المسيحية والصوفية : تحليل ونقد .

منسى موريس
2020 / 2 / 6

بعض الكُتاب والمُفكرين المسيحيين يحاولون إثبات أن التصوف له وجود رئيس وأصيل فى المسيحية وأن التصوف يُعبر عن الحالة الروحية للنفس البشرية حين تتقابل مع الإله والكثير من هؤلاء يُضفى على الأباء الأوائل مسحة من الصوفية ولم يقف الأمر عند أباء الكنيسة بل وصل إلى الأنبياء , وكأن الصوفية أصبحت هى طريق المختارين والرسل والأنبياء والأولياء والقديسين أو هى الطريق إلى الله ومن لم يسلك هذا الطريق مازال لا يعرف ولم يختبر المُطلق وللأسف البعض من هؤلاء يأخذون موقفاً سلبياً من منتقديهم حيث يتهمونهم بالتعصب والإنغلاق وكأنهم لايعرفون أن التسامح الحقيقى يظهر فى الإختلاف لا فى الإتفاق فليس بالضرورة أن أتفق مع وجهة نظرك كى أكون غير متعصب بل التعصب الحقيقى هو إتهام كل من ينتقدنا بالتعصب .

ولكن هل فعلاً تتفق المسيحية مع الصوفية ؟ سأُقدم أربعة براهين عقلية تُثبت بطلان الرأى القائل بأن الصوفية أصيلة فى المسيحية وعلى المؤمنين بالتصوف المسيحي أن يقدموا إجابات شافية ومُقنعة على هذه البراهين و الإشكالات التى سأطرحها فى تضاعيف هذا المقال.

البرهان الأول : إشكال تاريخ كلمة صوفى : ظهرت كلمة صوفى فى التاريخ فى النصف الثانى من القرن الثامن إذ نعت بها جابر بن حيان كما جاء فى كتاب " التصوف لماسينيون ومصطفى عبد الرازق" (1)
وهو مُصطلح ومذهب إسلامى مُقيد بالقرآن والسنة فمن يخرج عن العقائد الإسلامية لايمكن أن يكون صوفياً فمثلاً يقول " القشيرى " فى بيان إعتقاد أهل الصوفيه فى التوحيد : إعلموا رحمكم الله أن شيوخ هذه الطائفة بنوا قواعد أمرهم على أصول صحيحة فى التوحيد صانوا بها عقائدهم عن البدع ودانوا بما وجدوا عليه السلف وأهل السنة (2) وهذا سوف يتناقض مع المتصوفة القائلين "بوحدة الأديان " أمثال " ابن عربى" "وابن الفارض " وسوف أتطرق إلى هذا فى عرضى للبرهان الرابع مما يثبت تناقضات الفكر الصوفى , ونطرح بعض الأسئلة على الذين يؤمنون بالتصوف المسيحي كيف يكون الأباء الأوائل والأنبياء صوفيون ولم يظهر هذا المُصطلح إلا بعدهم بمئات السنين ؟ ولماذا لم يستخدموه ؟ وإذا كان جوهر التصوف هو الإلتزام بالإعتقاد الإسلامى فكيف نأخذ المذهب ثم نفرغه من جوهرة الدينى ونحل محلة جوهر دينى آخرمختلف وبعد ذلك ننسب أنفسنا له ؟ من الممكن أن يرد أحدهم ويقول أن التصوف كان موجوداً قديماً كتجربة وكحالة روحية ولكن ظهوره كمُصطلح فهو حديث وهنا نطرح البرهان الثانى والإشكال الثانى .

البرهان الثانى : إشكال تعريف التصوف ومن هو الصوفي ؟ عندما نتسائل عن ماهية التصوف سنجد تعريفات مختلفة وكثيرة وغير مترابطة مع بعضها البعض وبسبب عدم تناسقها وإتساقها سيجعلنا لانجد أى قاعدة يمكن من خلالها تصنيف وتحديد من هو الصوفى وهذا رد على الإجابة التى تقول أن المُصطلح حديث لكن التصوف كتجربة فهو قديم .
عن تعريف الصوفية يقول " رينولد نيكلسون فى كتابة الصوفية فى الإسلام " : وإشتقاقها حتى الآن لايزال موضع خلاف فأكثر الصوفية يشتقونها غير عابثين بقواعد التصريف والإشتقاق من الصفاء ومعنى هذا أن يكون الصوفى هو الصافى القلب أو هو المصطفى وبعض الباحثين الأوربيين يردها إلى الكلمة الأغريقية سوفوس بمعنى ثيوصوفى ولكن نولدكه بين فى يقين, فى مقال نشر سنة 1894 أن الكلمة مشتقة من الصوف ( 3 )

وبعد أن إستطرد " أبو العلا عفيفى فى تناول تعريف التصوف كتب يقول فى كتابه التصوف الثورة الروحية فى الإسلام " : ولم نحاول كما يتوقع بعض القراء أن نضع تصنيفاً للتعريفات التى اقتبسناها على أساس من الأسس , لأنها لا تخضع لمثل هذا التصنيف لصدورها عن قوم أصحاب أحوال لا أصحاب أقوال علمية وفلسفية وقد يكون للصوفى الواحد أكثر من تعريف للتصوف (4)

وهذا يؤكد ما أقوله مادام لايوجد تعريف محدد أو قاعدة علمية ثابتة فلن نستطيع أن نحكم على من هو صوفى أو غير صوفى فربما يكون شخص ما بالنسبة لجماعة من البشر صوفى وبالنسبة لآخرين غير متصوفاً وهذا إشكال كبير بالنسبة للمؤمنين بالتصوف .

فمثلاً نجد الفيلسوف الفرنسى " هنرى برجسون " لايعتبر أنبياء العهد القديم صوفيون كما يقول الأخوه المسيحيون المؤمنين بالتصوف ؟ الذين يعتبرون أيوب وسليمان وأنبياء العهد القديم كانوا صوفيين ؟ وكتب يقول فى كتابه منبعا الأخلاق والدين : ولهذا السبب لانحشر أنبياء إسرائيل فى زمرة المتصوفين فى العصر القديم , فقد كان يهوه قاسياً كل القسوه ولم يكن بين إسرائيل والهه من الود ما يجعل من اليهودية هذه الصوفيه على نحو ما نفهمها (5)
فما رد هؤلاء المؤمنين بالتصوف المسيحيى على
" برجسون " ؟
فالمؤمنين بالتصوف ليس لديهم معيار محدد لمن هو المتصوف فكيف يدعون أن التصوف موجود عند الأباء والأنبياء؟ وإذا قالوا أنه مجرد حالة روحية باطنية سنورد عليهم البرهان الثالث والإشكال الثالث "

البرهان الثالث : إشكال تعدد صور الإله وتناقضها : إذا إعتبرنا أن التصوف صادق من الناحية الروحية وأن المتصوفة من جميع الأديان والمذاهب خاضوا تجربة حقيقية مع المُطلق فالنتيجة ستكون كارثية لأن كل مذهب وكل معتقد اختبر صورة عن الإله مختلفة بالكلية عن الآخر
فمثلاً لو إعتبرنا أن تجربة الشيخ الأكبر " محي الدين ابن عربى " صاحب الفتوحات المكية " تجربة صادقة سنجد أن تجربتة الصوفية قادتة للإيمان بمذهب " وحدة الوجود "
وهذا المذهب لايفصل بين الله والطبيعة لكن يوحد بينهما وهو مذهب قديم وكان بعض الهنود يؤمنون به .

ويقول " إبراهيم مدكور" فى كتابه فى الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه : ويظهر أن ابن عربى كان يتردد بين فكرتين فكره إله وحدة الوجود اللانهائى المُطلق , وفكرة إله الكتاب والسنة الذى عُنى الأشاعرة بشرح صفاته وتحديدها , ولكن غلبت عليه الفكرة الأولى (6)

و نجد أن الفيلسوف الهولندى " باروخ سبينوزا " يؤمن أيضاً أن الإله والطبيعة لاينفصلان و الله هو الوجود ولايوجد تمايز بينهم وقال : " وكذلك لا أستطيع أن أفصل الإله عن الطبيعة على الإطلاق (7) "

ومذهب وحدة الوجود فى جوهرة يجعل من الإله كائناً شريراً لأنه يفترض أن الله هو كل شىء فحتى أفعالك وكل الشرور التى تنتج عنك فهى ليست نابعة منك أنت بل من الله لانه لاوجود إلا لله فالله هو مجموع المتناقضات فكيف يحدثونا عن الحب الإلهى والوجد الصوفى مع إله شرير ؟

وهنا أتذكر تعليق الفيلسوف العقلى " يوسف كرم " فى كتابة الطبيعة ومابعد الطبيعة على مذهب وحده الوجود كتب يقول : أشنع المذاهب فى حق الله ، أشنع من الإلحاد الصرف لأن الإنكار البات لوجود الله أهون من تشويه حقيقته ، والإهانة فيه أخف وهو أشد المذاهب خطراً على الأخلاق والدين يلح انصاره فى الإيمان بالله وما الله عندهم سوى لفظ أجوف يطلقونة على جملة العالم أو على روح غير معين وفى الحالين على شئ خلو من الشخصية ، يصطنعون التصوف وما تصوفهم إلا غرور يلتمسون من سبيله لذه نفسانية (8)


بوذا يعتبرونه صوفياً حقيقياً و يعتبرون أن البوذية بها عرفاء ومتصوفة برغم أن بوذا كان لايهتم بفكرة وجود الله من الأصل؟!!!
ولو طرحنا على "بوذا" هذا السؤال هل يوجد إله يقول : تلك أسئلة لاتنير (9) فمسألة وجود الله من عدمه غير مهمة بالنسبة لفلسفة بوذا فهل المؤمنين بالتصوف يتفقون على ما وصل إليه بوذا ؟
زد على ذلك أن التصور المسيحيى عن الله يختلف تماماً عن التصور الإسلامى حتى أن بعض المتصوفة المسلمين يُنكرون كون الرهبنة حركة صوفية بل بدعة .
وأيضاً تصور كل مذهب ودين عن الحياة الآخرة يختلف تماماً عن الآخر وهنا أطرح سوالاً على المؤمنين بالتصوف كيف كل هؤلاء اختبروا الله وخاضوا تجربة روحية معه وخرجوا بتصورات مختلفة عنه .
هل الإله ضللهم؟ أم أن التصوف هو الذى ضللهم؟ إذا كان الإله هو من ضللهم فستسقط كل مقولات الصوفية التى تصف وتُعبر عن الحب الإلهى وهذا الإله لا يجب أن ندخل فى علاقة حب معه كونه مُضلل ولو كان التصوف هو الذى ضللهم فسيسقط المذهب بالكلية فالمؤمنين بالتصوف المسيحى أمام إشكالية كبيرة عليهم حلها بكل صدق .

البرهان الرابع : إشكالية التصوف والوحى ووحدة الأديان .
كل معتقد دينى يقر بأنه هو الصواب ويتضمن الصورة الحقيقية عن الله لكن المؤمنين بالتصوف المسيحى يعتقدون أن الإله يتجاوز النص ويُخاطب الإنسان بحسب معتقده حتى لو هذا المعتقد خاطىء .
فمثلاً نجد " جوزيبى سكاتولين يقول فى كتابة تأملات فى التصوف والحوار الدينى : نور المسيح موجود حقاً فى كل إنسان بل فى كل خليقة بلا شك وبالتالي فالأنوار التى أجدها فى شتى الأديان وتقاليدها هى أنوار حقيقية وليست ظلمة (10)
ويقول "عمارعلى حسن " فى تقديمه لكتاب " سكاتولين " : عن الحالة الصوفية : تتوحدعند القديسين والأولياء وغيرهم من المنشغلين بالوصول إلى الحقيقة السرمدية , بعد أن ينبو عن الأختلافات الفقهية واللأهوتية المشبعة بالتفاصيل والإجراءات والطقوس التى فرقت بين أديان سماوية أصلها واحد ومنبعها وحيد (11)
فهل المؤمنين بالتصوف المسيحى يعتقدون أن الأديان مصدرها واحد ومنبعها وحيد؟ أليس هذا ضد فكرة المسيحية بشكل كامل؟ وهذا يقودنا لفكرة "وحدة الأديان"؟ وحدة الأديان هى فكرة فحواها أن كل الأديان تدعو لنفس الحقائق وهدفها وموضوعها واحد ويقول " سكاتولين " : أن وحدة الأديان موضوعاً ذات مركزية بالغة فى التأمل الصوفى , كما هو موجود فى فلسفة ابن عربى الصوفية الذى صرح بتعبيراتة الشهيرة والقريبة جداً من تعبيرات ابن الفارض عن وحدة الأديان (12)
لقد صار قلبى قابلاً كل صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف والواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبة فالحب دينى وإيمانى

والآن ننتقد هذه الفكرة ونستشكل عليها من عدة وجوه .
أولاً : وهنا أطرح بعض الأسئلة إذا كانت جميع الأديان تحتوى على نور المسيح فلماذا تتناقض مع بعضها البعض حول صفات الإله ألم يستطع النور الإلهى أن يوحد بين هذه الإختلافات ويرشد البشر للنور الحقيقى وصورة واحدة عن الإله؟
ثانياً : إذا كانت فكرة " وحدة الأديان " صحيحة فإنها تُبطل نفسها بنفسها لأن صورة الإله متتعددة بل ومتناقضة بين الأديان وكل دين يعتبر نفسة هو الوحيد والصحيح فكون وحدة الأديان تجمع بين الصور المختلفة والمتناقضة عن الإله هذا يجعلها " وحدة المتناقضات " وكل ماهو متناقض غير صحيح من الناحية العقلية .
ثالثاً : إذا كانت " وحدة الأديان " فكرة صحيحة فأنها ستُبطل نفسها بنفسها من وجة آخر بما أن كل دين عبارة عن تصور معين عن الإله والحياة الآخرة و له نموذج أخلاقى معين يختلف عن غيرة من باقى الأديان فهذا يثبت أن مصادر الأديان ومنابعها مختلفة تماماً وليست من منبع وحيد فكيف يكون الوصول لتصور إلهى واحد من خلال صور متناقضة ومختلفة ؟ .
رابعاً : " وحدة الأديان " تضع إله الصوفية فى مأزق كبير لايمكن الخروج منه إذا كان كل دين يرى نفسة أن هو الطريق الوحيد إلى الله و نجد أصحاب مذهب "وحدة الأديان " يقولون أن كل الطرق تؤدى إلية فهذا تكذيب لكل الأديان وكيف يصلون إلى الحقيقة من خلال طرق كاذبة؟ أليس الطريق الكاذب يقودنا لنتيجة كاذبة أيضاً.
خامساً : إذا كان مذهب "وحدة الأديان " صحيح من الناحية المنطقية لماذا مثلاً فى المسيحية يتجسد الله فى المسيح ؟ كان يكتفى فقط باليهودية وأنبياء العهد القديم ولماذا يظهر لشخص مثل " بولس " وعندما صار " بولس" مسيحياً أصبح يبشر بالمسيحية وأنتقل من اليهودية إلى المسيحية وضحى بحياتة فى سبيل هذا المعتقد الجديد كان من المُفترض حسب مذهب وحدة الأديان أن يقول " المسيح لبولس " ابقى يهودياً وكفى؟ لماذا تُعرض حياتك للهلاك والإضطهاد مادامت كل الطرق تؤدى الى الله؟ ونورى موجود فى شتى الأديان ! وقيس على هذا كل من آمن بالمسيحية حتى يومنا , أليس هذا يُثبت أن منطق مذهب " وحدة الأديان " يتناقض مع مبادىء المسيحية؟ فكيف يأخذ أصحاب مذهب وحدة الأديان من المسيحية التى تتناقض مع مبادئهم وسيلة للوصول إلى الله؟

أخيراً : القائلين بهذه الفكرة يعتقدون أنها هى الحل لكل الإختلافات الدينية التى تبث روح التعصب فى نفوس المؤمنين ولكن هل وحدة الأديان تحقق هذا الهدف ؟ بالطبع لا لأن البشرية كلها ليست مؤمنة بل فيها المُلحدون واللأأدريون والربوبيون الذين يرفضون كل الأديان فلو كان التسامح يتطلب الإيمان بما يؤمن به الآخر فهل يجب علينا أن نكون مُلحدون أو ربوبيون؟ وإذا إعتقدنا فى صحة مذهب وحدة الأديان سيكون هو أيضاً مذهب ودين واحد أيضاً وستظل المشكلة موجودة , وأخيراً الإيمان بمعتقد معين يُعلم الناس الحب لن يجعلهم متعصبون لكن يختلفون مع الآخر لكن بكل حب فإختلاف الأفكار لاينتج بالضرورة التعصب .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع والمصادر :
1- التصوف : ماسينيون ومصطفى عبد الرزاق ص26 دار الكتاب اللبنانى طبعة 1984
2- الرسالة القشيرية ص3
3- الصوفية فى الإسلام : نيكلسون ص11 مكنبة الخانجى بالقاهرة الطبعة الثانية 2002
4- التصوف الثورة الروحية فى الإسلام : أبو العلا عفيفى ص42 مكتبة الأسرة 2013
5- منبعا الأخلاق والدين : هنرى برجسون ص204 مكتبة الأسرة 2010
6- فى الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقة الجزء الثانى : إبراهيم مدكور ص73 مكتبة الأسرة 2019
7- الله فى الفلسفة الحديثة : جيمس كولنز ص110 دار قباء 1998
8- الطبيعة وما بعد الطبيعة : يوسف كرم ص 202 دار الحياة 2017
9- تاريخ الشك : جينفير مايكل هيكت ص 203 المركز القومى للترجمة طبعة أولى .
10- تأملات فى التصوف والحوار الدينى : جوزيبى سكاتولين ص178الهيئة العامة المصرية للكتاب
11- نفس المرجع ص 18
12- نفس المرجع ص 444