن تختلف المسميات، ويبقى الوصف الرئيسي؛ وهو أن هذا الشخص مسموع الكلمة لدى الملك، وهو الملجأ الأخير له عند الملمات. ولعل تعبير "دبرني يا وزير" الذي يقال عندما تعيي المرء الحيلة، يدل على المكانة التي يحظى بها هذا الشخص المقرب الملقب بـ"الوزير" في ذلك التعبير؛ فهو صاحب التدبير في وقت فراغ الجعبة من أية أسهم يمكن إطلاقها لحل المشكلة.
كان "ميكيافيللي" مقربًا، وكان "ثامسطيوس" كذلك أيضًا. لكن بين الشخصين تفصل سنوات وأنماط من الشخصية والكثير من الأمور التي تجعل فكرة المقارنة صعبة للوهلة الأولى. حسنًا، ربما ليس من الجائز أن نقارن بين الشخصيات، لكن المقارنة بين الأفكار مسموح بها، ومتاحة؛ فهناك كتابان عند النظر إلى أي منهما لا يسمع المرء سوى أن يفكر في الكتاب الآخر.
هذان الكتابان هما "رسالة ثامسطيوس إلى يوليان الملك في السياسة وتدبير المملكة" لمؤلفه ثامسطيوس، وكتاب "الأمير" لمؤلفه "نيكولو ميكيافيللي". الكتاب الأول يتناول خواطر وأفكار في تدبير شئون الحكم على شكل رسائل يوجهها المفكر والمربي "ثامسطيوس" إلى يوليان الإمبراطور الروماني مقدمًا له النصح والنصيحة فيما يتعلق بالكيفية التي يدار بها الملك ويساس بها الأتباع. كذلك فإن كتاب "الأمير" لا يقف بعيدًا عن تلك المنطقة؛ فهو كتاب ألفه "نيكولو ميكيافيللي" رجل الدولة والمفكر وأهداه إلى " لورينزو الثاني دي ميديتشي" على أمل أن يستعيد به منصبه الذي فقده بعد تولي أسرة "دي ميديتشي" الحكم، وكان يتضمن كذلك أفكارًا خاصة بكيفية إدارة الدولة وسياسة الرعية.

بين المفكر ورجل الدولة
لسنا في مجال التوسع في التعريف بكل من "ثامسطيوس" و"ميكيافيللي"؛ فما ورد هنا إلى الآن يكفي لإلقاء الضوء على ما يتعلق بموضوعنا هنا. والغرض هنا هو المقارنة السريعة "للغاية" بين الكتابين، وليس بين الشخصين إلا بما يتطلبه الأمر لتحقيق الغرض من تلك المقارنة.
الجانب الأول الذي يمكن أن يقارن من خلاله الكتابان هو المدخل؛ فالمدخل الذي اتبعه "ثامسطيوس" كان مدخلًا فلسفيًّا أخلاقيًّا؛ حيث كان الغرض الرئيسي من رسائله "صلاح الملك وصلاح المواطنين"، بينما كان المدخل الذي اختاره "ميكيافيللي" هو المدخل السياسي العملي التطبيقي؛ حيث الغرض الرئيسي من الكتاب "صلاح الملك لاستمرار الدولة الجمهورية".
يوضح المدخل الفارق بين الرجلين؛ فالأول "ثامسطيوس" مربٍّ وفيلسوف عمل في مناصب الدولة انطلاقًا من هذه الخلفية ونتيجة قربه من الإمبراطور "يوليان"، أما الثاني "ميكيافيللي" فهو رجل دولة عمل سكرتيرًا للدولة في جمهورية فلورنسا، وكان يوشك أن يعدم لولا التقلبات السياسية التي أنجته من تلك العقوبة، كما كانت السبب في أن ينالها من الأساس. لكنه كذلك مفكر، وإن تفكيره امتزج بممارسة السياسة في الميدان على عكس "ثامسطيوس" الذي كان منصبه السياسي سفيرًا؛ أي يعمل على نقل وجهات النظر بما لديه من قدرة على الحديث والنظر والتدبر؛ والدبلوماسية في ذلك تحتاج إلى من يتمتع بحس الفيلسوف أكثر من تمتعه بحس السياسي.
كان للمدخل تأثير على الأسلوب في التناول بطبيعة الحال؛ فقد اعتمد ثامسطيوس على استخلاص أحكام أخلاقية ونفسية من دراسته للفلاسفة وأحوال البشر والسياسة، وبنى نصائحه على تلك الأحكام المستخلصة. أما "ميكيافيللي" فقد استخلص أحكام سياسية ونفسية من دراسة الدول السابقة والحالية؛ فكان يأتي إلى نموذج الدولة القائمة أو البائدة، ويدرس عوامل قيامها واستمرارها وقوتها وضعفها، ويستخلص الأحكام ثم يقدم النصيحة.
ولعل الفترة الزمنية التي عاش فيها كل منهما كان لها تأثير كبير على طريقة التفكير؛ حيث كان "ثامسطيوس" في فترة تأسيس الإمبراطورية الرومانية المسيحية؛ فقد عاصر "قسطنطين" الإمبراطور الذي جعل المسيحية دين الدولة، وكذلك "يوليان" الذي ارتد عن المسيحية، وعاصر كذلك العودة إلى الإيمان مرة أخرى، ورأى كيف أن الفلسفات الهلنستية كان لها الدور الأكبر في بناء الإمبراطورية الرومانية؛ ومن ثم لا عجب في أن يكون للفلسفة اليد الطولى في رسائله.
على الجانب الآخر كان "ميكيافيللي" يعيش في عصر الدولة؛ فقد كانت الدول تتأسس، وتتشكل، وتأخذ أطرًا تنظيمية على أساس القومية أو المصالح المشتركة وغيرها من الأسس. وعاصر إرهاصات الدولة الجمهورية بالتحديد بعيدًا عن الملكيات.
كان كذلك للفترة الزمنية تأثيرها على الهدف الرئيسي من عمل كل واحد منهما؛ فكان "ثامسطيوس" يهدف إلى "تأهيل الملوك" وإعدادهم إلى العمل السياسي، وهو ما يتفق مع عمله كمربٍّ، بينما كان هدف "ميكيافيللي" هو "توجيه الحاكم" وليس تأهيله من الأساس؛ فهو حاكم، وصار يملك المنصب؛ ومن ثم لا يملك المستشار إلا توجيهه، وهو ما يتفق مع عمله كسكرتير للدولة.

بيدبا
ينتمي كل من "ثامسطيوس" و"ميكيافيللي" إلى الحضارة الغربية بدءً من الحضارة اليونانية وتطورها إلى الحضارة الرومانية وصولًا إلى المدنية الغربية الحديثة. لكن في الجانب الآخر من العالم وفي أحد أقاصي خريطة الحضارة الإنسانية يقف "بيدبا" الفيلسوف مقدمًا نموذجًا مماثلًا لهذين الكتابين، وذلك بكتابه "كليلة ودمنة" الذي كتبه إلى الملك دبشليم الذي كان يواجه مشكلات في حكم شعب مملكته في الهند؛ فكتب له "بيدبا" أو "فيشو شارما" هذا الكتاب الذي يتضمن النصائح بشكل مبطن من خلال حكايات من عالم الحيوان.
كان "بيدبا" مستشارًا، لكنه كما يقال كان يخشى غضبة الملك عليه؛ لذا ألف الكتاب ليقدم للملك العظة والنصيحة دون أن يثير غضبه. لكن بعض الروايات تقول إن الكتاب جرى تأليفه أساسًا بطلب من الملك "دبشليم" لكي يتذكره الناس بشيء. لكن في واقع الأمر المؤشرات تقول إن تأليف الكتاب بغرض النصيحة المبطنة هو الأقرب للتصديق.
كان "بيدبا" مستشارًا لكن في ذلك الوقت الذي يتراوح ما بين آخر ألف قبل الميلاد إلى أول ثلاثة قرون بعد الميلاد، لا يأتي الشخص لمنصب مستشارية الملك إلا إذا كان فيلسوفًا في المقام الأول. وكان ذلك باديًا بشدة في حكايات الكتاب التي كانت لا تخلو من العظة والعبرة العامة بعيدًا عن إطار السياسة والمملكة؛ حيث كان الكتاب مؤلَّفًا بإحساس الفيلسوف لا رجل الدولة، ولكن الغرض منه تقديم النصيحة لإدارة المملكة سواءً كان مكتوبًا بطلب من الملك أو لنصحه وإرشاده بطريقة لا تثير حفيظته.

فكرة وجود المستشار للحاكم قديمة قدم الإنسان نفسه؛ فمنذ تأسست الممالك، وصار هناك ملك ورعية وأعداء ومشكلات، وكل تلك الأمور تحتاج إلى النصيحة المخلصة. ومن الحكام من طلب النصيحة، ومنهم من تلقاها بنفس راضية، ومنهم من كان يأبى النصيحة فكان لا بد من التورية.
لكن مربط الفرس هنا: هل يستمع الحاكم إلى النصيحة المخلصة، إن لم يكن هو من طلبها؟!

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار