كتاب - الجنس الثاني- ومقاربات دوبوفوار للمرأة كموضوع جنسي والقذارة الفرنسية

هاله ابوليل
2020 / 2 / 8

كتاب " الجنس الثاني" ومقاربات دوبوفوار للمرأة كموضوع جنسي والقذارة الفرنسية

لماذا يحتقر الجنس الأول الجنس الثاني المتمثل في المرأة وخصوصا الكاتبة منهن -تلك التي تفضح الممارسات الذكورية والتفوق الرجولي.
ولماذا يطلق الرجال النار على أي امرأة تحاول أن تكشف عن افكارهم الفكرية المهووسة أن المرأة ليست مجرد موضوع جنسي ,لأن ذلك يحطم استقرارهم الذكوري.
تشكو سيمون دوبوفوار ما لاقته من سوء معاملة وقذارة فرنسية عند ظهور كتابها "الجنس الثاني " لدرجة أنه تم نعتها بعدة صفات مثل؛ .مكبوتة ومحرومة جنسيا , شاذة جنسيا ,عصابية ومجنونة ومريضة , تعاني من الإذلال والحرمان وغيرها .وهذه النعوت لم تأت بلا اسباب ومن بينها :تقول ان الديانة الكاثوليكية لدى الشعوب اللاتينية , هي من شجعت طغيان الرجال بل لقد دفعته حتى السادية ,ولكن الطغيان ان كان يتحالف لدى الإيطاليين مع الفظاظة , ولدى الإسبان مع الغطرسة ,فإن القذارة محض فرنسية.:257.
لماذا؟

:" لأن الرجال في فرنسا ,هم قبل كل شيء ,يحسّون أن المرأة تنافسهم اقتصاديا , ولكي يحافظوا ضد النساء على توكيد تفوّق لاتضمنه الأخلاق ,فإن خير وسيلة هي في إذلالهنّ ".
وتتحدث عن ترسانة من أمثال سائرة وصور وحكايات ومفردات لغوية كثيرة تكرس الى رد النساء الى وظيفتهن كموضوع جنسي .
هذا التقليد الخلاعي يجعل الموقف النقدي للرجال ضد النساء المتحرّرات يجرح او يتعب رفاقهن الرجال اذ يبعث لديهم ذكريات مهينة . وتختم ان القذارة ,هي المجون الفرنسي القديم حين يتولاه ذكور حاقدون قابلون للانجراح :258
لقد بدت سيمون في مجلة تدعى " ليبرته دو لاسبري" حرية الفكر وهي تجلت ذات عداء لفكر سيمون وآرائها
فقد اصبحت فتاة مسكينة عصابية , مكبوتة , محرومة , مقطوعة الميراث ,مسترجلة ,لا تجد من يضاجعها ,حاسدة , متبرمة ,محشوة بعقد النقص ازاء الرجال والنساء , تتآكلها ذكرى الحرمان لدرجة ان "جان غيتون " وجد بقراءة الجنس الثاني ما كشف عن حياة سيمون الحزينة ,رغم إنها لم تكن حزينة ,ولكن يبدو ان للرجال طرق حساسة للكشف عن حزن النساء لدرجة أن يعوّلن حرية المرأة الى الحرمان أو المجون أو كلاهما وقد تسمع تحاليل نفسية لفرويد , إنها قد تكون قد اغتصبت وهي صغيرة, لذلك فهي تكره مجتمع الرجال أو لأنها تعاني من الإذلال لكونها لم تخلق رجلا !.
أن التبصر كما تقول سيمون لا يصنع السعادة ولكنه يسهلّها ويمنح الشجاعة :264. فتهمة الإذلال التي لاحقت دوبو فوار , كونها ليست على قدم المساواة مع الرجال ,وقد عزت كل تلك العُقد لموضوع التفوق الذكوري البائسة التي شكلتها ممارسات وتقاليد وتراث سنوات طويلة من القمع الذكوري للمرآة والنظر لها كموضوع جنسي لا غير وليس له روح واحقية منافستهم بذلك بمعنى إلغاء فكر المرأة ووجودها ككائن مساوي لهم وإن مطالبة المرآة أن تقف على قدمي المساواة كان يغيضهم .أو بالأحرى أن التكشف الذي اظهره كتابها بخصوص موضوع الإرث ,فقد ربطت سيمون تاريخ المرأة بتاريخ الإرث كرد فعل للتطور الاقتصادي في عالم الرجل ,وقد عزت الاختلافات بين الجنسين الى اختلافات ثقافية وليست طبيعية كما كانوا يرغبون وفي الدين الإسلامي ما يؤكد تلك النظرة المعاصرة ففي آية النساء
(" الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَٰى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ....)فالرجال قوامون على النساء بما انفقوا " تظهر أن تفوّق الرجال هو تفوّق اقتصادي فقط ,فالقوامة تنتفي في حال استنكف الرجل عن تقديم الانفاق , بمعنى أن حصول المرأة على العمل ومكاسبها وحريتها في الإنفاق على نفسها قد لا تجعل للرجل عليها أي قوامة ولا نفوذ إلا بما تفضله هي منهم على غيره من الرجال في العلم أو الثقافة أو أشياء قد تجدها قريبة منها غير مسالة الإنفاق والكرم .

أن هذه النظرة الاستعلائية الذكورية التي يرشقها عليها رجال لا يملكون سوى كلمة في الهوية ,انهم ذكور , تعاني منها جميع النساء الكاتبات وغير الكاتبات , وذلك النقص مرجعه الى تربية المرآة نفسها في مجتمعاتنا حيث تنقل ذلك التفوق الى اولادها من حيث لا تنتبه في تكريس محتوى تفوّقي و حياتي لا يتغيّر, فتخيّل ان فتاة في العشرين تستعين باخيها الذكر الذي لم يحتلم بعد ,في عودتها مساء لكي لا توصف بامرأة سيئة السمعة.
مجرد طفل ذكر , قد ينجيك من سمعة سوء السمعة , من مجتمعات تقتات على الإشاعة للحصول على معلوماتها مجتمعات نصفها الأول مشبع برائحة كريهة للتفوق الذكوري بسبب الجندرية.

لوحقت سيمون دوبو فوار بسوء السمعة ووصلتها رسائل تهديد وهجو وتوبيخ ومواعظ ونصح , فقد كانت توصف للمعتدلين إنها جريئة في حين وصمها الآخرون المعتلين بالذكورة الساحقة , بأنها مكبوتة وباردة ومتوترة وحتى وصفت بأنها شاذة جنسيا ,ومجهضة مئة مرة بل وكانت فوق ذلك أمّا تخفي أمومتها , بل أن البعض عرض عليها أن يشفوها من برودتها ويشبعوا نهمها الغولي بكلمات قذرة جعلتها تنعت المجتمع الفرنسي بصفة القذارة .
وهي صادقة بذلك وقد احالتني ما وصفت به من نعوت سلبية الى حالة نوال السعداوي الكاتبة المصرية و مالاقته من شتائم وقدح طيلة حياتها من سرد افكارها وآرائها حول ذلك القمع االذكوري . ولكن ما يميز دوبوفوار عن السعداوي أن كتابها كان موضوعيا مجردا من الصراخ , فلم يكن كتابها مجرد صرخة غاضبة وثورة روح جريحة لكانوا قد تقبلوها في تلذذ منفعل ,ولكنهم لم يغفروا لسيمون موضوعيتها , فتظاهروا بانهم لا يصدّقونها :260.
فالمرأة العربية المطالبة بحريتها تعامل كأنها كائن جريح , فقد تثير الأسى و الشفقة لدى البعض ممن يوصف بالاعتدال الفكري أو قد تنال التحقير والإزدراء في اغلب الأحوال.

في فصل الأمومة في كتاب الجنس الثاني نجد أن الفرنسيين كما العرب يقرون حقوقا عدمية مثل أن عاب عليها البعض احقية التحدث عن النساء لكونها لم تنجب اولادا ! وهذا غريب , وعندما تكلمت عن الإجهاض حولوها الى سمسارة , ممهتنة لتلك الوظيفة ,لدرجة إنهم كانوا يريدون عناوين لقابلات يتولّين الاجهاض ,وهذا يبدو عالما كان يبحث عن حريته من كتب مؤلفته حيث يساء فهمه حيث ينبغي أن لا يفهم بتلك الصورة مادام الواقع الذي لم ولن يتغيّر بعد . فقوانين الإجهاض التي قد تسمح او قد ترفض ,قد تحطم حيوات كثيرة لنساء , مغيبات العقل أو التفكير أو لإلغاء بذرة الخوف من كشف امرهن وبالتالي الترويج للدعارة , فكيف على كاتبة أن تحقق توازن القانون مع المصلحة الشخصية بدون أن يتفتت المجتمع حولها ويتحول الى مجتمع منزوع الأخلاق والفضيلة !
وهذه إشكالية أن تقدم الطروح بقلم امرأة تشكو سوء معاملتها وتطالب بحقوقها !
فالأمومة مثلا ليست دور نسوي مستحق من ادوار التمثيل المجتمعي , بل هو مشوار حياة طويلة تتعلق به مسؤوليات وواجبات ,فكيف نسمح لفتاة مراهقة أن تصبح أما ل مجرد أن ابن الجيران قد اغتصبها وهي صغيرة !وقوانين تمنع اجهاضها بسبب معتقدات متأصلة في المجتمع ترفض ذلك .
بمعنى كيف يستوى ان طفلة تربي طفلة اخرى , فهل تستقيم التربية والحياة لكلاهما !ولكن من يتحدث عن هذه الأمور غير النساء !فلماذا ؟
فهل علينا أن نستجدي اقلاما ذكورية تشرع وتحرم موضوع الإجهاض بدون تبعات مدمرة للمجتمع بدون أن يلاحق بتهمات مسبقة بالانحلال الأخلاقي كما تلاحق النساء من تهمات غير شريفة تنال سمعتهن واخلاقهن .
في ذلك العصر وفي كل العصور تتعرض المرأة الكاتبة لألوان من التنمر الرجولي عندما تفضح الممارسات الذكورية المهينة فالمرأة ليست موضوعا جنسيا إنها حياة قائمة بحد ذاتها وهي احساس ومشاعر وقوة وعاطفة وصلابة وسكون وثورة وعالم لا يمكن أن تفهمه عقول رجال تطرح كل ذلك الفكر كما يطرحون ملابسهن عند ملاءات سرير شفافة .
اي قوة تملكها النساء الآن لا تعترف بها خيالات مهزوزة لرجال يظنون إنهم اذلوها حين غمروها بجثتهم القميئة .





المرجع

* دوبوفوار,سيمون .قوة الأشياء الجزء الأول / الطبعة الأولى , 1964 : منشورات دار الآداب ,-بيروت.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير