سأسلخ جلد الوجودية - مذكرات السارترية الكبيرة في قوة الأشياء (2)

هاله ابوليل
2020 / 2 / 8

سأسلخ جلد الوجودية
كانت دعوات مثل "هي يجب احراق سارتر ؟
سأسلخ جدل الوجودية
, كما كانت دعوات احراق كافكا كما غيرهم شائعة في ذلك الزمان
وكانت تبدو اسئلة على شاكلة
: ماهي الثقة التي ينبغي أن تُعلق على فيلسوف توحي نظرته بالانهماك في الملذات ؟
أما لماذا تم الحكم على الوجودية بمثل هذه العبثية , فلأن جان بول سارتر ارتبط بشريكته سيمون بلا زواج مما تسبب لهما بالكثير من الاتهامات .
لقد كان يصل الناس السماع على أن الوجودية تبيح كل شيء و كانوا على شيء من الغرابة , يبحثون عن الأخلاق والفضائل في زمن الحرب التي تبيح كل شيء .
رغم أن " سورين كيركغور" وهو أول فيلسوف وجودي، كان يلخص فلسفة الوجودية بأن كل فرد –وليس المجتمع أو الدين- مسؤول عن إيجاد معنى لحياته منفردا، وأن يعيش حياته بشغف وصدق أو "بأصالة".
أما مفهوم نشأة العبثية الوجودية كما صرح كامو فقد نشأ فقط عن اجتماع الاثنين (البشر والعالم )، إذ تصبح الحياة عبثية بسبب عدم التوافق بين البشر وبين العالم الذي يسكنون فيه. وربما اسطورة سيزيف ومحاولاته في الحصول على الخلاص كانت محاولة عبثية فقد كان محكوما برفع الصخرة من اسفل الجبل إلى أعلاه، فإذا وصل القمة تدحرجت إلى الوادي , فيعود إلى رفعها إلى القمة، ويظل هكذا حتى الأبد، فأصبح سيزيف رمز العذاب الأبدي. وفي مقالة لألبير كامو في مقاله المنشور عام 1942 والمسمى أسطورة سيزيف، أن سيزيف يجسد هراء وسخف ولا منطقية ولا عقلانية الحياة الإنسانية، ولكنه يختم بقوله أن المرء لابد أن يتخيل أن سيزيف سعيد مسرور. تماما كما أن النضال والصراع والكفاح ذاته نحو الأعالي والمرتفعات كاف وكفيل بملأ فؤاد الإنسان حيث يقول عنه
:"ليس هناك عقاب افظع من عمل متعب لا أمل فيه ولا طائل منه.*
في حين ان البحث عن جودو( المخلص) لم يكن لينتهي عند .عميد مسرح العبث صمويل بيكيت ,
كانت الحركة الوجودية وظروف الحرب تحتم طرح اسئلة سياسية على شاكلة
:كيف يستطيع المرء ان يؤمن بالإخلاص السياسي؟
هل بإمكاننا ونحن في القرن العشرين ان نعرف مثلا ماهي المناقشات التي كانت تدور في القرن التاسع عشر وتحديدا ابان احتلال المانيا لنص اوروبا .
كانت مانشيتات الحرب في ذلك الزمان و صراعات الايدولوجيات والأحزاب مستعرة .
كنت ستقرأ على سبيل المثال في جريدة " كارفور" الفرنسية
:" توماس ديوي ,الرئيس الثالث والثلاثون للولايات المتحدة يدخل البيت الأبيض وفي يده مكنسة".
كان العالم في ذلك الزمان (زمن الحرب العالمية الثانية ) يموج بحركات غريبة وعجيبة وبدت تطفو على السطح الدعوة لاتحاد فيدرالي عالمي من اجل خلق حكومة عالمية بسبب ما كان يهدد السلم العالمي حينها وكان شبح القنبلة الذرية مقلقا وخاصة ان هناك من كان يطالب بإلقاء القنابل على الاتحاد السوفيتي
ففي فرنسا على سبيل المثال كان يطرح يوميا سؤال
ماذا ستفعلون إذا احتل الجيش الأحمر فرنسا؟

أما عن علاقات الكتّاب والمثقفين واختلاف ايدولوجياتهم مثل طرح اسئلة على شاكلة
هل نختصم لأسباب سياسية ؟
أو ليس ثمة صداقة بدون تفاهم سياسي
يرد سارتر على مثقف فاجأه بالسؤال الأول
فقال :" حين يكون الناس على خلاف في الآراء لا يستطيعون حتى أن يروا معا أحد الأفلام !
ومع أن العبارة توحي بانعدام أي تفاهم بين الآراء السياسية للمثقفين إلا أنه لم يتخل عن اعتقاده , أن العمل من اجل السلام في العالم ,يكمن في النضال ضد جميع الحروب واحدة ,واحدة .(:235). ولذا نرى أنه كان يطالب بتضميد الجراح بدلا من كشف الألم , ففي زيارته لبرلين ,والقاء المحاضرات انما كان سارتر يؤكد على العمل بدلا من الندم , اذ كان يصرح في محاضراته أن من الأفضل بناء المستقبل , لا البكاء على الماضي ,في حين ان الالمانية "آنا سيغرز "التي لم تكن لتتفق مع سارتر ,حيث كانت تقول :" اننا نحن الألمان , بحاجة اليوم الى الندم .
لم يُعجب الشيوعيين بسارتر ,فقد كان عدوا لهم لدرجة انه بعد عرض مسرحيته " الأيدي القذرة" التي كانت مستوحاة من اغتيال تروتسكي . كتب ناقد روسي : " لقد باع جان بول سارتر ما بقي له من شرف وطيبة لقاء ثلاثين فلسا وصحن عدس اميركي" .
وتقول سيمون :" وما دامت المسرحية لم تعجب الشيوعية ,فهي حتما ستعجب البرجوازية التي غطت سارتر حينها بالزهور من باب المناكفة فقط .فقد كانوا ينتظرون الروس أن يدلوا بدلوهم حول المسرحية ليأخذوا موقفا مناهضا ضد الشيوعية وهذا يدل على الحروب الثقافية لذلك الزمان مغمسة بالطابع السياسي .
انتسب سارتر الى التجمع الديمقراطي الثوري وقد تحدثت سيمون عن الإشكاليات والأسباب التي جعلته يدخل بالتجمع الديمقراطي الثوري وكيف ان انتسابه لهذا التجمع قد كلّفه الوانا جديدة من الهجوم . فقد كان سارتر راغبا ان يجعل قوى اوروبا الاشتراكية مؤيدة لسياسة محددة وهي الحياد . كان يريد ان يكون التجمع الديمقراطي الثوري أن يكون توسطا بين الجناح التقدمي للبورجوازية الاصلاحية الصغيرة والبروليتاريا الثورية .ص:237
في ذلك الزمان كانت القضايا تدور حول تشريعات وأحكام ومطالبات فقد كان مألوفا أن تسمع اسئلة على شاكلة
ما رأيكم بتشريع قانون الاضراب ؟ أو طرح مسألة جوهرية على نحو مسألة الحكم بالإعدام والمطالبة بإلغائه خاصة بالميدان السياسي
ما رأيكم بمجانية التعليم ؟
هل تعتقد أن الجميع كان يطالب فيها أم أن هناك افراد لهم آراء اخرى .
هل كنت تعتقد ان هناك من قد يعارض مجانية التعليم لأن اعطاء المنح يكفي حسب رأي مدام لومير التي كانت تعارض سارتر بل و تعتبر افكاره السياسية .متطرفة مثل موضوع مجانية التعليم
إن إعطاء المنح يكفي
بالفعل هناك من يعتقد ذلك
أن قبول الفرد للمنح تشعره إنه مميز وإنه استحق ذلك بغض النظر اخلاقيا على إنه قد استولى على حق غيره او حق لم يحصل عليه غيره , وهذا كلّه مدعاة للاذلال و الاستحقاق والمطالبة برد الخدمات .
فالحكومة التي تنهب جون لتمنح ما نهبت لبول ,تستطيع أن تعتمد على بول لمراقبة جون وتحطيمه كمثال وهذا يعني مع الأفكار المعاصرة أن قطعان سلالة العبيد قديمة وممتدة ومستمرة .
ماذا عن الضمان الاجتماعي !
هل يمكن أن تعارض الضمان الاجتماعي بحجة الاستغلال , وتعارض التعريفات النقابية باسم حرية العمل
لقد بدت أفكار سارتر متطرفة لأن الكثير من " مدام لوفير" التي تؤيد الاكتفاء بالمنح موجودة بيننا .
أما لماذا قد يبدو كاتبا مثل سارتر مقطوعا عن الجماهير ويحكم على نفسه أو لا يكون له جمهور بل قراء .وهل يرغب الكاتب مثلا بجمهور يصفق له , قد سمع اسماء كتبه و وصلته منه شذرات
أم يكتفي بنخبة قارئه تكون هي رصيده وقيمة لأعماله بدلا من الغوغاء الصّداحة والجماهير التي تهتف بلا وعي منها .. إن الانتخابات كمثال ,انما هي صوت الجماهير الغوغائية التي تركض وراء من يقدم لها الطعام أو الحلوى بدون أن يكون لها موقف من الناخبين الذين لا يملكون سوى المال اما عن الموقف الأخلاقي لهم , فلا تهتم به الجماهير الصّداحة وتلك الجموع القذرة التي تركض وراء تلك اللعبة السياسية التي لامعنى لها . لذا فلطالما كرهت تلك الديمقراطية الكاذبة ولا أعلم أن كان سارتر يوافقني الرأي بذلك فكل ما اعرفه انه كان يكره الانتخابات ,كما صرحت بذلك شريكته السارترية الكبيرة بدون ابداء الأسباب وراء ذلك الكره .
ومن ذاك الذي يجعل الأدب ينحط الى درجة جعله دعاية ,كما فعلت سياسة الحزب الشيوعي الستاليني . يقول سارتر موضحا :" ان سياسة الشيوعي الستاليني لا تتطابق مع الممارسة الشريفة للمهنة الأدبية بسبب نزعة الشيوعي العلمية والبدائية وتذبذبه بين النزعة المحافظة و الانتهازية النفعية .
لم يكن سارتر راغبا بتأليف مسرحية سياسية ولكنها اصبحت سياسية ,لأنه اتخذ ابطالا لها من اعضاء في الحزب الشيوعي ,فقد كانت مسرحيته تتحدث ضمنيا عن اغتيال تروتسكي والأيدي القذرة عنوان مسرحيته يشيرأن القتلة بيننا .
في الحقيقة , لم اسلخ جلد الوجودية , فقد تم جلدها بما فيه الكفاية لتبقى كأحد النظريات الرائدة والمعاصرة التي ناقشت حياة الفرد وعلاقته بالكون والعبثية والعدمية واليأس بل بحركة وجوده نفسه وغيرها ,ولكن تبقى للفلسفة قيمة وحضور فكرة سارتر في أن الوجود يسبق الجوهر، وهو ما يعني أن الاعتبار الأكثر أهمية للأفراد هو كونهم أفرادا (كائنات حية مستقلة ومسؤولة وواعية) بدلا من أي وصم أو دور أو قالب نمطي أو تعريف أو أي تصنيف مسبق يمكن وضعهم فيه (الجوهر). *
أن اسلخ جلد الوجودية لم يكن هدفي ,في حين كان مقالي هذا مرور على كل تلك الصراعات والمداولات والمناقشات التي كانت تدور في ذلك الزمان زمن الحرب وازدهار الثقافة وافكار الحرية والالتزام والأصالة .





المراجع

*وكيبيديا
**قوة الأشياء : سيرة ذاتية لسيمون دوبو فوار
دوبوفوار,سيمون .قوة الأشياء الجزء الأول / الطبعة الأولى : منشورات دار الآداب ,-بيروت ,1964.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير