الندم حياة يا أولى الألباب

محمد أبوالفضل
2020 / 2 / 15

منذ وطئ آدم عليه السلام بقدميه على الأرض لا يوجد أنسان لم يمر أو لم يعرف حالة ندم.
قد يندم على سفاسف الأمور التافه منها ، أو ما يراه هو كذلك.
قد يندم على أمر فظيع لم يرتكبه وفاته
فقد يندم على آمال وأحلام وأماني تركها تذوي وتتلاشى.
على طمع الدنيا وجشع لم ينل منه حصة كافية، أو على جشع أرتكبه ووزع آلامه ومآسيه على أناس كثيرين.

من الشائع بين البشر أن الندم الأكثر حضورا كلما تقدم بالإنسان السن.
كلما شابت عوارضه وأتضح الشيب فيه. كأن على الأنسان أن يراجع نفسه ويدخل في حالة إفاقه وصحوة قبل زمن من الموت الذى يراه قريبا بتقدم السن فهو أمر حتمى فالموت كأس وكل الناس شاربه
في الصبى والعافيه وريعان الشباب عليك ألا تشغل نفسك بمسألة الندم على ما فاتك. هكذا يقتنع الكثيرون، طلبا وسعيا حثيثا للكثير مما يرونه مباهج ومسرات وحقا في أستخلاص عسل الحياة وزبدتها وزخرفها. العسل الذي قد يكون في واقعه مرارة وحنظلا والزبدة التي قد تكون زبدا والزخرف قد يكون زائف مضلل

كتب تشارلز ديكنز: «الندم هو الإرث الطبيعي للتقدم في السن»، كيف للإنسان أن يعيش ويتعايش مع إرث في هيئة وواقع ندم؟
ألا يكشف الندم في جوانب منه عن عدة حماقات أرتكبت، وعدة فظاعات مورست، وعدة حقوق أنتهكت؟
ثم ألا يكشف أيضا عن عدة فرص أُهدرت وعدة مواقف أورجئت وعدة خيارات تم التفريط فيها، ومجد رفع الستار عن ملامحه فرآه صاحبه وهما ،فمثل ذلك الإرث الطبيعي، كما أطلق عليه ديكنز، هو عبارة عن محصلة طبيعية لندم بتلك المواصفات. وما مر وفات من نبيل الأهداف والمواقف في ظل ظروف قاهرة عصيه يظل الندم عليه نبيلا توخى صاحبه خيرا يمتد إلى بعض الناس فلم يبلغه.

الكاتب الساخر والصحافي والقاص الأمريكي، أنبروز بيرس عاش ما بين عامى ( 1842- 1914)، يضعنا أمام مقولة فريدة فيها الندم الذي يكاد يكون متشابها بين الناس: ندم سببه بعض الكلمات تترك فعلها وأثرها على الناس. كلمات تخرج من دون تأن أو روية فتصيب الآخرين في مقتل، أو تترك أذاها على البعض
إنه الكلام في لحظة الغضب الذي لا يحتاج إلا إلى لحظة بسيطة ، ولكنه قد يكلف صاحبها فيما بعد ندما طيلة حياته، يختزلها بيرس هنا بقوله: تكلم وأنت غاضب وسيكون أفضل كلام تندم عليه طوال حياتك
ومن بين الذين لا يندمون على ما فات ، فاقدو الأمل.
فالأنسان منا يحتاج إلى أمل كي يندم ويتجاوز ندمه .
أما اليائس لا وقت لديه للأمل، ولا وقت لديه للندم على شئ فاته كي يفتح صفحة جديدة. كي يتجاوز أخطاءه السابقه وما فات منه.
وهنا شكسبير يختصر المسألة مقولته : من فقد الأمل فقد الندم

أما الراحل البارع أنيس منصور، فيضعنا أمام حقيقة بعض الأفراد، من خلال من يسوفون التصريح بالعيوب لمن يحبون، لمن هم على صداقة وود معهم. يؤجلون ذلك إلى أن تحين لحظة الفراق التى لا رجعة بعدها، في إشارة لكاتبنا الراحل إلى أن (الشخص الوحيد الذي لا يستحق الندم على رحيله ذاك الذي لا يخبرك بعيوبك إلا بعد فراقك).

والذين لم يندموا بعد على ما فاتهم ، لن يتمتعوا بحياتهم كما يجب، وستكون بمثابة الموت اليومي البطيء بالنسبة لهم ، على أن الأسوأ بين كل أولئك البشر من لا يجد الندم مكانا في قلبه وقناعاته ندما على ما فرط وندما على ما أسرف.
فلا يوجد ما نكتبه عن الذين لا يندمون سوى أنهم لا علاقة لهم بالحياة الدنيا وبالجنس البشري من الأساس.
فالأموات وحدهم الذين لا يندمون.