تذرر السلطة

بشير الحامدي
2020 / 2 / 15

أحد المظاهر الأشد بروزا للنظام القائم وريث ديكتاتورية بن علي في التسع سنوات الماضية أو ما يسمّى بنظام "الانتقال الديمقراطي" هو مظهر تشتت السلطة أي أننا لم نعد نستطيع تحديد موضع تركّز السلطة والقرار السياسي وهو وضع نتج بالأساس عن العلاقة التي تحكم الطبقة البرجوازية الوكيلة المحلية وممثليها من البيروقراطيات الحزبية برأس المال المعولم " البنوك والشركات المالية والصناعية الكبرى" وكذلك عن عجز قوى التغيير الجذري عن مواصلة معركة إسقاط النظام. لقد أنتج هذا الوضع تهميشا لكل مؤسسات حكم الانتقال الديمقراطي: البرلمان الرئاسة الحكومة والتي بدت عاجزة حتى على التوافق فيما بينها وتسويق صورة عن نفسها مختلفة عن الصورة التي أصبحت تراها عليها الأغلبية مجرد أجهزة للصوص والفاسدين أجهزة تسمح بالفساد وتسكت عن سرقة المال العام وتسهل استغلال المناصب وتغمض العين عن التهريب والتهرب الجبائي وتمنح للفاسدين لقب سياسيين.
...
هذا هو المظهر الأشد بروزا في الأوضاع الحالية في تونس والذي سيطبع كامل الطور القادم من الانتقال الديمقراطي الذي سيمهد لوضع آخر متقدم من مظاهر حكم اللصوص وضع يصبح فيه الناس غير قادرين على ممارسة أي خيار سياسي لانتفاء الفروقات بين مكونات هذا الفوق الفاسد الذي سيصبح مثله مثل الزائدة الدودية وستسقط آليات "حكم الانتقال الديمقراطي" تباعا. ستسقط آلية الانتخاب وستسقط آلية التوافق وستسقط ديماغوجيات عديدة بنت عليها البيروقراطيات الحزبية وجودها: دولة القانون دولة الحريات مكافحة الفساد ... إلخ سيسقط اليسار واليمين معا وسيسقط الخيار الديمقراطي اللبرالي بكل وجوهه باعتباره خيارا فاسدا ولا يقود إلا للأزمة والدمار.
...
سيخلف هذا السقوط ميلا متعاظما لدى الأغلبية غير المتجانسة طبقيا إلى الثورة وقلب الأمور جميعا ولكن ذلك سيتطلب رؤية جذرية تذهب مباشرة أين يجب أن تذهب: السيادة على القرار والسيادة على الموارد والثروات ووسائل الإنتاج وسيفرض ذلك معارك طاحنة داخل هذه الأغلبية للتغلب على الميولات البرجوازية الصغيرة والمتوسطة التي ستعمل على طبع كامل هذا المسار بطابعها سيتطلب ذلك سنوات طويلة ولكن الشيء الذي يمكن الجزم به أنه بالنسبة للجزء الكبير من الأغلبية سيكون الأمر متعلقا ليس في ما يمكن عمله بل فيما يجب عمله حتى لا تغرق من جديد في وحل الإبقاء على نظام و أجهزة العبودية الحديثة نظام رأس المال ودولة رأس المال.
ـــــــــــــــــــ
15 فيفري 2020