قراءة فى مذكرات عبدالقادر حاتم

طلعت رضوان
2020 / 2 / 14

عبد القادرحاتم (1918- 2015) ارتبط بجمال عبدالناصرارتباطــًـا وثيقــًـا، حيث شاءتْ الظروف أنْ يكون مولدهما فى سنة واحدة..وفى مدينة واحدة (الإسكندرية) وتزاملا فى مدرسة واحدة (مدرسة العطارين بالإسكندرية) والتحق حاتم بالكلية الحربية..وذكرأنّ ناصرتخرّج سنة1938، بينما تخرّج هوسنة1939.
ونظرًا لتلك العلاقة الوثيقة فإنّ حاتم أغدق على عبدالناصرالمديح..وحرص على تجنب ذكرسلبيات الفترة الناصرية..وذلك فى مذكراته المعنونة (مذكرات عبدالقادر حاتم- هيئة قصورالثقافة- عام2016)
فى الصفحات الأولى ذكرانطباعاته عن شخصية رئيس ليبيا (معمرالقذافى) الذى صـدّق أكاذيبه..ومنها قوله: إنّ الجماهيرية الليبية تــُـحكم ((بواسطة جماهير الشعب)) وأنه كان كثيرالكلام عن الوحدة العربية..وأنّ ناصرقال له: أنت يا قذافى ((أمين القومية العربية)) وأنّ ناصرخاطب الجماهير..وقال لهم: عليكم إدارة مؤسسات الدولة، فقال له حاتم: ناصرلم يقل هذا الكلام، فطلب القذافى من مساعده (جلود) أنْ يــُـحضرالصحيفة التى فيها خطاب ناصر..ولما قرأها حاتم كان نص كلام ناصر((عليكم إن تذهبوا إلى جميع المؤسسات وتراقبوها)) فقال حاتم: إنّ ناصرقال هذا الكلام لأعضاء لجنة الرقابة بمجلس الشعب..ولم يقله للجماهير..ولكن القذافى أصرّعلى رأيه وقال لحاتم: خذوا نظام الجماهيرية بدلامن النظام الغربى (ص8، 9)
الملفت للنظرأنّ حاتم لم يــُـعلــّـق على هذا الحواربكلمة واحدة، خاصة أنه اعترف بأنّ ناصرطلب من أعضاء لجنة الرقابة بمراقبة ((جميع المؤسسات)) فهل حدثتْ تلك الرقابة؟ وإذا كانت قد حدثت، فكيف انتشرالفساد فى مؤسسات الدولة التى كانت تــُـشرف وتــُـسيطرعلى شركات القطاع العام؟
وفى حوارآخرمع القذافى حول الوحدة العربية فى عهد السادات، حيث سأل القذافى: من سيكون رئيس الوحدة: فقال حاتم: الرئيس السادات..وسيادتك ستكون نائب الرئيس، فقال القذافى أنه ((سيقوم بتحطيم الحدود فى السلوم..ورفع علم الوحدة)) ولما تقابل حاتم مع السادات قال له: إنّ القذافى يسأل: من هورئيس الوزراء فى دولة الوحدة؟ ويرجوسيادتك تعيينه فى هذا المنصب..ولكن السادات قال له: أنت يا دكتورحاتم رئيس وزراء الوحدة..ولما علم القذافى بذلك قال لحاتم: وهل أنا نائب رئيس الوحدة؟ قال حاتم: نعم. فقال القذافى: وأنا القائد الأعلى للقوات المسلحة لدولة الوحدة؟ فقال له حاتم: أنت تريد أنْ تقوم بانقلاب عسكرى فى مصر، عندما تكون القائد الأعلى للقوات المسلحة (ص11) فهل قال حاتم ذلك فعلا؟ أم قاله لنفسه وهويكتب مذكراته؟ أترك الإجابة لقارىء.
ومن الأشياء المهمة التى ذكرها حاتم: أنّ الرئيس الفرنسى (شارل ديجول) استعان بالسياسى الشهير(كليمنصو) بالرغم من أنّ ديجول لم يكن يحبه..ولكنه وضع مصلحة فرنسا فوق مشاعره الشخصية..وبعد ذلك انتقل حاتم للحديث عن أهمية الاستعانة (بأهل الخبرة) وهذا أفضل من الاستعانة (بأهل الثقة) ولكنه لم يتطرق للتجربة الناصرية، حيث انحازعبدالناصرلأهل الثقة..وتجاهل أهل الخبرة..وقد تولى حاتم ثلاث وزارات فى وقت واحد: الإعلام والثقافة والسياحة. فذهب يوسف السباعى إلى عبدالناصروسأله: لماذا كل هذه المناصب؟ فقال ناصر: لأنه أهل لها وجديربها..وأضاف أنّ ناصر((لم يكن يعرف إلاّ الصالح العام)) (ص16) فهل الصالح العام بواسطة الوزراء الطيعين الخانعين؟
وكان حاتم صريحـًـا عندما ذكرالنكتة المصرية، عن التشابه بين الزعيم النازى (هتلر) وعبدالناصر..وبين مديرالدعاية النازية (جوبلز) وجاء فى النكتة المصرية أنّ مواطنــًـا كان يشاهد التليفزيون، فيظهرله هتلرعلى الشاشة، فطلب منه أولاده أْنْ يحوّل القناة إلى قناة أخرى. فقال الأب: ولكن بعد ما جارنا ((من الحزب النازى)) ما يطفى النورعشان نضمن إنه نام..ولكن (جوبلز) اقتحم الشقة وقال للأب: ارجع إلى القناة الأولى، عشان تسمع خطاب الرئيس جمال عبدالناصر.
المدهش أنّ حاتم أضاف أنه قال لعبدالناصر: النكتة يا ريس معناها أنّ الإعلام مثل الدواء المفيد..ولكن إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده..ولما يذيعوا كل يوم خطب وأحاديث الرئيس، الناس ((تزهق وتتضايق، خصوصــًـا لما يعيدوا إذاعة الخطب القديمة)) (ص17) فهل حاتم امتلك شجاعة أنْ يقول ذلك الكلام لعبدالناصر؟ أم قاله على الورق وهويكتب مذكراته؟ خاصة أنه قام بدور(جوبلز) بصفته وزيرالإعلام فى عهد عبدالناصر. سؤال آخرأترك إجابته للقارىء..وخاصة أنه أضاف فى نفس الصفحة أنّ عبدالناصركان مؤمنــًـا بدورالإعلام..ويعتبره سلاحه الآخرإلى جانب الشرطة والجيش..ومثل شعراء المديح العرب، كتب إنّ عبدالناصركان يحارب الفساد..ولايسمح به (ص20) ومن تأثيرالولاء والطاعة المطلقة، فإنّ ناصرأرسل طبيبه الخاص لحاتم ((وأعطانى حقنة فيتامين من التى كان يحقن بها)) (ص21) وذلك عندما مرّ(بوعكة نفسية)
وذكرحاتم أنّ المشيرأحمد إسماعيل (وزيرالدفاع) غضب بشدة من مقال هيكل الذى كتبه عن استحالة العبوربسبب تحصينات (خط بارليف) وقال إنه سيستدعى هيكل ليضربه (ص25) وذكرأنّ عمود على أمين اليومى بالأهرام (فكرة) كان فى يوم ما ((يصعب نشره)) وأنه بحث عن على أمين ليكتب غيره..ولكن لم نعثرعليه، فكتبتُ مقالاغيره. فاشتكانى للرئيس السادات، الذى سأله: إنت كنت كاتب إيه يا على؟ قال: كتبتُ إنّ رؤساء الدول العربية يجب الكشف على عقولهم كل ستة شهور، ضحك السادات وقال ((إنت يا على اللى عايزدكتوريكشف على أبوك..وأنّ د. حاتم حماك وأنقذك، لأنّ مقالك لواتنشركنتُ عملتُ فيك كذا وكذا)) (ص27)
وذكرأنّ عبدالناصرمنحه (قلادة الجمهورية) مرتيْن..وهى التى لاتــُـمنح إلاّ لرؤساء الدول..والمرة الثالثة كانت من السادات (ص31) وسأله الأستاذ إبراهيم عبدالعزيز(الذى قـدّم الكتاب) عن الأخبارالمنشورة حول اعتزام السادات تعيينه نائبـًـا للرئيس، بعد توترعلاقته مع حسنى مبارك..ولكن د. حاتم رفض التعليق (ص32) وذكرأنّ السادات قبل اغتياله بدقائق همس فى أذنه بكلام ((ولستُ فى حلٍ من الكشف عن مضمون هذا الكلام)) (ص33) فلماذا امتنع عن الإقصاح عن السبب فى الحالتيْن؟ وذكرإبراهيم عبدالعزيزأنّ حاتم ساهم فى إنقاذ معبد أبوسمبل (بينما الذى فعل ذلك هوثروت عكاشة) فلماذا كتب عبدالعزيزذلك؟ هل هواجتهاد من جانبه أم أنه كتب ما قاله له حاتم؟
وذكرحاتم معلومة مهمة حول ترك مهمة التعامل مع السياح، لغيرالمرشدين المتخصصين، فقال إنه سمع الترجمان لابس الجلابية يقول للسياح: إنّ الشياطين ((نزلتْ من السماء وبنتْ الهرم وبقية الآثار)) (ص137)
وعن هزيمة يونيو1967قال ((يجب أنْ لانرتكب أخطاء حرب67حينما كنا نــُـردّد الأكاذيب)) (ص46) وقد توقف العقل الحرأمام ما كتبه حاتم، ألم يكن هو وزيرالإعلام أثناء تلك الهزيمة؟ وعندما قرأتُ ما كتبه حاتم تذكــّـرتُ ما قاله محمد محمود شعبان الشهيرباسم بابا شارو) ورئيس الإذاعة المصرية أثناء حرب أكتوبر 1973، الذى ذكر: جاءنى وزيرالإعلام د.عبدالقادرحاتم..ومعه البيان الأول للعبور فقلتُ له وأنا أتذكر(مهزلة بيانات يونيو67، أكاذيب مرة ثانية..وتزويرالبيانات مرة أخرى يا دكتورحاتم؟ فبكى الرجل وقال: هذه المرة بجد (نقلا عن ناجح إبراهيم- جريدة الوطن- 9يونيو2014) فإذا كان حاتم أمربإذاعة بيانات الجيش فى يونيو67، فلماذا وافق؟ هل هوالمنصب؟ وهل الاحتفاظ بالمنصب يــُـبرّرالانبطاح لأوامر الرئيس؟ ولماذا لم يصمت وهويكتب مذكراته؟ بينما صمت وهو وزيرإعلام ناصر؟
وإلى الذين ردّدوا أكذوبة أنّ عبدالناصركان ضد أمريكا والغرب..ويرفض التعامل معهم، اعترف حاتم بأنّ عبدالناصر((سمح للشركات الأجنبية بإدارة بعض الفنادق المصرية، مثل شركة هيلتون..وشركة شيراتون..إلخ)) (ص89) وذكرحاتم أنّ (قرارالمقاطعة العربية) كان معناه منع أى شركة طيران أوسياحة تتعامل مع إسرائيل، من دخول مصر..وعرضت الأمرعلى ناصر..وقلتُ له: إنّ مصلحة مصر مقدمة على أية اعتبارات..وهل نحرم أنفسنا من عوائد الاستثمارمن أجل عيون إسرائيل؟ فقال لى: أنا أوافقك فى كل ما تقول..وأمربرفع الحظرعن الشركات المتعاملة مع إسرائيل (ص138) والمهم فيما كتبه حاتم أنه كشف الغطاء عن شعارات (مقاطعة إسرائيل) الزائفة التى روّج لها العروبيون والناصريون.
وإذا كان النظام الناصرى- وعلى رأسه إعلام حاتم- شوّه (كل) باشوات (العهد البائد) وفق تعبيرناصرالذى ردّده دراويشه، فإنّ حاتم ذكرقصة (قصرالماريوت) وتحويله إلى فندق..وأنّ هذا القصركان فيلا يمتلكها الأمير(لطف الله باشا) فزاره حاتم..وقال له: إنّ مصرفى حاجة لهذا القصرلكى يتحوّل إلى فندق..وأنّ مصر مستعدة لتأجيرالقصر..واقتنع الرجل ووافق على التنازل عن قصره..وأضاف حاتم أنّ رئيس الشركة القابضة للسياحة والفنادق أبلغه أنّ (فندق ماريوت) فى عام2009 حقق أإرباحـًـا بلغتْ380مليون جنيه (ص139) إنّ تلك الواقعة ترد على حملة التشويه الناصرية ضد الباشوات، لصالح ضباط يوليو52 كما فى الأفلام الهلس مثل (رد قلبى) المأخوذ عن قصة للضابط يوسف السباعى.
وتستمرأكاذيب وزيرإعلام عبدالناصر(د. حاتم) حيث كتب ((خرجنا من معركة العدوان الثلاثى عام1956وانتصرنا على12 إذاعة معادية)) (ص146) أى أنّ سيادته يعتبرأنّ إعلامه الديماجوجى انتصار..ولم يفكــّـرفى الهزيمة التى لا تقل عن هزيمة بؤونة/ يونيو67..ويكفى تدميرمدن القناة وتشريد أهلها..والسماح لإسرائيل باستخدام المياه البحرية المصرية..وتواجد قوات الأمم المتحدة فى سيناء.
وكتب د. حاتم أنه قال لعبدالناصرإنّ ((كثرة الإعلام لشخص الرئيس، عملية مضادة..وتأتى بنتائج عكسية..ومن الناحية الإعلامية خطأ، فقال لى الرئيس: كلامك صح)) (ص66) فهل يـُـصـدق العقل الحرحاتم فى مذكراته؟ أم حاتم وزيرإعلام ناصر؟ الذى تفوّق على (جوبلزمديردعاية هتلر) لأنّ إعلام حاتم جعل شعبنا يـُـصـدق أننا سنشرب القهوة فى تل أبيب..وهى أكذوبة لم يبتدع هتلرمثلها.
000
بجانب توزيره فى السياحة والإعلام والثقافة، عمل فى جهازالمخابرات العامة، تحت رئاسة زكريا محيى الدين..واعترف المذيع الشهيرأحمد سعيد (مذيع صوت العرب) أنه تعرّف على حاتم منذ أوائل عام1954حينما التحق بالمخابرات العامة. وأصبح مسئولافى المخابرات ((عن الصحافة العربية والعالمية)) (ص100، 399) استشهد حاتم بكلام المذيع العروبى الذى روّج لأكاذيب عبدالناصرعن العروبة، وكأنه يستشهد بمن يمنحه (وسام الشرف) ولم يخجل أحدهما من الاعتراف بجريمة تدخل المخابرات فى عمل الصحافة (العربية والعالمية) ولم يسأل أحدهما السؤال الذى شغل العقل الحر: ما علاقة المخابرات بالصحافة؟ ولماذا تبديد موارد شعبنا المصرى على التجسس على الصحافة العربية والعالمية؟ وهل النظام الناصرى كان يـُـعيد تمثيل دورالمخابرات الأمريكية؟ وألايكفى التجسس على الصحافة المصرية؟
وأدهشنى السؤال الساذج الذى طرحه حاتم فى مذكراته حيث كتب ((هل يمكن للعرب أنْ يكون لهم تخطيط لتعليم الأمريكان؟ مثلما فعل اليابانيون؟)) واختتم سؤاله قائلا ((وهكذا يمكن نشرالقيم الأخلاقية الإسلامية)) (ص246) هذا هوالوزيرالذى تمسـّـك به عبدالناصرلرئاسة ثلاث وزارات، الأمرالذى يـُـساعد على فهم أسباب الانكسارات والهزائم طوال فترة الحكم الناصرى/ العروبى/ الإسلامى..وبالرغم من ذلك رفض رؤساء وملوك الأنظمة العربية مساعدة مصر((فى إعادة فتح قناة السويس..وتطهيرها وتعميقها..وهذا الرفض أحزن السادات)) (ص247) وبالطبع لأنّ الدكتورالوزيرحاتم (عروبى/ إسلامى) لذلك لم يـُـعلــّـق بكلمة واحدة على أكذوبة العروبة، لأنّ الأنظمة العربية التى رفضتْ مساعدة مصر(وهذا حقها) هى التى تودع ملياراتها فى البنوك الأمريكية والأوروبية..وتشترى السندات الأمريكية لمساعدة الاقتصاد الأمريكى.
وذكرحاتم قصة صديقه الطبيب المصرى، الذى عاش فى سويسرا..وارتكب مخالفة مرورية، فحكم عليه القاضى بغرامة مالية (وعشرجلسات عند طبيب نفسى) وقال له الطبيب السويسرى: إنّ من يعيش فى عالم اليوم عليه أنْ يعرف نظمه ويتفادى تخلفه..وسأله: متى ظهرتْ حالة التخلف فى عائلتك؟ ولماذا لاتعيشون روح العصرالحديث..وتعرفون ما فيه من خيروشر..وتتعلمون لغة الحياة العصرية؟)) وبعد أنْ ذكرد. حاتم تلك الواقعة كتب: ولاتعليق لى على ذلك (ص257)
من الأشياء الظريفة التى ذكرها د. حاتم أنه ذهب لمقابلة الشيخ الشهير(كشك) بعد أنْ قال: إنّ الذى أدخل جهازالتليفزيون، مصيره جهنم وبئس المصير، فقال له حاتم: أنا. فقال الشيخ كشك: وأنا الذى أدخلتك النار، فقال له حاتم: عمومــًـا الدنيا برد..وأشكرك لأنك وضعتنى فى النارلأتدفــّـا..وقال له: هل تعلم أننى الذى أنشأتُ محطة إذاعة القرآن؟ فقال الشيخ، إذن ستدخل الجنة. فقال حاتم: ولكنك سبق أنْ وضعتنى فى جهنم؟ فقال الشيخ: إنّ الحسنات يذهبنَ السيئات (ص153) وذكرأنّ البعض سخرمن دوره فى وزارة الإعلام..وانتشرت نكتة مصرية تقول: صرّح د. حاتم المتحدث الرسمى باسم ضباط يوليو1952، بأنّ الثورة المصرية تؤيد الثورة على السفينة بونتى (ص154)
وذكرأنه وضع خطة لتطويرالإعلام..وإنشأ عشرات الإذاعات الموجهة لأفريقيا من بينها إذاعة القرآن..وصوت العرب (ص164) صحيح هوالذى أنشـأ محطة القرآن..وغيرصحيح ما كتبه عن أنه هوالذى أنشأ (صوت العرب) لأنّ تلك المحطة أنشأها جهازالمخابرات الأمريكية..وكان الافتتاح يوم6يوليو1953- أى بعد مرور سنة من استيلاء ضباط يوليوعلى الحكم..وذلك باعتراف (مايلزكوبلاند) فى كتابه (لعبة الأمم) وباعتراف ضابط مخابرات أمريكى آخرهو(إيفلاند) فى كتابه (حبال من رمال) فلماذا ادّعى د. حاتم بأنه هوالذى أنشأ تلك المحطة الإذاعية/ الأمريكية لترويج المخطط الأمريكى (تعريب مصر) وأثناء حكم السادات..والمظاهرات التى خرجتْ تــُـنـدّد (بحالة اللاسلم واللاحرب) كتب حاتم ((كنا نخاطب الشعب الإسرائيلى عبرالإذاعة العبرية، بأنّ الشعبيْن المصرى والإسرائيلى يــُـريدان العيش فى سلام، بإعتبارنا أولاد عمومة)) (ص194) وهنا يجب أنْ أعترف أنّ د. حاتم ذكر- ربما دون أنْ يقصد – ما ترفض الثقافة السائدة الاعتراف به، لأنه اختتم تلك الفقرة بقوله لأننا ((من سلالة النبى إبراهيم)) وترجمة هذا الكلام (بلغة العلم) أنّ اليهودية والمسيحية والإسلام ديانة واحدة ذات شــُـعب ثلاث، واسمها (الديانة العبرية) وكتب د. حاتم أنّ إسرائيل ((ولاية أمريكية)) كما كان يقول رئيسه عبدالناصر..ولكنه وقع فى التناقض عندما ذكرنص كلام السادات الذى قال: لافائدة تــُـرجى من الأمريكان ((فقد استولتْ إسرائيل عليهم)) (ص191، 207)
وكان د. حاتم أمينــًـا وموضوعيــًـا عندما ذكرموقف السادات الذى (ساهم فى إجهاض محاولة الحزب الشيوعى السودانى (ص212) للتخلص من حكم نميرى، وكانت بقيادة (هاشم العطا) فى يوليو1971 وهى المحاولة التى انتهتْ بإعدامه وإعدام رفاقه، فى المحاكمة التى سـُـميتْ (محاكمة الشجرة) التى رأسها الرئيس جعفرالنميرى) وبالرغم من أنّ د. حاتم تجنــّـب ذكرتفاصيل المذبحة التى اشترك فيها نميرى والسادات، فإنّ مجرد الإشارة إلى تلك الواقعة فيها (تنشيط للذاكرة لمن يهتمون بتأريخ تلك المرحلة التاريخة)
وبعد تأميم قناة السويس..وتوابعه التى أدّتْ إلى العدوان الثلاثى، فإنّ الرئيس ديجول عندما طلب من بريطانيا الانضمام إلى فرنسا، فإنّ تشرشل قال له: نحن معكم ولكن نحن لسنا أنتم (ص110) وهذا الحواريدل دلالة قاطعة على التمسك بالخصوصة القومية لكل شعب..وهوما يرفضه العروبيون والناصريون..ومعظم الماركسيين..وأنّ د . حاتم الذى ذكرالواقعة لم يــُـعلق بكلمة واحدة، بينما ذكرأنّ الوحدة المصرية السورية (تجربة فاشلة) وأنّ جامعة الدول العربية ((لم تحقق للشعوب العربية ما تريده)) (ص127)
وذكرأنّ وزيرالأوقاف (فى عهد عبدالناصر) عندما علم بالتحضيرلإنشاء جهاز النليفزيون قال: إنّ هذا يتعارض مع مبائنا الإسلامية..ومصردولة إسلامية..وبينما موقف وزيرالأوقاف من (صلب منصبه) فإنّ د. حاتم (وزيرالإعلام والسياحة والثقافة) ردّ عليه قائلا: التليفزيون سيبدأ الإرسال بالقرآن..وأنهيه بالقرآن..وسأذيع الأذان وأنقل صلاة الجمعة..وتقديم برامج لتفسيرالقرآن..إلخ (ص147) وإذن ما الفرق بينه وبين وزيرالأوقاف؟ أليس المغزى أننا إزاء نوع (من المزايدة) فى سبيل (تدشين الدولة الدينية) فى عهد عبدالناصر؟
وفى صياغة ركيكة ومتناقضة كتب: كانت أمريكا تعطينا زيوت ((معونة بالدولار)) (ص152) فكيف تكون (معونة) وفى نفس الوقت بالدولار؟ وهل لم يقرأ أوحتى لم يسمع أنّ الإدارة الأمريكية لاتلقى (ما يـُـسمى معونة) من أجل سواد عيون الشعوب..وإنما من أجل (ضمان استمرارتبعية رؤساء الأنظمة الخاضعين للسياسة الأمريكية)؟ وكان حاتم أمينــًـا عندما ذكرنص كلام عميد الثقافة المصرية (طاها حسين) الذى قال له: يا د. حاتم: لقد أغلقت السينما، أما المسرح فرحمة الله عليه (ص273) واعترف السادات بأنه لولا((مساهمة اليابان ما كنا فتحنا قناة السويس التى كانت تحتاج 500مليون جنيه (بسعرعام1973) وكانت خزينة مصر متعثرة (ص173) وهذا مثل آخرعن أكذوبة العروبة، بعد أنّ رفض ملوك ورؤساء الأنظمة العربية المساهمة بالمال (ص247) وفى نفس الصفحة ما قامت به اليابان من إنشاء دارالأوبرا الجديدة التى تكلفت20مليون دولارتحملها الشعب اليابانى.
وفى المفوضات بين السادات وكيسنجربعد حرب1973طلب السادات بعض المطالب حول مصيرسيناء، فقال له كيسنجر: إنّ المهزوم لايفرض شروطه (ص189، 206) وذكرحاتم إنّ مؤلفــًـا إسرائيليـًـا كتب أغنية شادية (قولوا لعين الشمس) بعد تغييركلماتها..وغنــّـتها مطربة إسرائيلية، فكانت الكلمات الجديدة: ((قولوا لعين الشمس ما تحماشى..عشان الجيش المصرى راجع ماشى)) (ص187) وذكرحاتم معلومة مهمة عندما كان المسئول عن (المجالس القومية المتخصصة) أنه اقترح تطبيق (نظام الضريبة التصاعدية) المعمول بها فى أوربا واقترح ((وقف أى قروض أجنبية)) (ص226) وللأسف أنهى كلامه دون أى تعليق عن مصيرهذين الاقتراحين اللذين هما عماد أى اقتصاد وطنى..ومع ذلك يرفض النظام المصرى تطبيقهما منذ سيطرة الضابط على مصرفى يوليوالأسود سنة1952..وذكرأنّ وزارة الأوقاف أنشأت بعض المنازل فى الإسكندرية..وجعلت توزيع الشقق بالكمبيوتر، ولكن الكمبيوتركان يجامل الوزراء (ص232)
وذكرأنّ النظام اليابانى الذى يعتمد على (دورالوطنية والكفاءة) لذلك شعلت السيدة (يوريكو) منصب وزيرة الدفاع..وبالرغم من شغلها لهذا المنصب تبنــّـت مشروعـًـا ليس له علاقة بمنصبها الرسمى..هو((مشروع شجرة لكل مواطن مصرى فى وادى النطرون)) وقالت للدكتورحاتم: أى حاجة تحتاجها مصراطلبها منى..وأنا لايمكن أن أنسى الأيام التى عشتها معكم (ص246)
ولأنّ د. حاتم زاراليابان سبع مرات- كما ذكرفى مذكراته- لذلك كشف عن سرمن أسرارتقدم اليابان..وهودورالمواطنيين- من تلقاء أنفسهم..وبدون تدخل الدولة- فى مقاطعة البضائع الأمريكية..وفى إحدى المظاهرات كان الشعارأنّ من يشترى السلع الأمريكية ((سيجعل أولاده من العاطلين. اشترفقط المنتجات اليابانية. ولعلّ ذلك يكون المفتاح لفهم صدوركتاب (يمكن الآن لليابان أن تقول لا لأمريكا)) (ص245) الذى ألــّـفه باحث يابانى..والذى ركــّـزفيه على أنّ العلاقات الدولية ((يجب أن تقوم على التعاون..وليس على التبعية..ولنجاح هذا التعاون لابد من (علاقة الندية) والأهم أنّ التقدم سببه الرئيسى ((الولاء لليابان قبل الولاء للعلم)) (ص365) وذكرحاتم أنّ ولع اليابانيين بالحضارة المصرية..وصل لدرجة أنّ فتاة تمنــّـت أنّ تــُـدفن بجوارالهرم..وبالفعل فإنّ والدها أرسل ((زجاجة بها رفات ابنته..ودفنوا الزجاجة بجورالهرم تنفيذا لوصيتها)) (ص250)
وعن الفرق بين الأنظمة المتقدمة..وأنظمة القمع المتخلفة، ذكرأنّ كثيرين من الصحفيين (مجاملة للنظام) كتبوا الكثيرمن المقالات قالوا فيها ((بأنه لامكان للضحك فى ظل نظامنا الاشتراكى)) (ص265) واعترف بأنه عندما رشح نفسه لمجلس الأمة عن دائرة عابدين، فإنّ الاتحاد الاشتراكى، كلــّـف الأعضاء بالخروج لعمل الدعاية اللازمة (ص267) وهوما يدل على فساد الحكم الناصرى.
وأدهشنى د. حاتم عندما ذكرأنه من الضرورى ((عقد مقارنة بين الفلاح والبدوى..وأنّ الفلاح أصيل وطيب..والبدوى شرير..ولاينسى الثأر)) (ص297) وسبب دهشتى أنّ حاتم امتلك شجاعة التعبيربصدق عن قناعات شعبنا المصرى، نحوالبداوة..وأنّ عادة الثأرفى جنوب مصركانت من نتائج القبائل البدوية التى عاشت فى مصر.
وبالرغم من أنه التصق بعبدالناصر..وعاصرحكمه الشمولى، إذا به يطالب حسنى مبارك بالعمل على إنهاء ((حكم الفرد)) (ص316) وبينما يتحدث الناصريون والعروبيون عن (زهد عبدالناصروأولاده) فإنّ ابن د. حاتم (طارق حاتم- صديق أولاد عبدالناصر) قال إنّ عبدالحكيم عبدالناصر((كانت له مركبة فى المنتزة بالإسكندرية)) (ص384) واعترف ابن حاتم أنّ والده كان ضد الاشتراكية، وكانت ميوله نحوالغرب الرأسمالى (ص385)
000
ملاحظتان: الأول أنّ د. حاتم تجنــّـب الكلام عن ثروت عكاشة فى كتابه (422 صفحة) فلماذا كان هذا الموقف؟ هل لأنّ عكاشة اختلف مع عبدالناصرفى بعض الأمور؟ وهوما لم يحدث مع حاتم؟ وهل لأنّ حاتم (فى وزارة الإعلام) كان (مع سياسة الكم ضد سياسة الكيف، وفق رؤية عكاشة التى نقلها لعبدالناصر..وذكرها فى مذكراته؟
الملحوظة الثانية: إنّ د. حاتم صادركتاب أمين هويدى (أسرارومؤامرات فى العراق) بالرغم من أنّ هويدى شغل منصب مديرالمخابرات العامة..وبالرغم من أنّ سيد أبوالنجا (المشرف العام على دارالمعارف) وافق على طبع الكتاب وتـمّ توقيع العقد بين الطرفين..وكان موقف د. حاتم بوقف طبع الكتاب، عندما علم بقرارإعتقال هويدى يوم16مايو1971..والتفاصيل فى كتاب أمين هويدى (50سنة من العواصف- مركزالأهرام للترجمة والنشر- عام2002)
***