بَلَادَتُنَا المُشتركة

عبد الرحمان النوضة
2020 / 2 / 6

لماذا لا نتكلّم عن بَلَادَتُنَا المشتركة في ميدان «التنمية»؟
وَلَوْ أن دولتنا تُخفي عنّا هذه الإِحْصَائيات المُخِيفة، يَكْفِي أن تنظروا إلى كثرة العَائلات الموجودة في مُحِيطِكُم المُجتمعي، والتي تُـنْـفِـقُ بلا حساب، خلال عشرات السِّنِين، لِتَوْفِير أحسن تكوين علمي مُمكن لِأَبْـنَائِهَا. ثم تُرْسِلُهُم إلى بلدان الخارج الإِمبريالية.
يجب أن نعترف جميعًا، أنه، مِن بَين عَلَامات بَلَادَتِـنَا المُشتركة، في المغرب والجزائر وتونس ومصر وسوريا والعراق ولبنان، أن أغلبية الأُطُر الجَامِعِيَة التي نُكَوِّنها بِصُعُوبة في كلّ سنة، في مَيَادِين العُلوم، نُعْطِيهَا بِالمَجَّان إلى فرنسا، وألمانيا، وكندا، وأمريكا، وإِنْجَلْتْرَا. ثمّ تَشْتَـغِل هذه الأُطُر، وتَتَزَوَّج، وتَـتَـجَـنَّـس، في بلدان الخارج. أي أن البلدان المتخلّفة تُعطي بالمجّان الأطر العِلْمِيَة للدول القوية الإمبريالية. وبالمقابل، لا تُعطي الدول القوية إلى الشعوب الضعيفة سوى الاحتقار، والسيطرة، والنهب، والاستغلال.
هل تعلم أن دولًا مثل كَنَدَا، وأمريكا، وفرنسا، وألمانيا، وإنجلترا، تطبّق خُطّة مدروسة بِدِقَّة، بهدف جلب الكَوَادِر والعُـقُول الجَيِّدة إليها. وتَـقَبَل هذه الدول الإمبريالية، وتَستهوي، وتَسْتَـقْطِب، الأُطُرَ الوَافِدَة عليها، وكذلك الكَوَادِرَ، والعلماء، والخبراء، بِعشرات الآلاف في كلّ عَام؛ وفي نفس الوقت، تَرفََضُ وتطرد المهاجرين، ذوي تكوين جامعي ضعيف، كأنّهم "كِلَاب ضَالَّة" ؟
وبعد ذلك، نُفَسِّر ضُعفَ بلداننا بِكَونها لَا تَـتوفّر على ما يكفي من الأطر العِلمية الكُفْأَة. ونَسْتَوْرِدُ مُجمل مَا نَحْتَاجُه من الخارج. ونستهلك أكثر مِمَّا نُنْتِج. ولَا نَتَوَقَّـفُ عن الاِسْتِدَانَة من المُؤَسَّـسَات المالية التابعة للدول الإمبريالية. وهكذا نَقُوم بِـ «التنمية المُسْتَدَامَة» لِـتَخَلُّـفِـنَا، ولِانْحِطَاطِنَا، داخل أوطاننا !
طبعًا، كل عائلة معنية تقول لنا: «نحن لدينا أسباب، ومبرّرات، وإِكْرَاهَات، وأَعْذَار... نحن مُكرهُون...»، إلى آخره. لكن التفكير الضَيِّق، أو المَصْلَحِي، على مستوى العائلة المََحْدُودة، لَا يرقى إلى أن يكون مَقْبُولًا على مستوى التفكير الشُمُولي، أو على مستوى الوطن الكبير. وما هو في مصلحة العائلة الصغيرة، ليس بالضرورة في مصلحة المُجتمع، أو الوطن الشَّامِل. والمنطق الذي تشتغل به العائلة، ليس بالضرورة منطقًا سليمًا لكي يشتغل به الوطن. والاستراتيجية الفردية الانتهازية، لَا تصلح لكي تكون استراتيجية عقلانية على مستوى المُجتمع أو الوطن.
وبعض الاقتصاديين المَشْرِيِّين يُدافعون على «إِيجابية هروب الأدمغة المُتَـفَوِّقة». وهم لا يفهمون أن «هروب الأدمغة» يُؤدِّي حتمًا إلى تقلّص الاستثمارات، وإلى نُـقْصَان المبادرات الاقتصادية، وإلى تَـفَاقُم البطالة، وإلى تَصَاعُد الديون الخارجية، وإلى تَعَْمِيق التَخَلُّف الشُمُولي لكل المُجتمع المعني. وهكذا تضيع استثمارات الدولة في تكوين الأطر العُليا. ويتحوّل تَراكم نفقات الدولة في ميدان التعليم والتكوين إلى عجز ضخم. ودولنا الانتهازية لا تُفكّر سوى في «الأموال بالعُمُلَات الصَّعْبَة» التي يُرتَـقَبُ أن يَـَبعثها هؤلاء المواطنين المُشتغلين في الخارج.
والحقيقة المُرّة في مجال «تَصْدِير الأدمغة المُتَـفَوِّقَة»، هي أن دُولنا، وحُكُوماتنا، وبرلمانيِّـيـنَا، وأحزابنا، وجمعياتنا، وعائلاتنا المَيْسُورة، هي طبعًا شَرِيكَة في هذه السَرِقَة المَوْصُوفَة، ومُتَوَرِّطَة في هذه البَلَادَة المُشتركة، التي تَدُوم منذ عشرات السِنِين. ولا يَعْلَم أحدٌ مَتَى سَـيَـتَـوَقَّف هذا النَزيف، ومتى سَتنتهي هذه البَلَادَة المُشتركة. ويمكن أن تُلاحظوا بأنفسكم، أن بُلدان العالم القَلِيلة التي اِسْتَطَاعت الخُروج نِسبيًّا من تخلّفها، مثل رُوسْيَا، وكُورْيَا، والصّين، والهِنْد، وإيران، إلى آخره، كلّها تُكَوّن أُطُرَهَا العِلْمِيَة بِسَخَاء كبير، ولا تسمح لهم بالهجرة الدائمة.
(رحمان النوضة، الأحد 2 فبراير 2020).

حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي