التنوير ومؤسساتنا الثقافية الغائبة

محمد السعدنى
2020 / 2 / 9

فى محاضرته الافتتاحية لـ "ملتقى الحوار العربى الألمانى بدبى" وفى جمع من الكتاب والمثقفين العرب والألمان، جاءت كلمات الشاعر والفيلسوف "هانز ماجنوس انتسنسبرجر" واضحة عارية من أى رتوش مشيرة إلى احتياج العالم العربى إلى حركة تنوير جديدة، للخروج من وهدة التخلف فى التعليم والترجمة والثقافة. وأن هذا أمر لايمكن أن يضطلع به الغرب أو أى شخص من الخارج، بل على المفكرين والشعراء والكتاب والمثقفين والفنانين العرب أن يقدموا ذلك بأنفسهم، فالتنوير من صنع البشر، والأوربيون لايحتكرون حقوق الملكية الفكرية للتنوير، فالحضارة الإسلامية في الأندلس كانت في قمة ازدهارها قبل أن يكتب هيوم ولوك وديدرو وكانط – من رواد التنوير فى الغرب - أعمالهم الرائدة بقرون عديدة. كانت الأندلس العربية لمدة قرنين من الزمان مركزاً فريداً للبحث الفلسفي والعلمي، ولولا الجهد الذي بذله العرب لكان تراث أرسطو قد اندثر، وأن دانتى ونيكولاوس كوسانوس وجوردانو برونو وسبينوزا يدينون بالفضل لمعلميهم المسلمين، تماماً كما تدين بالفضل للمسلمين علوم الفلك والمنطق والبصريات والرياضيات والطب، والشعر أيضاً. ولكن عصر الازدهار، وكما نعلم جميعاً، لم يستمر فترة طويلة، فكل ثقافة تموت ظمأً إذا عزلت نفسها فترة طويلة وإذا استغنت عن تبادل الأفكار الحرة والملهمة فلا تكون إلا مفرخة للخاسرين. هذا ماقاله إنتسنسبرجر الذى كانت أفكاره ومقارباته عن "صناعة الوعى والتنوير" موضوع مقالنا الأسبوع الماضى.
والتنوير فى كلمات بسيطة، هو الوعى والثقافة وحرية العقيدة وتقبل الآخر والاحتكام للقانون واحترام قيمة العلم فى مواجهة الجهل والخرافة، وأنه "لا سلطان على العقل، إلا العقل نفسه" كما قال ابن رشد فى تغليب قيمة مدرسة العقل على ماعداها من مدارس النقل "السلفية مثالاً". وهذه القيم الحضارية هى فى مجملها قيم التقدم والنهضة. وهى قيم لم تكن بعيدة عنا، فلنا سابق خبرة بالتنوير والنهضة علمت العالم حتى نهاية القرن الثانى عشر، ثم إعادة إحياء للتنوير مع القرن التاسع عشر الميلادى. ولعل الأمر يحتاج تفصيلاً فى مقال آخر. على أن أخطر ما يواجه العقل العربى فيما يخص صناعة الوعى والتنوير أمران خطيران، الأول تلك الحركات الإسلاموية التى تعارض فصل السلطة الدينية عن السلطة الزمنة أو المدنية "أو ما يطلق عليه العلمانية"، وهو ما يجرمه البعض ممن لايعرفون، والكثير ممن يعرفون ويساوون عن سؤء نية وقصد بينها وبين إنكار الدين، وهذا غير صحيح على الإطلاق.
أما الأمر الثانى ولعله الأخطر، فهو ضعف وهزال مؤسساتنا الثقافية والقائمين عليها، والتى استحالت مؤسسات غائبة مغيبة تفتقد العقل والرؤية والتخطيط ورشادة وعصرية الإدارة، فأضحت مؤسسات لتسيير العمل البيروقراطى، عنوانها الشكلانية والمظهرية، تحكمها الشللية والزبائنية والموسمية، فتأخرت عن أهم أدوارها حين توجب أداءها، وهى قيادة الدولة فى عملية تنوير عاجلة وشاملة تحارب الجهل والخرافة وتقاوم التخلف وتصنع تياراً للوعى يخاطب العصر فى كل ظواهره وإبداعه، وعملية أخرى أكثر أهمية وهى العمل على التأسيس لمشروع علمى ثقافى للتحديث والنهضة. إذ لانهضة دون مشروع علمى ثقافى يمهد لها ويؤسس لركائزها ومحاورها وطرائقعا وآلياتها. وهذا ما أشار إليه إنتسنسبرجر فى محاضرته فى دبى العام 2008، والتى من أسف شارك فيها وحضرها كثيرون ممن يتصدرون حالياً تلك الواجهات الفارغة فى مؤسساتنا الثقافية المفلسة، ولم يفيدوا منها أو تكون لهم حافزاً ودافعاً وقدوة.
لقد تحولت تلك المؤسسات إلى مكلمات ومهرجانات واحتفاليات ومجاملات، بينما غاب عنها أهم واجباتها ومسئولياتها فى صناعة الوعى والتنوير والتأسيس للتحديث والتقدم والنهضة. وانظروا ذلك الحصاد الهزيل لوزارة الثقافة ومؤسساتها ومكتبة الإسكندرية بكل إمكاناتها والمجلس الأعلى للثقافة وأغلب الجامعات ومراكز البحوث الإنسانية والاجتماعية.
ولقد تجنبنا ذكر أمثلة ونماذج على الإفلاس الثقافى لمؤسساتنا، وهى كثيرة وعديدة ومؤسفة، إذ ليس الهدف التشهير بأحد أو إدانة أحد، إنما يحدونا أمل أن تفيق هذه المؤسسات من سباتها وتعود من غيابها وتضطلع بمسئولياتها، لتكون عوناً للدولة لا عبئاً ثقيلاً عليها. والأمر يحتاج إلى كثير من التفكير والتدبير والتغيير الذى لابد أن تقوم به الدولة حيال هذه المؤسسات حتى تكون قادرة مؤهلة وكفؤة.