اللُّب

محمد ليلو كريم
2020 / 2 / 5

فنبض قلوب الطيبين محبة
ونبض قلوب الحاقدين سهام
زياد المنيفي
. . . .
لُب التعقيد الذي يطوح بألباب وآراء الناس ويفرقها الى طرائق قددا في شأن السيد مقتدى الصدر وكتلته الجماهيرية ، وكتلته السياسية ، أن أهل العقد والرأي من رجال الدين والسياسة والمجتمع لا يصارحون الرأي العام ويتحدثون له بالتفاصيل والوثائق التي تخص هذا الشأن ، وليس للمواطنين البسطاء ، وهم الأغلبية ، اكتشاف ومسك الحقائق التي يلفها كل الغموض والتمويه في دهاليز السياسة ، ولهذا تُراوح الآراء في دوامات المزاج والعاطفة والتقدير الشخصي الشعبوي ، والمزاج والعاطفة لا تُعتبر وثائق أو أدلة ، ولا تؤدي الى الإمساك بأدلة تكشف صلاح أو فساد في العمل الحكومي للجهة المعنية ورمزها ، ولهذا تبوء آراء عامة الناس بفشل التشخيص التفصيلي الموثق ، ومادام عليّة القوم يتجنبون المصارحة التفصيلية التامة مع الناس بخصوص السيد مقتدى وحزبه وفصيله المسلح فأن حتى ما يتسرب من وثائق وأدلة تدين السيد واتباعه ستتلاشى ويخف وقعها لعدم أدراجها بفتوى رسمية من المرجع الأعلى تُفصّل في التجاوزات والتعدي والحدود وتبّت في الحكم النهائي لكي لا يكون للناس على الله من حجة (( ﻟِﺌَﻠَّﺎ ﻳَﻜُﻮﻥَ ﻟِﻠﻨَّﺎﺱِ ﻋَﻠَﻰ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﺣُﺠَّﺔٌ ﺑَﻌْﺪَ ﺍﻟﺮُّﺳُﻞِ )) فالقول الصريح والتبيان والتوضيح يعصم الناس من الخوض في الشُبهات وإعمال اللسان فيما هو غامض أو غير واضح واللقاء التُهم دون بينة ودليل فتكثر الأقاويل وتلتبس الحقائق بالأكاذيب وتتوه الأذهان بدوامات من الإحكام الظنية والأهواء وتتحول الدوامات الى ثقافة سائدة يستمرئها الناس ولا يجدون ضيرًا في تداول زبدها وأدرانها بعد تصيرّها متنفس للعقل الجمعي فيرث الابناء نمط هذه الثقافة من الآباء وهذا ما يوقع أهل العقد والرأي أولي أمر الطائفة بالتقصير إذ أحجموا وتمنعوا عن القول الفصل في سعار الشبهات وتيه الآراء وضياع حقوق الناس فتتراكم الأجيال وتتراكم الشبهات ويذهب ولي أمر الناس عن الدنيا ولمّا يكشف ويشخص ويُفصّل ويصدر الأحكام الشرعية (( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا )) .
هل السيد مقتدى الصدر مُصلح أم مُفسِد ؟.
لا يمكن الحكم في هذه المسألة لسبب بسيط وهو أن السيد مقتدى الصدر حاكم شرعي لمساحة واسعة من شيعة العراق ويرقى الى مصاف المقدسين بحسب رأي ومعتقد هؤلاء الشيعة فكيف نحكم على حاكم ، لاسيما وأن حاكميته تفوق حاكمية القوانين والدستور للدولة ، وهنا يتبين أن إصدار حكم ( أيً كان نوع الحكم ) من قِبل جهة أو شخص لا حاكمية له بين الناس لن يؤخذ به ، فتحقق الوجود الاعتباري لحاكمية طرف تُثبط من أحكام الطرف الذي لا يُمثل أي حاكمية ، والنص الدستوري القائل ( الشعب مصدر السلطات ) لا قيمة له قِبال القيمة الدينية ، القُدسية ، ومن ثم الحمائية الولائية ، وسواء أكان السيد مقتدى فقيهًا مجتهدًا أم لا فأن انتسابه لبيت الصدر جعل منه مرجعية لها ثقلها ، وبحيازة ولاء ، أو تقديس كتلة بشرية كبيرة لشخص السيد مقتدى تحقق الحضور المرجعي في الواقع إذ لم يعد للرأي العلمائي من قيمة قِبال رأي عامة المتشيعة .
هل السيد مقتدى أعلى من السيد السيستاني في مقام المرجعية ؟
الحقيقة أنا أفضّل استبدال كلمة ( مقام ) بكلمة ( منصب ) لأن للثانية معنى أكثر قوة في الدلالة السياسية والرئاسة السياسية ، ونحن ومنذ ١٩٧٩ تعرفنا على حكومة ( ولاية الفقيه ) والتي قامت في ايران كسلطة عليا تسوس البلاد من مكانة أعلى من السياسة والسلطة السياسية وسيادة الدولة فكان منصب ( الإمام ) حيازة للسيد الخميني ، وبتأييد الملايين من شعب ايران وتشكيل جيوش ضاربة من الحرس الثوري وفيلق القدس وغيرهما صار السيد الخميني هو الإمام الأعلى للدولة بسلطاتها وسيادتها ومؤوسساتها وعلاقاتها الخارجية ونمط الثقافة العامة للمواطنين ، فالولي الفقيه يتواصل بعلاقة ذات مسار واحد مع الدولة والشعب ، أي انه لا يخضع للدولة وسلطاتها ودستورها وقوانينها ورأي الشعب بينما هو يُخضع كل هذا لرأيه وسلطته ، وكذلك نجد الحال في طريقة بلورة العلاقة بين السيد مقتدى الصدر والدولة ، وهو قد حاز اولًا على ولاية مطلقة على اتباعه ، وبدورهم حاز اتباعه سطوة على الشارع .
لم تتمكن جهة من ازاحة صدام حسين - الحاكم إلا من تفوق عليه قوة وحاكمية فكانت أمريكا هي المُزيحة ، ولو أسقطنا هذا المثال على الواقع المحلي فليس من جهة محلية شيعية تفوق السيد مقتدى الصدر قوة وحاكمية ، وبالتالي فليس من جهة شيعية عراقية ستتمكن من مساءلة السيد مقتدى أو اصدار حكم شرعي أو قانوني بحقه ، وحتى على مستوى وقوة السيد واثق البطاط قائد جيش المختار والموال لولاية الفقيه موالاةً مطلقة لم يتمكن من الإنتقال من تخوين وتجريم السيد مقتدى علنًا الى تفعيل هذا التجريم اجرائيًا ، بل أن نفس السيد المختار تعرّض للمضايقة والمداهمة والإستبعاد عن المشهد الشيعي العراقي وظل السيد مقتدى سيدًا للمشهد ومتحكمًا به .
من يجعل من الرمز رمزًا هم الناس ، وكذلك الرموز ، فهناك تجمع لرموز أو مقدسين أو قادة يبرز بينهم من يعلوهم وهم مؤيدين لعلوه ، كما الحال قديمًا في عنوان كبير الآلهة ، أو كبير الكهنة ، وكبير الأنبياء أو سيدهم ، وما يعنينا كمواطنين في هذا الشأن وجود هكذا تقديس وعلو في مساحة الدولة ككيان سياسي مؤوسسي ، ففرض المُقدَس المتعال في مؤوسسة الدولة يعني وضع جزء من مؤوسسة الدولة في منطقة محرمة لا تخضع للنقد والتصويب والقانون ، وسيخشى المواطنون التقرب منها أو الإحتكاك بها ، وهي خشية المؤمن ، وايضًا خشية الذي يعرف مصيره لو تعرض بما يخالف التقديس لهذه المنطقة التي هي وقف للمُقدَس ، وتصور كمواطن أن هناك منطقة في الدولة مُحرمة أو وقف لجهة مُقدَسة ، إذ لا شكوى يُجاهَر بها ضدها ولا جهة تنفيذية تتحرك بإتجاهها ولا قضاء يوجه القانون نحوها ولا مواطن ينال الحماية من سطوتها المُقدَسة ، فكيف والرمز الأعلى الذي تتبع له المنطقة هو العالي المتعالي ، ومن الذي يجلبه للقضاء وسلطة قوانين الدولة أن أنتهك أو أجرم ..
(( سؤال وجواب 3:
محمود جاويش: الخطاب الثقافي الذى يدعو لتجديد وتطوير الخطاب الديني مازال يلقى هجومًا وصدًا من المؤسسات الدينية.. ما تفسيرك ؟
خزعل الماجدي : لا ضرورة لتجديد الخطاب الديني ، ولا ضروة للإصلاح الديني ، على الدين أن يخضع للقانون وأن يترك ما لا يعنيه ، هذه المحاولات إضاعة للوقت فى عصر يمر سريعًا ويطالبنا بالإنجاز الحضارى فيه ، وليس من المعقول أن نقضي عقودًا فى الخطاب والإصلاح .. إذًا لنترك الدين عفويًا بسيطًا فى حياة الناس ، ولنمنع سلطات رجال الدين من التدخل فى حياة الناس ، لأن الإسلام لا يقبل بالوسيط بين الخالق والمخلوق ، وهذه ميزة عظيمة تُحسب له بين أديان العالم كلّها . المؤسسة الدينية لا تريد أن تتخلى عن امتيازاتها الدنيوية وهيمنتها على حياة ورقاب الناس ، ولذلك تجدها رافضة كل هذا الذى قلته ، لكن الزمن يمرّ وستجد نفسها يومًا ما فى عزلةٍ ، وسيهجرها الناس لأنها لم تشجعهم على اللحاق بالشعوب المتحضرة / من صفحة Khazal Al Maijdi على الفيس بوك ، نُشِرَ بتاريخ ٣ فبراير ٢٠٢٠ )) ..
لماذا يُصر مجموعة من المواطنين على إعلاء مُقدَس ما على المواطنة والدولة ؟
هؤلاء المواطنون لم يعتمدوا الترتيب بل التفضيل ، أما لماذا اعتمدوا التفضيل فالأمر يرجع الى ما يلزمه دراسات معمقة في النفسية الاجتماعية للحالة المُستهدفة .
لماذا يخضع مقدسون الى مقدس فرد ويرفعوه فوقهم ؟
لكل حالة من هذا القبيل ظروف خاصة ، ولهذا لزم أن تُدرس كل حالة على انفراد ، ولكن ؛ لنطرح السؤال التالي : أي من حركات أو المؤوسسات الدينية الاسلامية لم تتخذ إمامًا لها ؟ ولقد استخدمت عنوان ( إمام ) عوضًا عن ( قائد ) أو ( زعيم ) وهناك عنوان يتداول في الاوساط الدينية الاسلامية وهو ( أمير ) وكذلك ( خليفة ) وهي عناوين مُقدسة ، فالأمير هو في عنوانه الكامل ( أمير المؤمنين ) والخليفة هو ( خليفة رسول الله ) والإمام هو ( آية الله العظمى ونائب الإمام الغائب وولي أمر المسلمين ) ونحن في هذا المقال نتناول الشيعة ، والشيعة يطلقون على المرجع الاعلى صفة ( إمام ) فهناك الإمام الخميني والإمام السيستاني ، أما مقتدى الصدر كما أبيه لم يُلطق عليه صفة ( إمام ) فأطلِق على السيد محمد محمد صادق الصدر مسمى ( المولى المُقدس ) وعلى ولده السيد مقتدى مُسميات ذات قداسة لا تُضاهى فبعض اتباعه يعتقد بمهدويته ( أي انه الإمام المهدي الغائب ، مع إخفاء العنوان ) وهؤلاء كُثر من الأتباع بعضهم يستتر بالتقية وربما أشار لعقيدته هذه برموز وإشارات دون حد الإفصاح ، ولا يمكن لنا أن نفرز هؤلاء عن غيرهم من الأتباع لصعوبة التواصل معهم بالمجمل لوجود نزعة التشدد والتوجس المفرط وكذلك ما يكتنف مجموعتهم من تطرف خطر قد يُعرّض السائل أو الباحث لتهديد حقيقي ، فنكتفي بما نعرف عنهم من تقديس مُفرط ومغالاة في جناب السيد مقتدى ووالده ، ولكن لا السيد مقتدى ولا والده حاز على لقب ( إمام ) في الوسط التابع وهذا يلزم وقفة تأمل وتدبّر ، فرغم قُدسية الرجلين إلا أن كليهما لم ينل لقب ( إمام ) وهذا اللقب يُطلق بأصل الاستخدام عند الشيعة على اثني عشر رجل أولهم علي بن أبي طالب وولده وأحفاده من النه الحسين إنتهاءً بالمهدي الغائب ويعتقدون أن الإمام معصوم عن أي خطأ ويمتلك من المواصفات الكمالية مالم يتوفر لغيره من البشر .
أمام هذا التهويل التقديسي المُغال تجاه شخص السيد مقتدى الصدر ، ولعدم وجود جناح مسلح ضخم لبقية رجال الدين الشيعة في العراق ، ولإحجام السيد الخامنائي وهو الولي الفقيه عن الإصطدام بمقتدى بسبب ضخامة الكتلة البشرية التي تُقدسه أنفرد مقتدى بالساحة كلاعب أقوى مما أوجد في نفوس الناس الإنبهار أو الرعب وأمتد هذا التأثير الى مؤوسسة الدولة وتمكنت كتلته البشرية التابعة منها ..
سيكون لفتوى مرجعية صريحة وواضحة ودقيقة أثر بالغ في إخراج السيد مقتدى واتباعه وقواه الموالية من مشهد الدولة وتفاصيلها المؤوسساتية ، وهذا الدور جد ضروري وخير من يؤديه رمز ، شرط أن يكون رمزًا له ثقله قِبال السيد مقتدى وقوته وقواه ، وأن يكون المسعى والقصد من الفتوى تجريد الدولة من أي بقعة مقدسة أو منطقة مُحرمة لأجل توطيد عرى المواطنة والمساواة وترسيخ الشجاعة الحقوقية في نفوس المواطنين وإفهامهم ، جميع المواطنين ، أن الدولة كيان خدمي وقانوني لا شأن له بالمقدسات ولا يُزاول التدين ولا يتخذ أربابًا أو هو موحِد العبودية ، وأن ليس في السماء مبنى البرلمان أو بناية الحكومة التنفيذية أو دار القضاء والمحاكم ، وعليه ؛ فجميع المواطنين والمقيمين يمتثلون لنفس القانون والتفاصيل الإجرائية المترتبة عليه ، وللدولة إخضاع الأفراد والجماعات والنصوص والتراث والتأريخ وفق القانون وطُرق التعليم ومنافذ الإعلام دون الإضرار بحرية الرأي والمعتقد والإتجاهات الثقافية والسياسية شريطة المساواة والحقوق والكرامة والتقدم .

٤ فبراير ٢٠٢٠

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير