هل ما حدث فى 2003 سيتكرّر فى 2020؟

طلعت رضوان
2020 / 2 / 11

أعلنتْ الحكومة السودانية اتفاقفها مع فصائل مسلحة فى دارفورعلى تسليم المطلوبين لدى المحكمة الجنائية الدولية..ومن أبرزالمطلوبين، الرئيس السابق عمرالبشير..وتهمته الإبادة الجماعية..وارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية فى دارفورعام2003 (عربية نيوز، و BBC - يوم11فبراير2020.
000
ربما لايعلم جيل الشباب أنّ مطلب محاكمة البشيرأمام المحكمة الدولية الجنائية، هومطلب قديم..ولكن العروبيين والإسلاميين رفضوا تنفيذ قرارالمحكمة الجنائية الدولية بتوقيفه بحجة أنه إهدارللسيادة الوطنية ومؤامرة دولية.. وانضمّ إليهم كل رؤساء وملوك الأنظمة العربية حتى من تدّعى التقدمية، لسبب بسيط هوأنهم (كلهم) فى البطش بشعوبهم والحكم الديكتاتورى سواء..ولذلك تضامنوا مع المجرمين: مبارك، القذافى، الأسد، على عبدالله صالح إلخ ..وحتى بعد جريمة انفصال الجنوب عن الشمال، استمرّالبشيرفى تهديده باللجوء للسلاح لمواجهة الدولة الجديدة فى الجنوب، إذا لم تحل مشكلة منطقة (أبيى) المتنازع عليها والغنية بالبترول..وتزامن هذا مع قرارالبشيربوقف 6صحف إنجليزية وعربية بالخرطوم بحجة أنّ مُـلاكها (أوبعضهم) جنوبيون سقطتْ جنسياتهم عنهم.
وإذا كان البعض يرمى باللوم على أهالى الجنوب، فإنّ مواطنة من (الشمال) الذى كان البشيريـُـسيطرعليه، قالت عن الانفصال ((إنه يـُـشبه قطع يدى أوقدمى أوقطعة من جسدى..وترى أنّ البشيرهوالذى تسبّب فى هذا الانفصال أوشارك بالجزء الأكبرفى انفصال الجنوب بسياساته المتردية اقتصاديًا وسياسيًا وإنسانيًا ضد أبناء الجنوب ولسنوات حكمه منذ عام 1998بعد خلعه النميرى فى انقلاب عسكرى. وكانت الشريعة الإسلامية والتهديد بتطبيق أحكامها على الجميع دون استثناء حتى ولوكانوا غيرمسلمين، احدى أدوات البشيرفى مواجهة أبناء الجنوب ومعظمهم يدين بمعتقدات تقليدية إفريقية المنشأ بنسبة لاتقل عن 60% من جملة عددهم، إلى جانب المسيحيين ويـُـمثلون حوالىْ ربع عدد سكان الجنوب أوأقل قليلا ، فكيف لهم أنْ يخضعوا لما يتعارض مع معتقداتهم؟ وكان التهديد بقطع الأيدى والجلد سيفــًـا مُسلطــًـا ليس على الجنوبيين فقط..ولكن على الشماليين أيضًا من المسلمين (رسالة السيدة السودانية فى مقال د.درية شرف الدين- المصرى اليوم 12/7/2011) ويتذكركل الأحرارمنظرالسيدة السودانية التى لاحقها جندى وبيده كرباج ويضربها به على كل جزء من جسدها..وهى تتلوى على الأرض وتزحف أمامه من مكان إلى آخر، والسبب أنها خالفتْ الشريعة الإسلامية ولبستْ البنطلون (رغم أنّ القرآن– المصدرالرئيسى للإسلاميين- ليس فيه أى نص عن تحريم لبس البنطلون)
البداية: هى مأساة 6 مليون إنسان من إقليم دارفور. بدأ الصراع بين هؤلاء والحكومة منذ عام 2003..ووفق ما ذكرته منظمة هيومن رايتس ووتش أنّ قوات الحكومة السودانية واحدى الميلشيات الإثنية (الجنجويد) خاضت حربًا مع جماعتيْن مسلحتيْن هما حركة تحريرالسودان..وحركة العدالة والمساواة..وفى سياق هذه الحرب قامت القوات الحكومية بشن حملة منهجية من التطهيرالعرقى ضد المدنيين. وبين عاميْ 03 ، 2005 أقدمتْ الحكومة وقوات الجنجويد على إحراق وتدميرمئات القرى والاغتصاب والاعتداء على آلاف النساء..وأكدت المنظمة أنّ استمرارتدهور الوضع فى دارفوريرجع إلى دعم الحكومة للميليشيات الإثنية والسماح بانتهاك القانون الدولى دون خوف من عقاب..وقد أدى ذلك إلى هروب أكثرمن 2 مليون شخص إلى الدول المجاورة..وقتل حوالى 450 ألف إنسان، ناهيك عن العراقيل التى تضعها الحكومة أمام فرق الإغاثة والمنظمات الإنسانية لتوصيل المساعدات لنحو3 مليون إنسان ظلوا فى دارفور.
فى يوم 16/9/2004 أعربتْ 31 منظمة حقوقية عربية عن قلقها إزاء ما يحدث من إبادة لأهالى دارفور..وأنّ سياسة الحكومة أدّتْ إلى تفاقم الكارثة، خاصة وأنها لم تحترم إتفاقية أنجمينا لوقف إطلاق النارمع جماعتىْ المعارضة..وأكد بيان ال 31 منظمة أنّ تضامن منظمات حقوق الإنسان فى العالم العربى مع ضحايا دارفوريأتى دفاعًا وإنصافــًـا للضحايا المدنيين وانتصارًا للقانون الدولى..وطالبوا فى نهاية البيان أنْ يُدعم مجلس الأمن الإتحاد الإفريقى بزيادة عدد قواته..وتشكيل لجنة تحقيق دولية من الأمم المتحدة لتحديد المسئولية عن انتهاكات حقوق الإنسان فى دارفور..وأنْ توقف الحكومة السودانية المضايقات التى تمارسها ضد نشطاء المجتمع المدنى والصحفيين..وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين بسبب معارضتهم سياسة الحكومة ضد أهالى دارفور..وأنْ تضع الحكومة حدًا للإفلات من العقاب..وأنْ تقدم المتورطين فى انتهاكات حقوق الإنسان..وقتل المدنيين للمحاكمة (مجلة سواسية مركزالقاهرة لدراسات حقوق الإنسان عدد59) وشكــّـك بعض السياسيين فى جدية الحكومة السودانية، لأنها خرقتْ إتفاقية أنجمينا لوقف إطلاق النار فى 8 إبريل 2004 بضرب مناطق جبل مرة..ووادى صالح بعد أيام من التوقيع..كما أنها أوقفتْ تدفق العون الإنسانى سواء تم ذلك من القوات المسلحة (الحكومية) أومن الجنجويد الذين دمجتهم الحكومة السودانية فى قوات الدفاع الشعبى وحرس الحدود وفى القوات المسلحة (سواسية عدد70 ،71)
العرب ضد الأفارقة المسلمين:
من هم الجنجويد؟ عرّفهم الكاتب السودانى عبدالرحمن عوض بأنّ الكلمة مأخوذة من قاطع طريق من عرب دارفوراسمه (حامد جنجويد) قام بالحرابة مع عصابته ضد القرى الأفريقية من حرق ونهب عام 1885..ولما نشأ تحالف بين37 قبيلة عربية فى دارفورعام 87 إتهمتْ الحركة الشعبية لتحريرالسودان حكومات الصادق المهدى والبشيربرعاية هذه القبائل العربية، فبثتْ هذه القبائل الرعب فى قلوب الأطفال والنساء الأفارقة (صحيفة القاهرة5/2/2008)
والمسكوت عنه فى الإعلام العروبى أنّ القبائل العربية قتلتْ مئات الألوف من الأفارقة المسلمين الموحدين بنفس ديانة العرب. فلماذا يقتل مسلمون موحدون مسلمين موحدين مثلهم؟ لأنّ القاتل عربى والقتيل إفريقى..ولم يشفع الدين الواحد الذى يعتنقه القتيل والقاتل أنْ ينزع من الأخير رواسبه العنصرية العدوانية. أما عن استراتيجية الإعلام العربى والمصرى للصراع، فهوانحيازسافرللعروبة ضد المبادىء الإنسانية التى أسستها مفاهيم الحداثة للدولة العصرية..وكمثال واحد على هذا الانحيازكتب أ.فهمى هويدى فى صحيفة الشرق الأوسط فى 5/7/2006 ((ينبغى ألاّنتوقع من الآخرين أنْ يدافعوا عن حقوقنا أوكرامتنا التى تخاذلنا عن الدفاع عنها. لكن ذلك لايـُـنسينا أنّ الضميرالعام فى تلك المجتمعات الذى استثاره الحاصل فى دارفور..وإهتزّلما جرى فى رواندا، أصيب بالسكتة غيرالبريئة حين تعلق الأمر بالعرب والمسلمين من فلسطين إلى شيشينيا))
وعلــّـق أ.رجب سعد ((إنّ عدوى ازدواجية المعاييرأصابت العرب.. وأنّ تعليق أ. هويدى على إهتمام المجتمع الدولى بكارثة دارفورالإنسانية صيغ بطريقة يـُـفهم منها استثناء أهل دارفورمن زمرة المسلمين)) والازدواجية العربية استمرتْ عند مقارنة بيان الأديب ماركيزلصالح شعب فلسطين الذى هلــّـل له العرب، بينما بيان سونيكا الذى كتب فيه عن تخريب حكومة السودان للجهود الدولية لحماية ضحايا دارفوركان مصيره التجاهل..وتساءل أ.رجب: لوكان النظام الحاكم فى السودان علمانيًا، هل كنا سنسمع صياحًا عن المؤامرة التى يتعرّض لها الإسلام والمسلمين؟ ونشاهد قائدًا دارفوريًا فى لقاء مع مراسل الجزيرة؟ ونشاهد المتظاهرين فى الأزهريـُـطالبون بفتح باب التطوع لنصرة مسلمى دارفورالذين يتعرّضون للإبادة؟ (القاهرة 5/9/2006)
وحكومة البشيرلم تتحدّ المجتمع الدولى فقط..وإنما وصل الأمرلدرجة مطالبة قوات الإتحاد الإفريقى بمغادرة دارفور..وإعلان الجهاد ضد الأمم المتحدة الكافرة (أمنية النجار– القاهرة 5/9/2006) وأعلن البشيرأنه سيقود الجهاد بنفسه ضد أى جندى أممى (معتزالفجيرى– القاهرة 26/9/2006) ومن بين الأسئلة المسكوت عنها: لماذا رفضتْ حكومة البشيرتسليم أحمد هارون..وعلى كوشيب وهما من زعماء القبائل العربية التى شاركتْ فى المجزرة ضد أهالى دارفور؟ لماذا وقفتْ الحكومة السودانية مع المجرمين ورفضتْ تسليمهم إلى المحكمة الدولية الجنائية؟ الإجابة مسطورة فى موقف الأنظمة العربية..والإعلام العربى المؤيد لنظام حكم البشيرالقمعى واللاإنسانى..وما فعله البشيروحكومته فعلوه مرة أخرى عام 2007 عندما رفضوا تسليم المجرمين إلى المحكمة الدولية..وقادوا حملة دعائية (بحجة التدخل الأجنبى) ولخــّـص أ. مازن شقورة الخبيربالأمم المتحدة فى بيروت كمراقب لحقوق الإنسان لمدة قاربتْ 14شهرًا فى دارفورالوضع هناك قائلا ((إنه نزاع بين رعاة عرب ومزارعين أفارقة)) (نقلا أ.رجب سعد– سواسية عدد69)
بعد أنْ حققتْ أمريكا وحلف الناتوحلم تمزيق دول البلقان، تمتْ محاكمة الزعيم الصربى سلوبودان مليوسوفيتش عام 2001 أمام محكمة دولية بصفته مجرم حرب، رغم أنه كان يدافع عن استقلال بلاده..وعن الاعتداء الأمريكى الوحشى الذى دمّرالبنية الأساسية لدولة الصرب لمدة ستة شهور. فهلّل الإعلام العروبى لهذا النجاح الباهرللأمريكان..وركــّـزعلى مساندة أمريكا لشعب البوسنة المسلم..ولم يسأل أحدٌ فى هذا الإعلام نفسه: لماذا تــُـساند أمريكا (المسيحية) شعبًا (مسلمًا)؟ ولماذا تغاضى (الإعلام) عن أنّ أمريكا ضربتْ دولة الصرب دون الحصول على موافقة مجلس الأمن؟ ولماذا سكت (الإعلام) وتغاضى عن التحقيق الذى نشرته الصحف الأوروبية المتضمن أنّ أغلب الصورالتليفزيونية عن المذابح ضد شعب البوسنة كانت (سينمائية) أى ملفقة ومصنوعة فى معامل أمريكا؟ كل هذه الأسئلة المسكوت عنها أجاب عليها الواقع المادى الذى لايستطيع أحدٌ أنْ ينكره، حيث أصبح لأمريكا بعد أنْ دمّرتْ دولة الصرب قاعدة جوية فى البوسنة، بحجة تحويلها إلى مركزعمليات لمكافحة الإرهاب..وأعلن مسئولون عسكريون أمريكيون أنّ أمريكا تسعى لتطويرالقاعدة بحيث يمكن استخدامها كمركزلإطلاق أية كتيبة فى حالة الحاجة إليها بالمناطق المجاورة (أهرام 14/7/2004ص4) فلماذا بارك الإعلام العروبى والأنظمة العربية محاكمة الزعيم الصربى، بينما يرفض هذا الإعلام وهذه الأنظمة محاكمة البشيروحكومته؟ أليست الإجابة هى الخوف من يأتى الدورعلى كل من يمارس قمع شعبه؟ بل إنّ المأساة تتجسد أكثرفى موقف جامعة الدول العربية التى تــُـجامل رؤساء الدول على حساب الشعوب التى تدفع مرتبات موظفى هذه الأنظمة، التى يجب التفكيرالجدى فى إلغائها..وتوفيرالمبالغ التى تخصصها كل دولة للإنفاق على شعوبها، خاصة أنّ وزراء الخارجية العرب موظفون لدى رؤسائهم المستبدين. ولماذا لايتعلم الإعلام العروبى من الصحافة الأمريكية التى طالبتْ بمحاكمة الرئيس بوش كمجرم حرب؟ واليوم تدورحملة إعلامية لعزل ترامب، تضامنــًـا مع الحزب الديمقراطى..وهل لدى الدول العربية أومصرشخصية مستقلة مثل رئيسة مجلس النواب الأمريكى التى وصفت الرئيس بوش (الإبن) بأنه ((فاشل))؟
إنّ ما أخشاه هوأنْ تتكررمأساة انفصال الجنوب عن الشمال السودانى فى دول إفريقية أخرى: نيجيريا، ساحل العاج، الكونغو، أنجولا، الصومال إلخ. لذلك أناشد الأحرارفى كل مكان العمل على تسليم المجرمين (البشيروزبانيته..وباقى الأنطمة القمعية) للمحكمة الدولية، لعلّ ذلك أنْ يكون بداية لاحترام حقوق الشعوب ضمن منظومة حقوق الإنسان. أليست المحاكمة (لوتمت) تكون عبرة لكل الحكام العرب الذين وقفوا يتفرجون على بحورالدم فى ليبيا وسوريا واليمن..ووقفتْ معهم جامعة الدول العربية نفس الموقف المُزرى الخانع الذليل، المـُـتجسد فى قول نبيل العربى (الأمين العام لجامعة الدول العربية، الفترة من مايو2011- يونيو2016) لوكالات الأنباء بعد زيارته لسوريا واجتماعه مع بشارالأسد ((ليس من حق أية جهة المطالبة برحيل أى رئيس عربى)) فهل كنتُ مبالغًا عندما طالبتُ (أكثرمن مرة) بإلغاء هذه المنظمة الورقية التى مهمتها مساندة الحكام القتلة، بينما الشعوب العربية هى التى تتحمل مرتبات الأمين العام وجيش موظفيه..وتنقلاتهم بالطائرات وإقاماتهم فى الفنادق ذات النجوم التى تستضيف رؤساءالدول، بينما الشعوب تكتوى بالفقروالجوع والقتل العمد. فهل ما حدث فى2003، سيتكرّرفى2020؟ لعرقلة تسليم البشيرللمحكمة الجنائية الدولية؟
***