إن السفينة لا تجرى على اليبس

محمد السعدنى
2020 / 2 / 10

ترجو النجَاة وَلم تسلك مسالكها ...
إِن السَّفِينَة لَا تجْرِي على اليبس
-أبو العتاهية –

مشي الفتى أربعين يوماً حتى وصل إلى قصر جميل علي قمة جبل فيه يسكن الحكيم الذي يسعى إليه. وجد في قصر الحكيم جمعاً كبيرا من الناس. انتظر الشاب حتى جاء دوره. أنصت الحكيم بانتباه إلى الشاب وهو يطلب أن يصاحبه ليتعلم منه حكمة الحياة فى مقابل أن يساعده فى القيام بأعباء القصر الكبير. تذرع الحكيم بأن الوقت لا يتسع للاستفاضة فى الكلام والتفاصيل وسط كل هذا الزحام، وطلب من الفتى أن يقوم بجولة داخل القصر وحوله، ثم يعود لمقابلته بعد ساعتين.
أضاف الحكيم وهو يقدم للفتى ملعقة صغيرة فيها نقطتين من الزيت: إمسك بهذه الملعقة في يدك طوال جولتك وحاذر أن ينسكب منها الزيت. أخذ الفتى يصعد سلالم القصر ويهبط ويدور فى أروقته وباحاته وحجراته مثبتاً عينيه على الملعقة، ثم رجع لمقابلة الحكيم الذي سأله: هل رأيت السجاد الفارسي في غرفة الطعام؟ والحديقة الجميلة بأشجارها الوارفة النادرة؟ وأى من المجلدات والكتب استوقفتك في مكتبتي؟ ارتبك الفتى وتلعثم وبدت إجاباته كما لو أنه لم يرى شيئاً، إذ كان همه الأول ألا يسكب نقطتي الزيت من الملعقة. فقال الحكيم: سأعطيك فرصة أخيرة، إرجع وتعرف على معالم القصر جيداً ولا تفوت شيئاً، فشخص لا يعرف البيت الذي يسكن فيه، كيف يمكننى أن اعتمد عليه فى إدارة شئونه؟
عاد الفتى يتجول في أرجاء القصر بعيون مفتوحة، منتبها إلي اللوحات الفنية على الجدران، والتماثيل فى الأركان، شاهد الحديقة والأشجار الوارفة، والمكتبة وغرفة الموسيقى، وآنية الزهور الفريدة، ومتحف المقتنيات النادرة وغيرها، وعندما رجع إلي الحكيم قص عليه بالتفصيل ما رأى، فسأله الحكيم: وماذا عن قطرتي الزيت اللتان عهدت بهما إليك؟ نظر الفتى إلى الملعقة فلاحظ أنهما انسكبتا، فوقف فى حيرة كمن على رأسه الطير ولم يحر جواباً. هنا تبسم الحكيم فى نظرة ذات مغزى قائلاً: يا بنى لا حاجة لك بمصاحبتى أكثر من ذلك، فقد انتهى وقتك ونفدت فرصتك، وعليك مغادرة القصر، لقد انتهى الدرس وعليك وحدك تدبر حكمته وسبر أغواره.
وإذا سألتنى ماذا حدث؟ وما هو مغزى الحكاية؟ سأحيلك إلى مقالينا السابقين فى هذه الزاوية "فى مديح مايكفى" و "الطموح وحده لايصنع الفارق"، ففى ضوئهما يمكنك فهم ماذا حدث لصاحبنا، ذلك الفتى الغرير الذى أخذه طموحه إلى أبعد مما تمكنه موهبته واستعداده وقدراته، ولم يستطيع الموازنة بين مايطلبه، وما يتوجب عليه عمله للوصول لمبتغاه وأهدافه. لقد ذهب يطلب الحكمة وسكنى القصر وإدارة شئونه، لكنه لم يستطع فى فرصته الأولى أن يرى شيئاً مما حواه قصر الحكيم وردهاته ومكوناته، كل شاغله كان الحفاظ على قطرات الزيت التى لم تكن ذات القيمة الأهم فى مهمته.
أما فى فرصته الثانية فقد أضاع الزيت ولم ينتبه له، إذ انصرف بكليته إلى ماكان عليه انجازه بكفاءة فى المرة الأولى. لكأنه فى كل مرة كان عليه أن يفتقد شيئاً ليقيم آخر. هنا كان رسوبه حتمياً فى الاختبار، إذ حكمة الحياة التى راح ينشدها قائمة على التوازن بين ماتريد ومايمكن أن تعطى. فالطموح فيما تريد ليس كافياً وحده ليصنع الفارق، إذ الفارق تصنعه القيمة، قيمة ما لديك قياساً إلى قيمة ما رحت تطلبه وتهفو لتحقيقه.
ثم صاحبنا فى هذه الحكاية كان مفتقداً بالكلية لكل معنى أو أثر من القدرة على ترتيب أولوياته، إذ راح فى المرة الأولى ليجعل كل هدفه الحفاظ على قطرتى الزيت، وعندما أرشده الحكيم لخطأ مسعاه، راح فى الثانية بهمة يرجو النجاة، لكنه لم يسلك مسالكها، إذ أضاع فى طريقه ما كان قد حافظ عليه فى مرته الأولى. افتقد صاحبنا فقه الأولويات وقاده طموحه إلى حيث مالايمكن أن تدعمه إمكاناته.
حكمة الحياة ياصديقى وضروراتها هى القدرة على صنع التوازن وترتيب الأولويات. فالسفينة مهما تفننت فى تجويد صنعتها، لا تجرى على اليبس.